لخدمة توصيل المخدرات.. طائرات مسيرة تهدد أمن السجون الفيدرالية بالولايات المتحدة

لخدمة توصيل المخدرات.. طائرات مسيرة تهدد أمن السجون الفيدرالية بالولايات المتحدة

​في جنح ظلام الشتاء الدامس وفي تمام الساعة الثالثة والنصف صباحا استيقظ الحراس في سجن توربفيل بولاية كارولاينا الجنوبية على أصوات مألوفة باتت تؤرق منامهم وتخترق حصونهم المنيعة حيث رصد الضباط طائرات مسيرة تحلق في سماء الساحة المفتوحة وتخترق الصمت بأزيز محركاتها الذي ينبئ بوجود اختراق أمني جديد يستهدف إيصال طرود مشبوهة إلى النزلاء.

​حسب تقرير لشبكة سي إن إن الإخبارية وتصريحات رسمية من إدارة السجون فقد لاحظ أحد الضباط جسما غريبا يقترب من السجن بسرعة كبيرة قبل أن يلقي طردا كبيرا يبلغ طوله حوالي متر واحد في منتصف الساحة ثم يختفي في الأفق البعيد مخلفا وراءه شحنة من المواد المحظورة التي كانت تنتظر وصولها أيادي السجناء المتربصين في الداخل.

​هرع الضباط بسرعة البرق لتأمين الطرد الغامض قبل أن يضع أي سجين يده عليه ليكتشف المسؤولون كنزا من الممنوعات يضم كميات ضخمة من التبغ والماريغوانا وعقار الإكستاسي بالإضافة إلى أربعة هواتف محمولة متطورة كانت معدة للاستخدام في أعمال غير قانونية ومنسقة من داخل الزنازين التي يفترض أن تكون معزولة تماما عن العالم الخارجي.

​قدرت إدارة السجون في ولاية كارولاينا الجنوبية القيمة السوقية لهذه الشحنة المهربة بأكثر من مئة وخمسة وستين ألف دولار أميركي وذلك وفقا لنظام التسعير الخاص الذي يسود داخل السجون حيث ترتفع أسعار المواد الممنوعة بشكل خيالي نتيجة لصعوبة الحصول عليها وخطورة تهريبها عبر الأسوار العالية والحراسة المشددة التي تحيط بكل ركن من أركان المنشأة.

تكنولوجيا الأجواء تتحول إلى خدمة توصيل للممنوعات

​تعتبر ولاية كارولاينا الجنوبية واحدة من الولايات الأميركية العديدة التي تخوض حربا مفتوحة ضد التهديدات المستمرة والمتصاعدة التي تفرضها طائرات مسيرة تستهدف السجون في أوقات متأخرة من الليل لتوصيل أدوات حادة وهواتف محمولة ومواد هروب متطورة وحتى ألعاب محشوة تخفي في أحشائها كميات هائلة من المخدرات التي تدر مبالغ طائلة على الشبكات الإجرامية.

​تسببت هذه الظاهرة المتفشية في حالة من القلق البالغ لدى السلطات الأمنية بعد أن تحول الفضاء الجوي فوق السجون إلى ممر آمن للمهربين الذين يستغلون تقنيات الطيران الحديثة لتجاوز البوابات والأسوار المكهربة دون الحاجة لمواجهة الحراس وجها لوجه مما جعل من الصعب السيطرة على تدفق المواد الخطيرة التي تهدد حياة الموظفين والنزلاء على حد سواء.

​دفع هذا التطور الخطير مجموعة مكونة من واحد وعشرين مدعيا عاما في ولايات مختلفة إلى توجيه نداء استغاثة عاجل ورسالة رسمية إلى مجلس الأمن القومي الأميركي في نهاية شهر مارس الماضي للمطالبة بتدخل فيدرالي حاسم يساعد في كبح جماح عمليات الإسقاط الجوي المتكررة التي تنفذها طائرات مسيرة مجهولة المصدر فوق حرم السجون العامة والخاصة.

​أكد المدعون في رسالتهم الجماعية أن الأنشطة غير القانونية المرتبطة بالتهريب الجوي تحدث بشكل متزامن في جميع أنحاء البلاد وتخلف عواقب وخيمة على الأمن المجتمعي لأن إدخال المخدرات يساهم في زيادة مستويات الإدمان والعنف داخل السجون بينما يؤدي تهريب الأسلحة والشفرات إلى ارتفاع معدلات الاعتداءات الجسدية وأعمال الشغب المنظمة والمميتة.

صراع السيطرة على الأجواء وتحديات التهريب المتطورة

​أوضح المسؤولون القانونيون أن الهواتف المحمولة التي يتم تهريبها بنجاح تمنح السجناء القدرة على مواصلة إدارة أنشطتهم الإجرامية من خلف القضبان بما في ذلك تنفيذ عمليات احتيال مالي واسعة وترهيب الشهود في القضايا المنظورة أمام القضاء بل وتنسيق جرائم عنف واغتيالات خارج السجن باستخدام شبكات تواصل سرية يصعب على السلطات مراقبتها بفعالية.

​لم يعد التهريب مجرد حوادث عشوائية بل أصبح ظاهرة متكررة ومنظمة بشكل مخيف في ولاية كارولاينا الجنوبية حيث تعاملت سجون الولاية البالغ عددها واحدا وعشرين سجنا مع حوالي خمس وسبعين حادثة تهريب جوي منذ بداية العام الحالي وحتى أواخر شهر أبريل وهو ما يشير إلى تصاعد وتيرة العمليات مقارنة بالأعوام الماضية التي سجلت أرقاما قياسية.

​تشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن متحدث باسم إدارة السجون إلى تسجيل مئتين وثلاثة وسبعين حادثة مماثلة خلال عام ألفين وخمسة وعشرين مما يبرز التحدي التكنولوجي الكبير الذي يواجهه الحراس الذين كانوا يعتمدون سابقا على تفتيش البريد ومراقبة الأسوار التقليدية بينما يتعين عليهم الآن مراقبة السماء باستمرار لمنع تسلل طائرات مسيرة تحمل أدوات القتل والدمار.

​تتنوع طرق إدخال الممنوعات إلى السجون الأميركية لتشمل إلقاء الطرود يدويا فوق السور أو استغلال الثغرات في فحص الطرود البريدية وفي حالات مؤسفة تورط بعض ضباط السجون الفاسدين في تسهيل هذه العمليات ولكن استخدام الطيران المسير أحدث ثورة في عالم التهريب حيث يتم توجيه الطرود مباشرة إلى نوافذ الزنازين بدقة مذهلة.

هروب تاريخي وعصابات منظمة تدير العمليات الجوية

​وصف أحد القادة الأمنيين في السجون الأميركية هذا التطور بأنه يشبه خدمة توصيل الطلبات المنزلية حيث يحصل السجين على ما يريد في مكانه المخصص دون عناء يذكر وهو ما تجسد في أسوأ كابوس واجهه المسؤولون عام ألفين وسبعة عشر عندما تمكن سجين من الهروب من سجن ليبر بعد استلامه قواطع أسلاك عبر طائرة مسيرة.

​استخدم السجين الهارب تلك الأدوات لقطع الأسلاك الشائكة والحواجز الحديدية في غفلة من الحراس مما أدى إلى استنفار أمني واسع النطاق في ذلك الوقت ودفع الولاية إلى إصدار تشريعات جديدة واتخاذ إجراءات تقنية أكثر صرامة لمحاولة حماية الفضاء الجوي للسجون من الاختراقات المتكررة التي تقوم بها عصابات الجريمة المنظمة التي توظف طيارين محترفين.

​كشفت التحقيقات المعمقة أن معظم الطيارين الذين يديرون هذه العمليات الجوية المعقدة في ولاية كارولينا الجنوبية هم أعضاء فاعلون في عصابات إجرامية منظمة وكثير منهم سجناء سابقون قضوا فترات خلف القضبان ويمتلكون معرفة دقيقة بتضاريس المنطقة المحيطة بالسجن ومواقع الزنازين وتوقيتات نوبات الحراسة مما يسهل عليهم مهمة الإسقاط الجوي بدقة متناهية.

​تستفيد هذه العصابات من خبراتها السابقة في بناء علاقات قوية داخل السجن حيث يتم التنسيق مع النزلاء لتحديد نقاط الإنزال الآمنة وتوقيتات غياب الرقابة البشرية مما يحول عملية التهريب إلى مشروع تجاري مربح للغاية يعتمد على استغلال التكنولوجيا الحديثة في تجاوز القانون وتحدي سلطة الدولة في واحدة من أكثر المناطق حساسية وأمنا.

تحالف قانوني لمواجهة التهديدات الأمنية في السجون

​امتدت هذه الظاهرة المقلقة لتشمل ولايات أخرى مثل فلوريدا التي شهدت صدور حكم قضائي تاريخي بالسجن لمدة واحد وثمانين عاما على رجل أدين بتدبير عمليات تهريب واسعة النطاق شملت شفرات حلاقة ومخدرات ومواد ممنوعة متنوعة عبر استخدام طائرات مسيرة كانت تستهدف عدة منشآت إصلاحية في الولاية لتعزيز القوة المالية للعصابات.

​في ولاية جورجيا المجاورة كشف المدعي العام عن أرقام صادمة تعكس حجم المأساة حيث تسجل الولاية في المتوسط ثمانية وخمسين حادثة تهريب جوي شهريا داخل سجونها مع ضبط كميات متنوعة من الأسلحة البيضاء والمخدرات الصلبة وهو ما يعكس تحول السجون إلى ساحات قتال غير متكافئة تستخدم فيها أحدث التقنيات لتهديد استقرار المؤسسات العقابية.

​أكد خبراء الأمن أن مواجهة هذا النوع من الجرائم يتطلب تعاونا وثيقا بين السلطات المحلية والفيدرالية لتطوير أنظمة رادار متقدمة وتقنيات تشويش إلكتروني قادرة على رصد وتعطيل أي طائرات مسيرة تقترب من المناطق المحظورة مع ضرورة تحديث القوانين لتشمل عقوبات رادعة لكل من يساهم في تسهيل هذه العمليات التي تهدد سلامة المجتمع بأسره.

​يبقى التحدي الأكبر أمام إدارة السجون هو مواكبة التطور السريع في تكنولوجيا الطيران من دون طيار حيث تصبح هذه الأجهزة أصغر حجما وأقل ضجيجا وأكثر قدرة على حمل أوزان ثقيلة مما يتطلب استثمارات ضخمة في أنظمة الدفاع الجوي المخصصة للمنشآت الحيوية لضمان عدم تحول السجون إلى مراكز قيادة خلفية للشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

​إن المعركة من أجل استعادة السيطرة على أجواء السجون الأميركية لا تزال في بدايتها حيث يتطلع المسؤولون إلى دعم مجلس الأمن القومي لتوفير الموارد اللازمة والخبرات التقنية التي تمكنهم من حماية أسوارهم من الأعلى وإحباط محاولات التهريب التي باتت تستخدم الفضاء كطريق بديل ومباشر للوصول إلى قلوب الزنازين المحصنة تحت جنح الظلام.

حاصل علي كلية الدراسات الإسلامية جامعه الازهر الشريف في القاهرة احب كتابة الأخبار والتريندات