تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

كيف تصدعت رواية الإعلام الأمريكي؟

Ahmed Shokre16 دقيقة قراءة0 مشاهدة

تكشف الدراسة تصدع احتكار الإعلام الأمريكي لرواية حرب غزة؛ فبينما واصل الإعلام السائد تبني السردية الإسرائيلية، نجح إعلام النشطاء في أنسنة الفلسطينيين وإعادة الحرب إلى سياق الاحتلال والاستعمار.

منذ الساعات الأولى التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تكن الحرب الدائرة في غزة وحدها هي موضع الصراع، فقد بدأت في الولايات المتحدة معركة أخرى على تفسير ما حدث: من أين تبدأ الحكاية؟ ومن الضحية؟ ومن المعتدي؟ وهل ما جرى في السابع من أكتوبر هو نقطة البداية، أم حلقة في صراع يمتد إلى عقود من الاحتلال والاستيطان والحصار؟

هذه المعركة على الرواية هي محور دراسة الباحث نادر داغر، أستاذ مساعد في جامعة أوستن بي بالولايات المتحدة، التي تقارن بين الطريقة التي غطى بها الإعلام الأمريكي السائد الحرب، والطريقة التي قدمها بها إعلام النشطاء المتضامن مع فلسطين. وترى الدراسة أن الخلاف بينهما يتجاوز اختيار الأخبار والمصطلحات إلى بناء سرديتين مختلفتين للحرب، تعكسان بدورهما علاقتين مختلفتين بالقوة والسلطة والسياسة الخارجية الأمريكية.

اقرأ أيضا

  • list 1 of 2ماذا يعني انتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس؟
  • list 2 of 2كيف تتغير خريطة الصراع في الساحل الأفريقي؟

واعتمد الباحث على التحليل النقدي للخطاب، ودرس 60 مادة صحفية منشورة في ست وسائل إعلامية خلال الفترة من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 19 يوليو/تموز 2025. ومثلت الإعلام السائد “نيويورك تايمز” و”سي إن إن” و”فوكس نيوز”، بينما مثل إعلام النشطاء “موندو وايس” و”بالستين كرونيكل” و”إلكترونيك انتفاضة”، بواقع عشر مواد من كل وسيلة. ولم تشمل العينة المحتوى المرئي، واقتصرت على الأخبار والتقارير والقصص والمقالات المكتوبة المرتبطة بالحرب وتطوراتها.

وتنطلق الدراسة من أن السرد الإعلامي لا يقتصر على نقل الوقائع؛ فالطريقة التي ترتب بها الأحداث، واللحظة التي تبدأ منها القصة، والأصوات التي تمنح مساحة للكلام، والصفات التي تطلق على أطراف الصراع، كلها تسهم في تحديد الكيفية التي يفهم بها الجمهور الحرب. وقد يؤدي حذف السياق التاريخي والسياسي إلى تقديم أجزاء من الحقيقة باعتبارها الحقيقة كاملة، وإعادة توزيع موقعي الضحية والمعتدي.

وفي الحالة الفلسطينية، ترى الدراسة أن هذه المسألة ترتبط بتاريخ طويل من السرد الغربي عن فلسطين وإسرائيل. فقد ساعدت سرديات من قبيل وصف إسرائيل بأنها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” و”الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة” في منح سياساتها شرعية سياسية، بينما ارتبطت المقاومة الفلسطينية في الخطاب الغربي بـ”الإرهاب ومعاداة السامية”. وفي مقابل هذا التفوق السردي، نشأت وسائل إعلام يديرها نشطاء بهدف إتاحة مساحة لقضايا وأصوات لا تجد حضورًا مماثلًا في وسائل الإعلام الكبرى.

حين تبدأ الحرب في 7 أكتوبر

وجدت الدراسة أن الإعلام الأمريكي السائد بنى روايته للحرب في جانب مهم منها وفق تسلسل السبب والنتيجة: تبدأ القصة بهجوم حماس في السابع من أكتوبر، ثم تأتي العمليات العسكرية الإسرائيلية بوصفها ردًا على ذلك الهجوم.

وهذه البداية ليست تفصيلًا زمنيًا محايدًا في نظر الدراسة؛ لأنها تجعل الهجوم الفلسطيني سببًا لما تلاه، بينما يتراجع إلى الخلف تاريخ الاحتلال والحصار والاستيطان والصراع السابق على السابع من أكتوبر. وهكذا تتحول القضية، في السرد الإعلامي، من صراع مرتبط بالاحتلال والاستعمار إلى مشكلة أمنية تواجهها إسرائيل.

ورصدت الدراسة كذلك اختلافًا في اللغة المستخدمة لوصف الطرفين. فالإعلام السائد اعتمد بصورة مكثفة على المسؤولين والمتحدثين العسكريين الإسرائيليين والأمريكيين، واستخدم أو نقل تعبيرات تصف أعمال المقاومة بأنها “همجية خالصة” و”شر مطلق”، بينما وُصف جنود إسرائيليون ومستوطنون بأنهم “أبطال”. وترى الدراسة أن هذه اللغة لا تكتفي بوصف أطراف الحرب، وإنما تمنح أحد الطرفين موقعًا أخلاقيًا وشرعيًا، في مقابل تجريم الطرف الآخر.

ويمتد الاختلاف إلى الطريقة التي تعرض بها الخسائر البشرية. وتقدم الدراسة مثالًا من تغطية “سي إن إن” لوفاة الطفلة الفلسطينية رزان أبو ظاهر، البالغة أربع سنوات، إذ قال التقرير إنها “فارقت الحياة يوم الأحد”، ثم ذكر أنها توفيت نتيجة مضاعفات الجوع وسوء التغذية.

وترى الدراسة أن المشكلة هنا ليست في صحة واقعة الوفاة، وإنما في البناء اللغوي الذي لا يسمي المسؤول عنها. كما أن استخدام “سوء التغذية” بدلًا من ربط الوفاة بالمجاعة والسياسات التي أدت إليها يفصل النتيجة الإنسانية عن الفعل السياسي الذي سبقها. وبذلك تصبح وفاة الطفلة مأساة بلا فاعل واضح.

وفي المقابل، يحظى الضحايا الإسرائيليون، وفق نتائج الدراسة، بمعالجة أكثر شخصية وإنسانية وعاطفية. كما تعرض العمليات العسكرية الإسرائيلية باعتبارها ضرورية أو دفاعية، بينما تربط معاناة الفلسطينيين في أحيان كثيرة بحماس، سواء باتهام الحركة بتخزين المساعدات أو استخدام السكان أو الاختباء بينهم.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك؛ إذ رصد الباحث نمطًا آخر يتعلق بأعداد القتلى الفلسطينيين. فعندما تنقل وسائل الإعلام السائدة أرقام وزارة الصحة في غزة، تقرنها أحيانًا بعبارات تشكك في إمكانية التحقق المستقل منها، أو تشير إلى أن الوزارة تعمل في قطاع تحكمه حماس، أو تلفت إلى أن الأرقام لا تميز بين المدنيين والمقاتلين.

وتورد الدراسة مثالًا من “نيويورك تايمز” نقلت فيه الصحيفة أعداد الضحايا عن وزارة الصحة والدفاع المدني، ثم أضافت أن هذه الادعاءات “لم يتسن التحقق منها بشكل مستقل”. ويرى الباحث أن تكرار هذه الصيغة يضع الرواية الفلسطينية في موضع الشك، بينما تحظى الرواية الإسرائيلية بموقع أكثر قوة داخل التغطية الأمريكية.

الحرب بلا تاريخ

تعتبر الدراسة تغييب السياق التاريخي أحد أهم مكونات السردية التي يقدمها الإعلام الأمريكي السائد. فبدء القصة من السابع من أكتوبر يجعل أفعال الفلسطينيين نقطة الانطلاق، ثم تصبح الحرب الإسرائيلية نتيجة لها، فيما تتراجع عقود الاحتلال والحصار والتوسع الاستيطاني إلى خارج المشهد.

وبهذه الطريقة، بحسب الدراسة، يجري تقديم المقاومة الفلسطينية باعتبارها مشكلة أمنية تواجه إسرائيل، لا باعتبارها جزءًا من صراع طويل على الاحتلال والأرض وتقرير المصير.

وتشير الدراسة هنا إلى ادعاءات رددها الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن بشأن قطع رؤوس أطفال إسرائيليين واغتصاب نساء، وتقول إن بعض هذه الادعاءات تبين لاحقًا عدم صحته حتى في الإعلام الإسرائيلي، لكنها أدت في اللحظة الأولى وظيفة مهمة في بناء المناخ السياسي والأخلاقي الذي سبق الدعم الأمريكي الواسع للحرب الإسرائيلية.

ومن هنا تصل الدراسة إلى توصيف أشمل لسردية الإعلام السائد: إسرائيل تظهر باعتبارها الطرف الذي “يرد” و”يدافع عن نفسه”، بينما يظهر الفلسطيني في اللحظة التي يستخدم فيها القوة، من دون حضور كاف للسياق السابق الذي أنتج الصراع. وهو ما يربطه الباحث بالمنظور الاستشراقي الذي تناوله إدوارد سعيد، حيث يقدم الطرف الإسرائيلي باعتباره عقلانيًا ومتحضرًا، في مقابل فلسطيني عنيف وغير عقلاني. لكن الدراسة وجدت على الجانب الآخر رواية إعلامية مختلفة جذريًا.

 إعلام النشطاء يعيد غزة إلى سياقها

لا يبدأ “موندو وايس” و”بالستين كرونيكل” و”إلكترونيك انتفاضة” القصة، وفق الدراسة، في السابع من أكتوبر. فإعلام النشطاء يضع الحرب ضمن تاريخ يعود إلى عام 1948، ويقدمها باعتبارها امتدادًا لصراع الفلسطينيين مع مشروع استعماري استيطاني، وليس مواجهة بدأت فجأة بهجوم حماس.

ويختلف تبعًا لذلك توصيف المقاومة نفسها. فبدلًا من تقديمها بوصفها أصل الأزمة، يضعها هذا الإعلام ضمن نضال الفلسطينيين ضد الاحتلال، ويقدم الطرفين باعتبارهما غير متكافئين: قوة احتلال من جهة، وشعبًا يقاوم فقدان أرضه من جهة أخرى.

وتستشهد الدراسة بتغطيات استعانت بتصريحات مسؤولين إسرائيليين أنفسهم للكشف عن السياسات تجاه الفلسطينيين، ومنها تصريحات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الداعية إلى تشجيع الفلسطينيين في غزة على الهجرة.

ويظهر الاختلاف بصورة أكبر في معالجة الجوع. فبينما رصدت الدراسة في الإعلام السائد لغة تفصل حالات الوفاة وسوء التغذية عن المسؤول المباشر، يقدم إعلام النشطاء التجويع باعتباره أداة في الحرب وليس مجرد أثر جانبي لها.

وتعتمد هذه الوسائل على القصص الفردية والتفاصيل اليومية: انتظار الماء والطحين، البحث عن الطعام، وحياة النساء والأطفال والمرضى تحت الحصار. وبدلًا من الاكتفاء بأعداد الضحايا، تنتقل التغطية إلى الأشخاص أنفسهم وتجاربهم.

وهنا تظهر إحدى أهم أدوات السرد المضاد التي تحددها الدراسة: أنسنة الفلسطيني.

فالشخص الفلسطيني لا يظهر رقمًا ضمن حصيلة يومية للقتلى، وإنما فردًا له اسم وعائلة وتجربة ومخاوف وتفاصيل حياة. وتعتقد الدراسة أن هذه الطريقة تمنح الرواية الفلسطينية قدرة أكبر على الوصول إلى الجمهور الغربي، لأنها تنقل الحرب من المجال السياسي المجرد إلى التجربة الإنسانية المباشرة.

ولا يقدم إعلام النشطاء الفلسطينيين باعتبارهم ضحايا فقط. فالدراسة ترصد اهتمامًا بمظاهر الصمود والمقاومة، من العمل والزراعة والبقاء وسط الدمار إلى المقاومة المسلحة نفسها، التي تؤطرها هذه الوسائل باعتبارها جزءًا من مقاومة الاحتلال.

كما تختلف خريطة المسؤولية عن الحرب. فالدور الأمريكي لا يقدم في هذه الوسائل باعتباره دور وسيط، وإنما بوصفه مشاركة مباشرة من خلال الدعم السياسي والعسكري وتزويد إسرائيل بالسلاح. وتستعين التغطيات بتقارير حقوقية وقانونية لمساءلة الولايات المتحدة والدول التي تزود إسرائيل بالأسلحة المستخدمة في الحرب.

من يربح معركة الرواية؟

لا تنتهي الدراسة بمجرد إثبات وجود انحياز في اتجاهين مختلفين، وإنما تنتقل إلى السؤال الأهم: ماذا فعل ظهور هذه الرواية المضادة بهيمنة الإعلام الأمريكي التقليدي؟

وتخلص المقارنة إلى وجود انقسام واضح في المشهد الإعلامي الأمريكي. فالإعلام السائد لا يزال، بحسب الدراسة، يعكس بدرجة كبيرة بنية القوة السياسية والجيوسياسية الأمريكية، ويعيد إنتاج سردية تتوافق مع التحالف الأمريكي الإسرائيلي. وفي المقابل، استطاع إعلام النشطاء أن يفتح مجالًا لرواية فلسطينية كان حضورها أضعف بكثير داخل المؤسسات الإعلامية الكبرى.

فالسرديتان لا تختلفان فقط في وصف الحرب، وإنما في تحديد نقطة بدايتها وأبطالها وضحاياها والمسؤولين عنها. الإعلام السائد يبدأ من هجوم السابع من أكتوبر، بينما يعود إعلام النشطاء إلى تاريخ الاحتلال. الأول يمنح الرواية الإسرائيلية أولوية ويقدم الحرب في إطار أمني، والثاني يضعها في إطار استعماري. الأول يشكك في جوانب من الرواية الفلسطينية ويمنح الرواية الرسمية مساحة أكبر، والثاني يجعل التجربة الفلسطينية نفسها مركز القصة.

والنتيجة الأكثر لفتًا في الدراسة هي أن احتكار الإعلام التقليدي الأمريكي لسرد القضية الفلسطينية بدأ يتصدع.

فقد أتاحت المنصات البديلة ووسائل التواصل الاجتماعي وإعلام النشطاء وصول الرواية الفلسطينية إلى جمهور لم يعد يعتمد وحده على “نيويورك تايمز” و”سي إن إن” و”فوكس نيوز” لفهم ما يحدث. وترى الدراسة أن إعلام النشطاء نجح خلال الحرب في إيصال أصوات فلسطينية وكشف وقائع تقول إن الإعلام السائد تجاهلها أو قلل من شأنها.

ولا تذهب الدراسة إلى القول إن الرواية الفلسطينية حلت محل الرواية المهيمنة، لكنها ترصد فجوة متنامية بين المؤسسة الإعلامية التقليدية والإعلام البديل الصاعد، وتعتبر أن هذه الفجوة قد تكون مؤشرًا إلى تراجع الإجماع الإعلامي والسياسي الأمريكي التقليدي على الدعم غير المحدود لإسرائيل.

وبهذا تصبح معركة غزة في الإعلام الأمريكي أكبر من خلاف على المصطلحات. إنها، وفق ما تنتهي إليه الدراسة، منافسة على سلطة تعريف ما حدث أصلًا: هل بدأت الحكاية في السابع من أكتوبر، أم قبله بعقود؟ هل إسرائيل دولة تدافع عن نفسها أم قوة احتلال؟ هل الفلسطيني موضوع للحرب أم صاحب رواية؟ ومن يمتلك، في النهاية، حق تحديد القصة التي تصل إلى الجمهور الأمريكي؟

وتشير النتائج إلى أن الإجابة التي ظلت المؤسسات الإعلامية الكبرى تملك قدرًا واسعًا من السيطرة عليها لم تعد حكرًا عليها؛ إذ فتح صعود إعلام النشطاء والمنصات البديلة المجال أمام سردية فلسطينية مضادة، وأوجد فضاء إعلاميًا أميركيًا أكثر انقسامًا وأقل خضوعًا لرواية واحدة للحرب.

حين يصبح اختيار الكلمات موقفًا سياسيًا

تكشف المقارنة التي يجريها نادر داغر أن الفارق بين السرديتين لا يظهر فقط في الوقائع التي تختار كل وسيلة إبرازها، وإنما في البنية اللغوية نفسها. فالفعل الواحد يمكن أن يتغير معناه السياسي والأخلاقي بحسب الفاعل الذي يوضع في صدر الجملة، والوصف الذي يلحق به، والسياق الذي يسبقه.

في الإعلام السائد، تظهر حماس بوصفها “منظمة إرهابية”، وتوصف أفعالها بمفردات مثل “الهمجية” و”الشر”، بينما تقدم العمليات الإسرائيلية في إطار “الدفاع عن النفس” و”القضاء على الإرهابيين”. ولا ترى الدراسة هذه المفردات مجرد أوصاف صحفية، وإنما جزءًا من بناء سردية تحدد مسبقًا موقع كل طرف: من يملك الشرعية في استخدام القوة، ومن يجرد منها.

ويكتسب ترتيب الأحداث أهمية مماثلة. فعندما تبدأ المادة الصحفية بما فعلته حماس، ثم تنتقل إلى ما فعلته إسرائيل، تتكون علاقة سببية ضمنية بين الفعلين: الأول هو السبب والثاني هو الرد. وبهذه البنية يمكن عرض حجم هائل من الدمار والخسائر الفلسطينية، مع استمرار الرواية الأساسية التي تجعل إسرائيل في موقع الطرف الذي يستجيب لما وقع عليه.

وتشير الدراسة إلى مثال واضح على ذلك في معالجة معركة رفح، حيث ورد في إحدى المواد التي حللتها أن حماس، بشنها هجوم السابع من أكتوبر وأخذ المحتجزين ثم الاختفاء بين السكان، ضمنت أن ترد إسرائيل “بقوة ساحقة”، وأن يؤدي الرد إلى معاناة فلسطينية هائلة تتحمل إسرائيل اللوم عليها. وترى الدراسة أن هذه الصياغة تنقل المسؤولية عن نتائج العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى حماس نفسها، بحيث تصبح الحركة مسؤولة ليس فقط عن فعلها، وإنما عن الفعل الإسرائيلي اللاحق أيضًا.

وهذا هو ما تصفه الدراسة بمنطق “لوم الضحية”؛ إذ لا يقتصر الأمر على تجريم حماس، وإنما يمتد إلى ربط معاناة المدنيين الفلسطينيين بسلوكها، بينما يجري تقديم العمل العسكري الإسرائيلي باعتباره ضرورة فرضها الطرف الآخر.

ويظهر الاتجاه نفسه عند الحديث عن المجاعة والضحايا. فاختيار صيغة “مات” بدل “قتل”، أو الحديث عن “سوء التغذية” من دون تسمية السياسات التي أدت إليه، ليس متساويًا دلاليًا مع رواية تسمي الحصار ومنع الغذاء باعتبارهما سببًا مباشرًا للكارثة. وتتعامل الدراسة مع هذه الاختيارات اللغوية باعتبارها جزءًا من الصراع على تحديد المسؤولية، لا مجرد فروق تحريرية بين المؤسسات.

رواية إسرائيل تُنقل.. ورواية غزة تخضع للاختبار

ومن النتائج التي تركز عليها الدراسة وجود تفاوت في مقدار الشك الذي يحيط بالمصادر المختلفة.

فعندما تقدم المؤسسات الفلسطينية أعداد القتلى، تظهر في التغطية عبارات التحفظ وعدم القدرة على التحقق المستقل، ويجري التذكير بأن وزارة الصحة تعمل في قطاع تحكمه حماس، أو بأنها لا تميز في إحصاءاتها بين المدنيين والمقاتلين.

ولا تعترض الدراسة على مبدأ التحقق الصحفي في ذاته، وإنما تركز على عدم التكافؤ في تطبيقه على الروايتين. فبحسب تحليلها، تحظى المصادر الإسرائيلية الرسمية بموقع أكثر امتيازًا، وتنقل روايتها بدرجة أكبر من القبول، بينما توضع الرواية الفلسطينية في موضع يحتاج باستمرار إلى إثبات صدقيته.

ويتحول الاختلاف هنا من مسألة تتعلق بالمصدر إلى مسألة تتعلق بمن يملك سلطة إنتاج “الحقيقة” داخل المجال الإعلامي. فالدولة، بما تمتلكه من مؤسسات ومتحدثين رسميين وأجهزة عسكرية وعلاقات سياسية وإعلامية، تدخل إلى الخبر من موقع مختلف تمامًا عن السكان الواقعين تحت الحرب أو المؤسسات العاملة بينهم.

وترى الدراسة أن هذا الاختلال يعكس بدوره العلاقة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل. فالإعلام لا يعمل، وفق هذا التحليل، بعيدًا عن بنية المجتمع الذي ينتمي إليه، وإنما يتفاعل مع المؤسسات السياسية ومراكز القوة والتصورات المستقرة تاريخيًا عن إسرائيل والفلسطينيين.

الفلسطيني يعود شخصًا لا رقمًا

في الجهة المقابلة، تعتمد السردية التي يقدمها إعلام النشطاء بصورة كبيرة على التجربة الفردية.

فبدلًا من الاكتفاء بالقول إن سكان غزة يعانون نقص الغذاء، تتابع بعض المواد رحلة شخص يبحث عن الطعام. وبدل تقديم الجوع رقمًا في تقرير إنساني، تعرض انتظار السكان لساعات من أجل الماء أو الطحين، وتصف ما يحدث للأطفال والنساء والمرضى.

وتعتبر الدراسة أن هذا البناء يمثل محاولة واعية لإعادة أنسنة الفلسطيني الذي جردته السردية الأخرى من كثير من خصائصه الفردية.

فالضحية التي تحمل اسمًا وتملك أسرة وتحكي ما حدث لها تختلف في قدرتها على التأثير عن رقم يضاف إلى حصيلة القتلى. ومن هنا يصبح السرد القصصي نفسه أداة في المنافسة السياسية والإعلامية، لأنه يعيد إلى الفلسطيني حضورًا فرديًا وإنسانيًا لا توفره الأرقام وحدها.

وتستحضر الدراسة في هذا السياق التأثير الذي أحدثته صورة “فتاة النابالم” خلال حرب فيتنام عام 1972، باعتبارها مثالًا على قدرة المشهد الإنساني على تغيير نظرة الجمهور إلى الحرب. وهي ترى أن نقل التجربة الفلسطينية بهذه الطريقة يمكن أن يدفع الجمهور الأمريكي إلى إعادة النظر في موقفه عندما تصبح نتائج الحرب مرتبطة بأشخاص وتجارب يستطيع التعاطف معها، بدل بقائها قضية سياسية بعيدة ومجردة.

لكن إعلام النشطاء، وفق الدراسة، لا يبني الفلسطيني في صورة الضحية وحدها. فالسردية المضادة تجمع بين المعاناة والفاعلية؛ الفلسطيني يتعرض للقتل والجوع والتهجير، لكنه في الوقت نفسه يصمد ويقاوم ويحاول الاستمرار في حياته.

ولهذا تعرض بعض المواد عودة النساء إلى زراعة الأرض، وحركة الأطفال وسط الركام، والاستمرار في الحياة رغم الدمار، باعتبارها صورًا للصمود ورفض الاختفاء. كما تقدم المقاومة المسلحة نفسها في إطار مختلف جذريًا عن الإعلام السائد؛ فهي ليست نقطة بدء العنف، وإنما جزء من مقاومة قوة احتلال.

وهنا يصبح الخلاف بين السرديتين خلافًا على شرعية الفعل الفلسطيني نفسه: الإعلام السائد ينطلق من تجريمه أمنيًا، بينما يضعه إعلام النشطاء داخل سياق الاحتلال وحق تقرير المصير.

أمريكا ليست وسيطًا في الرواية المضادة

ويمتد الاختلاف إلى تصوير الولايات المتحدة.

ففي سردية إعلام النشطاء، لا تظهر واشنطن وسيطًا يقف خارج الحرب ويحاول إدارتها، وإنما طرفًا يتحمل مسؤولية مباشرة بسبب الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه لإسرائيل.

وتستعين هذه الوسائل بالتقارير الحقوقية المتعلقة بالأسلحة الأمريكية المستخدمة في العمليات الإسرائيلية، وتطرح مسألة مسؤولية الدول التي تزود إسرائيل بالسلاح عن الانتهاكات التي ترتكب باستخدامه.

وتنقل الدراسة، على سبيل المثال، عن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان تأكيده أن التزام أحد أطراف النزاع أو عدم التزامه بالقانون الدولي الإنساني لا يعفي الطرف الآخر من واجبه في احترام القانون، وأن استخدام أسلحة أميركية في هجمات تنتهك قوانين الحرب يطرح مسؤولية الولايات المتحدة والدول الأخرى التي تزود إسرائيل بالسلاح.

وبذلك تتسع خريطة المسؤولين في الرواية المضادة: ما يحدث ليس شأنًا إسرائيليًا فلسطينيًا فقط، وإنما يرتبط كذلك بالدول التي توفر الدعم السياسي والعسكري، وبالمنظومة الدولية التي عجزت عن وقف الحرب.

سرديتان تعكسان انقسامًا داخل أمريكا

لا تعتبر الدراسة التناقض بين الإعلام السائد وإعلام النشطاء ظاهرة إعلامية معزولة، بل تربطه بانقسام أوسع داخل المجتمع الأمريكي.

فإحدى السرديتين ترتبط، بحسب الدراسة، ببنى القوة السياسية والاجتماعية التقليدية التي حافظت طويلًا على التحالف مع إسرائيل، بينما تجد السردية الأخرى مساحة بين فئات ترى في التجربة الفلسطينية صورة من صور الاضطهاد وعدم المساواة التي تعرفها من تجاربها الاجتماعية والسياسية.

ومع ذلك، تتحفظ الدراسة على إقامة علاقة سببية مباشرة بين البنية الاجتماعية والخطاب، وتقول إن الاثنين متلازمان، لا إن أحدهما ينتج الآخر بصورة آلية.

وتظهر أهمية هذه النقطة في أن التغير الذي ترصده الدراسة لا يعني ببساطة ظهور مؤسسات إعلامية فلسطينية التوجه في مواجهة مؤسسات مؤيدة لإسرائيل، وإنما يشير إلى تغير في بنية المجال الإعلامي الأمريكي نفسه.

فالمؤسسات الكبرى لم تعد وحدها قادرة على تحديد الوقائع التي تصل إلى الجمهور ولا الإطار الذي تفسر من خلاله. المنصات الرقمية ووسائل التواصل وإعلام النشطاء أتاحت منافسين يستطيعون نشر الصور والشهادات والتفسيرات المضادة والوصول مباشرة إلى الجمهور.

وهكذا لم تعد المنافسة بين روايتين داخل الصحف والقنوات نفسها، وإنما أصبحت أيضًا منافسة بين نموذجين لإنتاج الإعلام وتوزيعه: مؤسسات إعلامية ضخمة ذات علاقات راسخة ببنية الاقتصاد والسياسة الأمريكية، ومنصات أصغر تعمل خارج هذه المنظومة وتسعى أصلًا إلى تحديها.

تصدع الرواية المهيمنة

هذه النقطة تقود إلى أهم ما تنتهي إليه الدراسة: الإعلام الأمريكي السائد لا يزال يمتلك القوة والتأثير، ولا تزال تغطيته منسجمة إلى حد بعيد مع السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إسرائيل، لكن قدرته على احتكار الرواية لم تعد كما كانت.

وتصف الدراسة ما يحدث بأنه تصدع في هيمنة الخطاب التقليدي. فقد نجح إعلام النشطاء، خلال الحرب على غزة، في إيصال الصوت الفلسطيني، وعرض قصص ووقائع تقول الدراسة إنها تعرضت للتجاهل أو التقليل من أهميتها في وسائل الإعلام السائدة.

والتصدع هنا لا يعني انقلاب ميزان القوة كاملًا. فالدراسة نفسها تشير إلى استمرار المؤسسات الإعلامية الكبرى في إعادة إنتاج السردية الإسرائيلية ومنطق “لوم الضحية”، واستمرار العلاقة الوثيقة بين الإعلام ومراكز القوة السياسية في الولايات المتحدة.

الجديد هو أن هذه الرواية أصبحت تواجه منافسًا يستطيع الوصول إلى الجمهور الأمريكي، وأن الفضاء الذي كان يسمح بسرد واحد مهيمن أصبح أكثر تعددية.

وتذهب الدراسة أبعد من ذلك حين تربط هذا التحول بإمكانية تراجع الإجماع التقليدي على الدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل. فكلما اتسعت المساحة المتاحة للرواية الفلسطينية، أصبح الجمهور أمام تفسير مختلف للحرب، ولم تعد الرواية التي تقدمها المؤسسات الكبرى وحدها هي الإطار الذي يحدد موقفه منها.

وهكذا تصبح المنافسة الإعلامية جزءًا من صراع سياسي أوسع. فإذا كان الدعم الأمريكي لإسرائيل قد استفاد تاريخيًا من سردية إعلامية تمنحه الشرعية، فإن اختراق هذه السردية قد يفتح المجال أمام مساءلة الأسس التي يقوم عليها ذلك الدعم.

من يملك حق رواية الحرب؟

تكشف الدراسة في النهاية أن التغطية الإعلامية للحرب على غزة ليست مجرد خلاف حول دقة هذا الخبر أو ذاك، وإنما صراع على بناء القصة كلها.

فحين يبدأ الإعلام السائد الحكاية من السابع من أكتوبر، تصبح إسرائيل الطرف الذي تعرض للهجوم ثم رد عليه. وحين يبدأ إعلام النشطاء الحكاية من الاحتلال والاستيطان والحصار، يصبح السابع من أكتوبر حلقة في صراع أقدم بكثير.

وحين يوصف الفلسطيني بأنه “إرهابي” ويقدم الإسرائيلي باعتباره مدافعًا عن نفسه، تتحدد مسبقًا الحدود الأخلاقية والسياسية لفهم الحرب. وحين يعاد الفلسطيني إلى سياقه التاريخي وتعرض حياته اليومية ومعاناته الفردية، تتغير القصة التي تصل إلى الجمهور.

ولهذا فإن النتيجة الأساسية للدراسة لا تتعلق فقط بانحياز الإعلام الأمريكي السائد إلى إسرائيل أو انحياز إعلام النشطاء إلى الفلسطينيين، وإنما بقدرة كل سردية على إنتاج معنى مختلف للوقائع نفسها، وبالصراع على من يمتلك سلطة فرض هذا المعنى على الجمهور الأمريكي.

وما تغير خلال حرب غزة، وفق الدراسة، أن هذه السلطة لم تعد حكرًا على المؤسسات التقليدية. فقد أصبحت الرواية الفلسطينية موجودة داخل المجال الإعلامي الأمريكي بقوة أكبر، وأصبحت قادرة على تحدي السردية التي هيمنت طويلًا، وهو ما تعتبره الدراسة مؤشرًا إلى تشكل فضاء إعلامي أكثر تعددية، وإلى احتمال حدوث تغير أوسع في المواقف الاجتماعية والسياسية الأمريكية تجاه فلسطين وإسرائيل

نُشِرت هذه الدراسة في العدد الثامن من مجلة الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام، للاطلاع على العدد كاملًا (اضغط هنا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *