مع حلول كل صيف، تعود المهرجانات المغربية لتشكل الواجهة الأبرز للحياة الفنية بالمملكة، إذ تتحول منصاتها إلى فضاءات يلتقي فيها آلاف المتفرجين مع نجوم الأغنية المغربية والعربية والعالمية. غير أن المتتبعين يلاحظون، سنة بعد أخرى، أن قائمة الفنانين المغاربة المشاركين تكاد تعيد إنتاج نفسها، في وقت تغيب فيه أسماء أخرى، رغم إصدارها أعمالا ناجحة وتحقيقها حضورا رقميا لافتا.
هذا الواقع أعاد إلى الواجهة سؤالا بات يتكرر مع كل دورة من دورات مهرجان موازين ومهرجان الشواطئ لاتصالات المغرب وتيميتار والسعيدية والحسيمة وتازة ووجدة وغيرها: هل أصبح السوق الفني المغربي رهين دائرة ضيقة من الفنانين؟ أم أن الأمر يتعلق بمنطق العرض والطلب الذي تفرضه الصناعة الموسيقية؟
أسماء لا تغيب عن الموسم الصيفي
في السنوات الأخيرة، برزت أسماء أصبحت من الركائز الأساسية في البرمجة الفنية للمهرجانات المغربية، من بينها حاتم عمور، دنيا بطمة أسماء لمنور، الدوزي، زهير البهاوي، نعمان بلعياشي، منال بنشليخة، مسلم، طوطو، « الستاتي »، وليد الرحماني… إلى جانب فنانين يحضرون بشكل متكرر بحسب طبيعة كل مهرجان.
كما تحافظ فرق عريقة مثل ناس الغيوان وجيل جيلالة ولمشاهب، إضافة إلى أسماء بارزة في الأغنية الأمازيغية والشعبية، على حضورها في عدد من التظاهرات الثقافية.
ويرى متابعون أن هذه الأسماء أصبحت تمثل “الاختيار الآمن” بالنسبة للمنظمين، لما تملكه من قاعدة جماهيرية قادرة على ملء الساحات، فضلا عن أرقام المشاهدات المرتفعة على المنصات الرقمية.
النجومية أصبحت رقمية
لم تعد الموهبة وحدها هي المعيار الذي يحدد مكان الفنان في المهرجانات.
فاليوم، أصبحت شركات الإنتاج ومنظمو التظاهرات يعتمدون على مؤشرات جديدة، من بينها عدد متابعي الفنان على مواقع التواصل الاجتماعي، وملايين المشاهدات على “يوتيوب”، وقدرته على خلق تفاعل إعلامي قبل الحفل وبعده.
ويؤكد منتجون فنيون أن أي مهرجان يبحث في المقام الأول عن ضمان النجاح الجماهيري، وهو ما يجعل الرهان يتكرر على الأسماء نفسها.
أسماء ناجحة… لكنها خارج المنصات
في المقابل، يرى عدد من المهنيين أن الساحة الفنية المغربية تزخر بفنانين استطاعوا بناء جمهورهم وإصدار أعمال ناجحة، دون أن ينعكس ذلك على حضورهم في كبرى المهرجانات.
ومن بين الأسماء التي يطالب متابعون بمنحها فرصا أكبر: رجاء بلمير، عمر بلمير، سلمى رشيد، بدر سلطان، يونس، بدر صبري، هاجر عدنان، مراد بوريقي، إضافة إلى عدد من الفنانين الشباب الذين يحققون انتشارا على المنصات الرقمية، لكنهم لا يحجزون مكانا دائما ضمن البرمجة الصيفية.
ويؤكد بعض النقاد أن استمرار هذا الوضع قد يحد من تجدد الساحة الفنية، ويجعل المهرجانات تدور في الحلقة نفسها، بدل أن تكون فضاء لاكتشاف الأصوات الجديدة.
هل المشكلة في الفنان أم في المنظم؟
يرى الناقد الموسيقي جمال المحافظ، في تصريح لـ »اليوم 24″، أن برمجة المهرجانات تخضع لتوازنات مالية وتسويقية معقدة، إذ يفضل المنظمون الفنان القادر على استقطاب أكبر عدد من الجماهير.
في المقابل، يعتبر المنتج الموسيقي رضوان الأسمر أن غياب استراتيجية واضحة لدعم الفنانين الصاعدين يجعل العديد منهم خارج دائرة الضوء، رغم امتلاكهم مشاريع فنية تستحق المتابعة.
كما يرى بعض الفاعلين في المجال أن العلاقات المهنية، وشركات الإنتاج، ووكالات الحفلات، أصبحت تلعب دورا متزايدا في اقتراح الأسماء، وهو ما يمنح أفضلية لفنانين على حساب آخرين، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود إقصاء متعمد.
بين الاستثمار والرسالة الثقافية
يرى مختصون ومهتمون بالمجال الفني والموسيقى أن المهرجانات ليست مجرد حفلات ترفيهية، بل مؤسسات ثقافية تمول، في جزء منها، من المال العام أو من مؤسسات كبرى، وهو ما يفرض عليها تحقيق التوازن بين استضافة النجوم الذين يضمنون النجاح الجماهيري، وبين فتح المجال أمام الطاقات الجديدة.
ويؤكد نشطاء أن تجديد البرمجة لا يعني الاستغناء عن النجوم، بل توسيع دائرة الاختيار حتى تعكس المنصات حقيقة التنوع الذي تعرفه الأغنية المغربية، سواء في البوب، أو الراب، أو الأغنية الشعبية، أو الأمازيغية، أو الطرب المغربي.
أسئلة يفرضها الموسم الصيفي
في كل صيف، ينجح عدد محدود من الفنانين في الانتقال من منصة إلى أخرى، ومن مهرجان إلى آخر، بينما يكتفي آخرون بمتابعة المشهد من بعيد.
ويبقى السؤال مطروحا: هل أصبح النجاح في المهرجانات مرتبطا فقط بالأرقام والجماهيرية الرقمية؟ أم أن الوقت قد حان لإعادة النظر في معايير البرمجة، بما يضمن تكافؤ الفرص، ويمنح الجمهور فرصة لاكتشاف أسماء جديدة، حتى تظل المهرجانات فضاء للاحتفاء بكل ألوان الموسيقى المغربية، لا بمن اعتادوا اعتلاء المنصات فقط؟

