تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

فاوتشي مجددا أمام الكونغرس.. الهاتف المُصادر والأسئلة الخطأ

Ahmed Shokre9 دقائق قراءة0 مشاهدة

تشهد أروقة الكونغرس تجاذبات حادة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي خلال جلسات الاستماع التي استجوبت فيها لجان تابعة للجمهوريين الدكتور أنتوني فاوتشي حول إدارته جائحة كوفيد-19.

بعد أكثر من 6 سنوات على تفشي فيروس كوفيد-19، عاد اسم الدكتور أنتوني فاوتشي، المدير السابق للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، إلى صدارة المشهد السياسي الأمريكي، لكنْ هذه المرة ليس بوصفه المسؤول الصحي الذي قاد الاستجابة العلمية للجائحة، وإنما باعتباره محور مواجهة سياسية وقانونية متجددة داخل الكونغرس.

وتأتي هذه التحركات في ظل استقطاب حاد ممتد منذ سنوات، حيث يسعى أعضاء الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ إلى إخضاع الإدارة الصحية الحكومية السابقة للمساءلة الشاملة بشأن القرارات التنفيذية المحورية، وتدابير الإغلاق، والشفافية في تمويل الأبحاث البيولوجية، وفرض القيود على الحريات العامة، فضلا عن تقصي حقيقة أصل الفيروس.

اقرأ أيضا

  • list 1 of 2بين إنهاك الطاقم واختبار الجاهزية.. ماذا يجري على متن حاملة «أبراهام لينكولن»؟
  • list 2 of 2جواسيس بالقطعة.. كيف تخترق إيران إسرائيل من الداخل؟

في المقابل، يرى أعضاء الحزب الديمقراطي وحلفاؤهم في دوائر الصحة العامة أن استدعاء فاوتشي واستمرار استهدافه بعد سنوات من تقاعده ينطلقان من دوافع سياسية وانتخابية تهدف إلى التجييش الحزبي وتحويل القيادات العلمية إلى كباش فداء.

وكان من الطبيعي أن تستأثر شهادة فاوتشي والاستجوابات التي تعرض لها من اللجنة الفرعية الدائمة للتحقيقات التابعة لشبكة الأمن الداخلي بمجلس الشيوخ، برئاسة السيناتور الجمهوري رون جونسون، باهتمام كبريات الصحف الأمريكية.

تطورات التحقيق مع فاوتشي

وتكشف قراءة معمقة لما ورد في 4 صحف -هي وول ستريت جورنال، ونيويورك تايمز، وواشنطن بوست، وذا هيل- عن توزيع أدوار محكم في التغطية الإعلامية.

وبحسب وول ستريت جورنال، فإن اللجنة الفرعية الدائمة للتحقيقات التابعة للجنة الأمن الداخلي في مجلس الشيوخ، حصلت رسميا على نسخة من هاتف فاوتشي الحكومي، في خطوة يُعتقد أنها ستوفر للجنة مزيدا من الوثائق والسجلات المتعلقة بإدارته لملف الجائحة.

وأوضحت الصحيفة في التقرير الذي أعدته المراسلتان ليز إيسلي وايت وصابرينا صديقي، أن الهاتف نُقل إلى اللجنة عبر وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، التي يتولى قيادتها الوزير روبرت كينيدي الابن، وهو من أبرز منتقدي فاوتشي، وكان قد أصدر كتابا عام 2021 يتهمه فيه بالارتباط المباشر بشركات الأدوية والتضحية بالحريات المدنية.

وأشار التقرير إلى أن الكشف عن حيازة الهاتف جاء عقب الإفراج العلني عن أجزاء واسعة من يوميات فاوتشي الشخصية، الأمر الذي دعا السيناتورين الجمهوريين رون جونسون وراند بول -اللذين حصلا على 19 مليون صفحة إضافية من المستندات الحكومية- لممارسة مزيد من الضغوط على مسؤول الصحة السابق للإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالإجراءات الصحية التي اتُّبعت إبان تفشي الجائحة ومنشأ فيروس كوفيد-19.

وتزامن هذا الكشف، بحسب الصحيفة، مع تحضير لجنة مجلس الشيوخ المعنية بالأمن الوطني والشؤون الحكومية، برئاسة راند بول، لعقد جلسة للتصويت، اليوم الخميس، على قرار يوصي بإدانة فاوتشي بتهمة “ازدراء الكونغرس”؛ وذلك بعد رفضه الإجابة على أسئلة اللجنة في جلسة استماع الأسبوع المنصرم، وتفعيله حق الامتناع الوارد في المادة الخامسة من الدستور الأمريكي أكثر من 100 مرة، في مقابل تأكيده أنه قدم شهادات وإحاطات للكونغرس أكثر من 200 مرة خلال مسيرته الممتدة طيلة 4 عقود.

لاحقا، صوتت اللجنة اليوم الخميس بتحميل أنتوني فاوتشي المسؤولية عن ازدرائه للكونغرس، وإحالته إلى وزارة العدل من أجل محاكمة محتملة.

كما لفتت وول ستريت جورنال إلى أن 4 ولايات يقودها جمهوريون بدأت تحقيقات مستقلة بحق فاوتشي، مما يشي بأن الضغوط القانونية والسياسية مرشحة للاستمرار.

 فاوتشي لعب دورا محوريا خلال استجابة إدارة ترمب الأولى للجائحة في عام 2020، إذ خالف الرئيس علنا في بعض الأحيان، ودعا إلى توخي قدر أكبر من الحذر في التعامل مع الوباء

(وول ستريت جورنال)

انتقادات الجمهوريين والدوافع القانونية

ومن منظور الجمهوريين، فإن مراجعة أداء فاوتشي لا تتعلق فقط بماضي الجائحة، بل أيضا بمحاسبة المسؤولين الذين اتخذوا قرارات أثرت في حياة ملايين الأمريكيين، سواء فيما يتعلق بالإغلاق، أو إغلاق المدارس، أو فرض الكمامات، أو حملات التطعيم.

وذكرت وول ستريت جورنال أن فاوتشي استخدم هاتفه خلال فترة توليه منصب مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، وفقا لمتحدثة باسم السيناتور رون جونسون، الذي حصلت لجنته الفرعية على سجلات الهاتف.

وأوردت الصحيفة أن فاوتشي لعب دورا محوريا خلال استجابة إدارة ترمب الأولى للجائحة في عام 2020، إذ خالف الرئيس علنا في بعض الأحيان، ودعا إلى توخي قدر أكبر من الحذر في التعامل مع الوباء مقارنة ببعض الشخصيات السياسية، وهو ما جعله هدفا لانتقادات أنصار ترمب المخلصين.

واستمر فاوتشي في عمله داخل الحكومة مع بداية إدارة الرئيس السابق جو بايدن، قبل أن يتقاعد عام 2022. وفي واحدة من آخر خطواته قبل مغادرته البيت الأبيض، منح بايدن عفوا رئاسيا لفاوتشي، وسط مخاوف من أن يسعى الجمهوريون إلى توجيه اتهامات جنائية إليه على خلفية دوره وإجراءاته خلال جائحة كورونا.

استهداف سياسي أم مراجعة موضوعية؟

في المقابل، يقدم الديمقراطيون قراءة مختلفة تماما، إذ يجادلون بأن فاوتشي احتفظ بحقه الذي يضمنه التعديل الخامس للدستور الأمريكي في عدم تجريم نفسه، مثل أي مواطن أمريكي آخر.

فوفق تقرير نشره موقع ذا هيل الإخباري، يؤكد السيناتور الديمقراطي غاري بيترز أن العفو الرئاسي لا يُسقط الحماية التي يكفلها التعديل الخامس للدستور لأي شخص إذا كان لا يزال يواجه خطرا حقيقيا وملموسا بالتعرض لملاحقة قضائية، سواء على المستوى الاتحادي أو الولائي.

أما السيناتور ريتشارد بلومنثال، المدعي العام السابق، فيرى أن وزارة العدل لن تمتلك أساسا قانونيا قويا لمقاضاة فاوتشي، معتبرا أن الحديث عن إسقاط حقه الدستوري “أسطورة قانونية” لا تستند إلى واقع القضية الحالية.

من جهته، أعلن السيناتور راند بول أنه لا ينوي انتظار تصويت كامل أعضاء مجلس الشيوخ لإحالة ملف الإدانة إلى وزارة العدل، بل يعتزم إرسال توصية الإدانة الصادرة عن اللجنة مباشرة إلى المدعي العام لطلب فتح ملاحقة جنائية بتهمة عرقلة التحقيقات.

السيناتور الجمهوري راند بول يرى أن لجوء فاوتشي إلى التعديل الخامس من الدستور الأمريكي يمثل عرقلة للتحقيقات التي يجريها الكونغرس، خصوصا بعدما حصل على عفو رئاسي من الرئيس السابق جو بايدن

جوهر الانتقادات الجمهورية

وتنقل صحيفة واشنطن بوست، في تحليل للكاتبة آمبر فيليبس، عن عشرات العلماء وخبراء الصحة العامة مخاوفهم من أن يتحول استهداف فاوتشي إلى رسالة سلبية لكل العلماء العاملين في المؤسسات الحكومية، بما قد يجعلهم أكثر ترددا في اتخاذ قرارات حاسمة خلال أي جائحة مستقبلية.

ولفتت الكاتبة إلى أن أكثر من 150 عالما وطبيبا وقّعوا رسالة تؤكد أن البحث العلمي والصحة العامة يتعرضان لهجوم سياسي، وأن التركيز على شخص واحد يهدد ثقة المجتمع بالمؤسسات العلمية.

وتتمثل أولى هذه الانتقادات في اتهامه بعدم التعاون مع الكونغرس. ووفقا لواشنطن بوست، فإن السيناتور الجمهوري راند بول قال في بيان إن لجوء فاوتشي إلى التعديل الخامس يمثل عرقلة للتحقيقات التي يجريها الكونغرس، خصوصا بعدما حصل على عفو رئاسي من الرئيس السابق جو بايدن عن أي جرائم اتحادية محتملة ارتكبها خلال الفترة الممتدة بين عامي 2014 و2025.

وذكرت الصحيفة أن بول يسعى إلى إظهار أن فاوتشي يحاول التستر على الحقيقة فيما يتعلق بمنشأ جائحة كورونا.

ونقلت آمبر فيليبس في مقالها التحليلي عن ريان لونغ، الخبير في معهد باراغون للصحة ذي التوجهات المحافظة في واشنطن العاصمة، قوله إن فاوتشي رُفع إلى موقع سلطوي أصبحت فيه آراؤه بمثابة مسلمات قاطعة، مع وصْم كل من يخالفه بأنه “مناهض للعلم”، مما يستوجب فحص مسيرته وتصريحاته بشفافية.

وأبرزت الصحيفة تصريحا صدر من جين مارازو -التي تولت إدارة المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية بعد فاوتشي، وتشغل حاليا رئاسة الجمعية الأمريكية للأمراض المعدية- قالت فيه “أعتقد أنه أصبح هدفا مناسبا لإلقاء اللوم عليه”.

وأضافت أن فاوتشي بنى، على مدى أكثر من 40 عاما من الخدمة، ما وصفته بـ”إمبراطورية” لتمويل الصحة العامة، وكان يحب الظهور أمام وسائل الإعلام لشرح الجوانب العلمية للجمهور.

وتابعت: “إنه شخصية أكبر من مجرد فرد عادي، لكنْ لذلك ثمن. فعندما تحلق عاليا جدا، وتكون حاضرا في كل مكان، وتصبح الوجه العام لكل شيء تقريبا، فإنك تخاطر بأن تتحول إلى هدف كلما وقع أمر سيئ، لأن الجميع يبحث دائما عن شخص يحمّله المسؤولية”.

من جهتها، اعتبرت الدكتورة جينيفير كيتس من مؤسسة كايزر فاميلي أن فاوتشي تحول إلى هدف مريح ومجسم للصدمة النفسية والقيود الإدارية التي عاشها المجتمع أثناء الأزمة.

وأكدت في تصريح نشرته واشنطن بوست أن الدوافع الانتخابية الحالية تلعب الدور الأساسي في إعادة فتح هذا الملف بدلا من التركيز على رفع جاهزية البلاد للمخاطر الصحية المستقبلية.

فاوتشي كان مخطئا في بعض تقديراته المبكرة، مثل التقليل الأولي من خطورة الفيروس، والتغير في توصيات ارتداء الكمامات، والتقديرات الأولية لعدد الوفيات

بواسطة الكاتب ديفيد والاس ويلز

قراءة نيويورك تايمز: الأسئلة الخطأ

يختلف مقال الرأي الذي كتبه ديفيد والاس ويلز في صحيفة نيويورك تايمز عن التغطيات الإخبارية الأخرى، إذ لا يكتفي بوصف المواجهة السياسية، وإنما يناقش طبيعة الأسئلة التي يطرحها السياسيون.

ويرى الكاتب أن فاوتشي ارتكب أخطاء بالفعل، لكنه يعتبر أن تحويله إلى المسؤول الوحيد عن تجربة الجائحة يحجب النقاش الحقيقي حول الدروس التي ينبغي استخلاصها.

ويشير إلى أن فاوتشي كان مخطئا في بعض تقديراته المبكرة، مثل التقليل الأولي من خطورة الفيروس، والتغير في توصيات ارتداء الكمامات، والتقديرات الأولية لعدد الوفيات، فضلا عن طريقة التواصل مع الجمهور بشأن فعالية اللقاحات وإعادة فتح المدارس.

بيد أن الكاتب يميز بين الاعتراف بالأخطاء وتحميل شخص واحد مسؤولية كل ما حدث، معتبرا أن ذلك يختزل أزمة عالمية معقدة في رواية سياسية مبسطة.

كما يرى أن جلسة الاستماع الأخيرة كانت فرصة كان يمكن لفاوتشي أن يستغلها لشرح كيفية اتخاذ القرارات في ظل معلومات علمية متغيرة، لكنه آثر الصمت تجنبا للمخاطر القانونية، وهو ما جعل المشهد السياسي يبدو -بحسب الكاتب- وكأنه استعادة لانقسامات عامي 2020 و2021 أكثر من كونه مراجعة موضوعية لتجربة الجائحة.

لماذا عاد فاوتشي الآن؟

تتفق المواد الصحفية الأربع، وإن بدرجات مختلفة، على أن توقيت التصعيد ليس منفصلا عن السياق السياسي.

فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، يسعى الجمهوريون إلى إعادة فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، وهو إدارة جائحة كورونا، باعتبارها قضية لا تزال تثير مشاعر قطاع من الناخبين الذين يعارضون سياسات الإغلاق والقيود الصحية.

وترى واشنطن بوست أن فاوتشي أصبح، بمرور الوقت، رمزا أكثر منه مجرد مسؤول حكومي، وأن حضوره الإعلامي المكثف خلال الجائحة جعله هدفا سهلا لتحميله مسؤولية سياسات شاركت في اتخاذها مؤسسات وهيئات مختلفة، من بينها البيت الأبيض ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها وحكومات الولايات.

وفي المقابل، يرى الديمقراطيون أن الجمهوريين يوظفون الغضب الشعبي المتبقي من سنوات الجائحة في معركة انتخابية، بدلا من التركيز على تعزيز استعداد الولايات المتحدة لمواجهة أوبئة مستقبلية.

تباين في المعالجة الإعلامية

يتبين من خلال هذه القراءات أن هناك اختلافا واضحا في زاوية التناول. فصحيفة وول ستريت جورنال قدمت تغطية إخبارية ركزت على التطورات الإجرائية في التحقيقات والوثائق الجديدة التي حصل عليها مجلس الشيوخ.

أما موقع ذا هيل فتطرق إلى الجوانب القانونية، وخاصة تلك المرتبطة بالتعديل الخامس للدستور الأمريكي، والعفو الرئاسي، والخيارات المتاحة أمام وزارة العدل.

وبدورها، تناولت واشنطن بوست القضية باعتبارها انعكاسا للتوتر المستمر بين السياسة والعلم، مع إعطاء مساحة واسعة لآراء خبراء الصحة العامة.

أما مقال ديفيد والاس ويلز في نيويورك تايمز فقد انطلق من منظور فكري، داعيا إلى تجاوز منطق البحث عن “مُذنب” والانتقال إلى تقييم تجربة الجائحة بصورة أكثر اتزانا، مع الاعتراف بأخطاء فاوتشي دون تحويلها إلى تفسير شامل لكل ما جرى.

في الختام، تكشف المواجهة الجديدة حول أنتوني فاوتشي أن جائحة كوفيد-19 لم تتحول بعد إلى ملف تاريخي في الولايات المتحدة، بل ما زالت تمثل ساحة صراع بين رؤيتين متناقضتين: الأولى ترى أن المساءلة الصارمة ضرورة لكشف أخطاء الماضي، والثانية تعتبر أن التركيز على شخص واحد يختزل أزمة معقدة ويحول دون استخلاص الدروس المؤسسية اللازمة لمواجهة الجوائح المقبلة.

وبين هذين الموقفين، يبدو أن النقاش الأمريكي ما زال يدور حول المسؤوليات السياسية أكثر مما يتعلق بكيفية بناء نظام صحي أكثر جاهزية للمستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *