فاروق حسني.. الاستثناء

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ليس من السهل أن تختزل مسيرة فاروق حسني في جائزة مهما كانت مكانتها، ولا في منصب مهما بلغت أهميته فجائزة النيل التي توجت مسيرته ليست سوى اعتراف مستحق برحلة استثنائية وتقدير من صاحب مشروع حضاري آمن بأن الثقافة ليست ترفًا بل هي روح الوطن وذاكرته وأحد أهم مقومات بقائه ور

<p> ليس من السهل أن تختزل مسيرة فاروق حسني في جائزة.. مهما كانت مكانتها، ولا في منصب.. مهما بلغت أهميته.. فجائزة النيل التي توجت مسيرته ليست سوى اعتراف مستحق برحلة استثنائية.. وتقدير من صاحب مشروع حضاري آمن بأن الثقافة ليست ترفًا.. بل هي روح الوطن وذاكرته وأحد أهم مقومات بقائه وريادته.</p>

اقرأ أيضا: قصة نجاح أبطال القاطرات البحرية في مواجهة حادث سفينتي ميناء دمياط |فيديو

<p>فعلى امتداد عقود طويلة ممتدة، ظل فاروق حسني وفيًا لفكرته الأولى.. أن الحضارة لا تُحفظ بالشعارات وإنما بالعمل.. وأن الأمم لا تُقاس بما تبنيه من طرق وجسور فقط.. بل بما تحميه من تراث وما تصنعه من وعي وما ترعاه من إبداع..</p>

<p>جاء إلى وزارة الثقافة فنانًا ولم يغادرها إلا وهو أكثر إيمانًا بأن الفن والثقافة ليسا نشاطًا هامشيًا.. وإنما ركيزة من ركائز الدولة الحديثة..، لم ينظر إلى الوزارة باعتبارها مؤسسة حكومية تؤدي خدمات ثقافية، بل باعتبارها مشروعًا وطنيًا لصناعة الإنسان، وحماية الهوية وتعزيز القوة الناعمة المصرية..، ولهذا، لم تكن إنجازاته مجرد مشروعات متفرقة، بل حلقات متصلة في رؤية حضارية واحدة</p>

<p>ارتبط اسمه بإطلاق المشروع القومي للمتحف المصري الكبير، الذي أصبح أحد أعظم الصروح الثقافية في العالم.. ليقدم حضارة مصر بما يليق بمكانتها الإنسانية. كما ارتبط بإنشاء المتحف القومي للحضارة المصرية الذي أعاد تقديم التاريخ المصري في رؤية عصرية، تربط الماضي بالحاضر.. وتؤكد أن الحضارة المصرية ليست تاريخًا انتهى، بل قصة متجددة</p>

<p>وفي الوقت نفسه، شهدت مصر واحدة من أكبر حركات إحياء التراث المعماري والأثري.. فاستعاد شارع المعز لدين الله الفاطمي روحه بعد مشروع تطويرغير مسبوق وتحول إلى متحف مفتوح يعكس عظمة القاهرة التاريخية.. بينما شهد أبو الهول وعدد كبير من المواقع الأثرية أعمال ترميم دقيقة.. انطلاقًا من إيمان راسخ بأن حماية التراث هي حماية لذاكرة الوطن.</p>

<p> </p>

<p>وامتدت الرؤية إلى أعماق البحر، من خلال مشروع الآثار الغارقة في الإسكندرية.. الذي فتح آفاقًا جديدة أمام علم الآثار البحرية وأعاد الاهتمام العالمي بكنوز مصر المغمورة بالمياه، في تجربة علمية وثقافية رائدة</p>

<p>وفي عهده استعادت قصور تاريخية كثيرة رونقها وافتُتحت وطُورت متاحف أصبحت علامات بارزة في الحياة الثقافية المصرية، من بينها متحف المجوهرات الملكية، ومتحف النسيج المصري.. إلى جانب عشرات المتاحف الإقليمية.. وقصور الثقافة والمكتبات العامة والمسارح ومراكز الإبداع.. في مشروع هدفه أن تصل الثقافة إلى كل مدينة وقرية، وأن تصبح حقًا أصيلًا لكل مواطن</p>

<p>ولم يكن اهتمامه بالمكان منفصلًا عن اهتمامه بالإنسان. فقد أدرك أن بناء المتاحف لا يكتمل إلا ببناء المبدعين، وأن الحضارة لا تعيش إلا إذا وجدت أجيالًا قادرة على حمل رسالتها. ولذلك ظل داعمًا للفنانين والكتاب والمثقفين.. مؤمنًا بأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في العقل والخيال</p>

اقرأ أيضا: باكستان وتركيا والسعودية يوقعون اتفاقية دفاع مشترك لتعزيز الردع الجماعي

<p>أما الفنان التشكيلي، فلم يغب يومًا خلف الوزير. فقد ظل يرسم، ويعرض أعماله في كبرى القاعات والمتاحف، مقدمًا تجربة فنية متفردة.. جعلته واحدًا من أبرز الفنانين العرب حضورًا على الساحة الدولية.. ولم تكن لوحاته مجرد أعمال تشكيلية بل انعكاسًا لفلسفة ترى في الحرية والجمال والإبداع قيمًا لا تنفصل عن بناء الإنسان..</p>

<p>وحين غادر المنصب، لم يغادر رسالته.. فالمشروعات الكبرى لا ترتبط بالكراسي، واصل العمل من أجل تحقيق حلم طالما آمن به، هو إنشاء متحف للفنون التشكيلية في قلب الزمالك، ليكون الأول من نوعه، وبيتًا دائمًا لذاكرة الفن المصري الحديث والمعاصر، ونافذة تليق بتاريخ الحركة التشكيلية المصرية وروادها</p>

<p>كما واصل رسالته عبر مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون، التي أصبحت واحدة من أهم المؤسسات الثقافية المستقلة في مصر، وأطلقت جوائزها السنوية التي ينتظرها الفنانون والشباب كل عام.. بعدما رسخت لنفسها مكانة خاصة تقوم على النزاهة والشفافية.. والإيمان بأن الموهبة وحدها هي طريق الفوز، بعيدًا عن أي مجاملة أو وساطة.. وهو ما منحها احترام الوسط الثقافي وثقة الأجيال الجديدة</p>

<p>وهكذا، لم يكن فاروق حسني مجرد وزير ناجح ولا مجرد فنان كبير بل صاحب رؤية حضارية متكاملة.. أدرك أن المتحف ليس مبنى، بل ذاكرة أمة، وأن ترميم أثر هو ترميم لوجدان شعب، وأن دعم موهبة شابة قد يكون استثمارًا في مستقبل وطن بأكمله</p>

<p>لهذا جاءت جائزة النيل في مكانها الطبيعي..تكريمًا لمسيرة صنعت أثرًا باقياً.. ولشخصية آمنت بأن الثقافة ليست ترفًا، وإنما قضية وطن، وأن الحضارة ليست ميراثًا نحتفظ به في خزائن، بل مسؤولية تتجدد مع كل جيل</p>

<p>وسيظل اسم فاروق حسني حاضرًا، ليس فقط في لوحاته، ولا في الكتب التي تناولت تجربته، وإنما في كل متحف شُيد وكل أثر أُنقذ وكل شارع تاريخي استعاد بريقه.. وكل موهبة وجدت فرصة عادلة.. وكل مصري أدرك أن الثقافة ليست هامشًا في حياة الأمم.. بل هي قلبها النابض وعنوان خلودها.</p>

اقرأ أيضا: سلام عرض مع شاتيلا رؤيته لتطوير مطار بيروت والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للمسافرين

‫0 تعليق

اترك تعليقاً