تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

عندما يسقط السلاح.. تسقط الرواية

Ahmed Dfvvc4 دقائق قراءة0 مشاهدة

ليست القضية في أن حماس قد تنزع سلاحها، بل في معنى أن تنزع سلاحها.

فالسلاح لم يكن بالنسبة للحركة مجرد وسيلة قتال، بل كان جوهر مشروعها السياسي، وسبب وجودها، والأساس الذي بنت عليه شرعيتها طوال ما يقرب من أربعة عقود. ولذلك فإن أي موافقة على نزعه، حتى لو جاءت تدريجية أو جزئية، ليست تنازلا عسكريا فحسب، بل اعتراف سياسي وفكري بأن المشروع الذي رُفع تحت شعار “المقاومة المسلحة” وصل إلى نهايته.

الحركات لا تتخلى عن أدوات انتصارها. بل تتخلى عن الأدوات التي أثبت التاريخ أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها.

منذ انطلاقتها، قدمت حماس نفسها باعتبارها النقيض لمنظمة التحرير الفلسطينية وحركة “فتح”. كانت تقول للفلسطينيين إن أوسلو خيانة، وإن المفاوضات استسلام، وإن الكفاح المسلح وحده سيحرر فلسطين، ويهزم إسرائيل، وينهي الدولة اليهودية. هذا كان الوعد الكبير الذي منح الحركة شرعيتها الشعبية، وجعلها تستقطب عشرات الآلاف من الشباب المؤمنين بأن البندقية أقصر الطرق إلى القدس.

اليوم، إذا قبلت الحركة بنزع السلاح، فإنها تكون قد اعترفت، عمليا، بأن الوعد لم يتحقق.

لم تُهزم إسرائيل.

ولم تنهَر الدولة اليهودية.

ولم تقم الدولة الفلسطينية.

بل إن الفلسطينيين أنفسهم دفعوا أثمانا غير مسبوقة.

هذا ليس رأيا سياسيا، بل هو حصيلة أربعة عقود من الوقائع.

والتاريخ لا يرحم الأيديولوجيات التي تصطدم بالواقع.

منظمة التحرير نفسها لم تصل إلى خيار التسوية لأنها أحبت السلام فجأة، وإنما لأنها أدركت بعد عشرات السنين أن البندقية، مهما امتلكت من رمزية، لا تستطيع تغيير موازين القوى الدولية. ولهذا انتقلت من شعار “التحرير الكامل” إلى الاعتراف بإسرائيل، ثم إلى التفاوض معها.

قد يختلف الناس حول حصيلة أوسلو، لكن لا أحد يستطيع إنكار أن قيادة منظمة التحرير قامت بمراجعة استراتيجية بعد أن اكتشفت حدود القوة العسكرية.

أما حماس، فقد اختارت الاتجاه المعاكس.

رفضت هذا الدرس.

وارتمت في محور إيران، وربطت مستقبل غزة باستراتيجية إقليمية لا تخدم بالضرورة المشروع الوطني الفلسطيني بقدر ما تخدم حسابات النفوذ الإيراني، مع استمرارها في الاستناد إلى المرجعية الفكرية للإخوان المسلمين. وأصرت على أن البندقية قادرة على تحقيق ما عجزت عنه السياسة.

والنتيجة أمام العالم.

عندما انسحبت إسرائيل من غزة عام 2005، امتلك القطاع فرصة تاريخية نادرة ليصبح نموذجا اقتصاديا وسياسيا يمكن أن يعزز الموقف الفلسطيني أمام العالم.

لكن ما الذي حدث؟

تحولت غزة إلى أكبر ثكنة عسكرية في الشرق الأوسط.

استنزفت المليارات في الأنفاق والصواريخ والمخازن العسكرية.

توقفت التنمية.

انهار الاقتصاد.

هاجرت العقول.

وتحول المجتمع إلى رهينة حرب دائمة.

ثم جاءت السابع من أكتوبر.

هناك فرق يدرسه كل طالب في العلوم العسكرية بين النجاح التكتيكي والانتصار الاستراتيجي.

نجحت اليابان تكتيكيا في بيرل هاربر، لكنها خسرت الحرب.

ونجح نابليون في عشرات المعارك قبل أن يخسر أوروبا كلها.

ونجحت ألمانيا في اجتياح معظم القارة خلال أشهر، ثم انتهت برلين مدمرة.

العمليات العسكرية تُقاس بنتائجها النهائية، لا بساعاتها الأولى.

والسابع من أكتوبر كان نجاحا تكتيكيا استغل إخفاقا استخباراتيا إسرائيليًا كبيرًا، لكنه لم يتحول يومًا إلى تهديد وجودي لإسرائيل، بل تحول إلى أكبر كارثة استراتيجية عرفها قطاع غزة منذ عقود.

فقد دُمرت مدن بأكملها.

وقُتل عشرات الآلاف.

وتشرد الملايين.

وتراجع المشروع الوطني الفلسطيني سنوات إلى الخلف.

وفي خضم ذلك، بنت حماس جزءًا مهمًا من خطابها السياسي على تحويل المأساة الإنسانية إلى عنصر في معركة الرأي العام العالمي. كما واجهت اتهامات متكررة من إسرائيل ومنظمات وخبراء باستخدام البيئة المدنية في عملياتها العسكرية، وهو ما تنفيه الحركة أو تعزوه إلى طبيعة القتال في قطاع شديد الكثافة السكانية. لكن، بصرف النظر عن الجدل القانوني والسياسي، فإن المدنيين كانوا هم من دفعوا الثمن الأكبر للحرب.

وربما كانت الخسارة الأكبر ليست في غزة وحدها. بل في انهيار الرواية التي صُنعت حول حماس طوال سنوات.

رواية تقول إن الحركة تمثل النموذج الناجح للمقاومة، وإنها تقترب من هزيمة إسرائيل، وإن الزمن يعمل لصالحها.

لقد شاركت وسائل إعلام عربية، وفي مقدمتها الجزيرة، في ترسيخ هذه الصورة لدى ملايين المشاهدين، كما تبنتها مجموعات واسعة من الناشطين في الغرب الذين قدموا السابع من أكتوبر باعتباره بداية انهيار إسرائيل.

لكن ماذا سيبقى من هذه الرواية إذا كانت الحركة نفسها توافق على نزع السلاح؟

كيف يمكن إقناع العالم بأن السلاح هو طريق التحرير، بينما صاحبة هذا الشعار تتخلى عنه؟

هذا السؤال وحده يهدم سنوات طويلة من الدعاية السياسية.

إن قبول حماس بنزع السلاح، إن تم، لن يكون مجرد بند في اتفاق. سيكون شهادة وفاة لفكرة كاملة، فكرة أن الكفاح المسلح، بصيغته التي تبنتها الحركة، قادر وحده على تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني.

ولا يعني ذلك أن القضية الفلسطينية فقدت عدالتها، أو أن حقوق الفلسطينيين أصبحت أقل مشروعية. بل يعني أن عدالة القضية لا تجعل كل وسيلة تُستخدم باسمها ناجحة.

فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب تنتصر عندما تختار الأدوات التي تقربها من أهدافها، لا عندما تتمسك بالأدوات التي تستهلك دماءها ثم تعود، بعد كل تلك التضحيات، لتجلس إلى الطاولة التي رفضتها في البداية.

وإذا كانت حماس ستنزع سلاحها اليوم، فإن الحدث الحقيقي ليس سقوط السلاح، بل سقوط الرواية التي قالت، طوال أربعين عاما، إن السلاح وحده هو الطريق

_______________________

 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *