تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

«عنبر رقم 10».. وثيقة أدبية عن مستشفيات الأمراض العقلية منتصف القرن الـ20

Ahmed Shokre5 دقائق قراءة1 مشاهدة

تنام الحقيقة فى سراديب النسيان الطويلة تاركة الأرشيف المهجور يحرث فى الذاكرة الجمعية ليعيد صياغة الأسئلة الوجودية الكبرى التى هزت ضمير الوعى الإنسانى عبر العصور والسؤال عن ماهية العقل يظل شاخصا يطارد طمأنينة المجتمع – الوطن

تنام الحقيقة فى سراديب النسيان الطويلة، تاركة الأرشيف المهجور يحرث فى الذاكرة الجمعية ليعيد صياغة الأسئلة الوجودية الكبرى التي هزت ضمير الوعي الإنساني عبر العصور، والسؤال عن ماهية العقل يظل شاخصاً يطارد طمأنينة المجتمع، ويدفعنا برفق وقسوة معاً إلى تأمل تلك الأسوار العالية التي شيدتها المنظومات الإدارية المتعاقبة لعزل مَن اصطلح على تسميتهم في المأثور الشعبي والصحفي بالمجاذيب أو المجانين.

يبرز كتاب «عنبر رقم 10» للكاتب والباحث الكبير، أيمن عثمان، بوصفه وثيقة إنسانية وأدبية بالغة العمق، تشرع النوافذ الموصدة على تاريخ مجهول ومسلوخ من جدران مستشفيات الأمراض العقلية في مصر خلال منتصف القرن العشرين، يقدم هذا العمل الممتد نقداً تشريحياً لواقع اجتماعى وسياسي وإداري تداخلت في ردهاته خيوط الحكمة بأوهام الذهول، مُشكلاً رحلة أدبية موسعة تستنطق الهامش المنسي، وتجعل من ملفات الماضي صرخة مدوية تبدد أوهام السادة «العقلاء» الذين ظنوا زمناً طويلاً أنهم في مأمن من عواصف الفقد والغياب ما دامت قضبان الحديد تحجز عنهم أصوات المعذبين في الأرض.

يتتبع الباحث في كتابه خيوط الفوضى المتراكمة عبر مانشيتات الصحافة المصرية القديمة، مستدعياً تلك اللحظة التاريخية المفصلية التي استيقظ فيها المجتمع على خبر كاشف فجَّرته مجلة التحرير في التاسع من أكتوبر عام 1956، قُبيل أيام معدودة من اندلاع العدوان الثلاثي على البلاد.

حمل الخبر في طياته عنواناً يزلزل السكينة الإدارية، مفاده وجود عقلاء داخل مستشفيات الجنون يسحقهم الإهمال المتوارث الناتج عن النقص الحاد في عدد الأطباء، لقد رصدت اللجان الطبية التابعة للهيئة الصحية العقلية بمنظمة الأمم المتحدة احتجاز أفراد لا يعانون فى حقيقة الأمر من اضطرابات عقلية جسيمة، لكن من عُقد نفسية بسيطة كان يمكن علاجها والتعامل معها خارج أسوار المصحات، وتضخمت تفاصيلها السلوكية نتيجة الخلل البنيوى الحاد فى آليات التشخيص والفرز الطبي.

تظهر الأرقام التاريخية التى حشدها المؤلف بروح الباحث الدقيق حجم الكارثة الإنسانية.

توالت الصحف، كمسامرات الجيب وآخر ساعة، فى دق ناقوس الخطر منذ مطلع الخمسينات، مؤكدة تفاقم هذا العجز الإدارى، ومثبتة أن المصحة تحولت بفعل التقادم من فضاء مخصص للاستشفاء الإنساني والرحمة الطبية إلى معتقل قسرى تتبدد فيه القوى العقلية تدريجياً نتيجة غياب الرعاية والمتابعة الحقيقية. وتحتك الرواية النقدية للكتاب ببؤرتها الإنسانية الأشد إيلاماً وعمقاً عبر تتبع مأساة الدكتور علي عبدالسلام، ذلك العالم النابغة الذى نال أرقى الشهادات العلمية من الجامعات الخارجية، وعاد إلى أرض الوطن ممتلئاً بالطموح المعرفى والغيرة الصادقة على بلاده.

تعثرت خطوات هذا العالم فور اصطدامه بواقع إدارى محبط، وتسببت رسالة جريئة وجهها بروح وطنية مدفوعة بالصدق إلى رئيس مجلس الوزراء فى تحويل مسار حياته إلى تراجيديا إنسانية كاملة الأركان، حيث التقط البوليس السياسى خيوط هذه الرسالة ليجعل منها فخاً مواتياً لاقتناصه ونفيه داخل مستشفى العباسية لعشر سنوات كاملة امتدت بين عامَى 1942 و1952 بتهمة واهية هي ذهاب العقل.

تحولت زنزانة الطبيب السجين خلال عقود احتجازه إلى محراب مقدس للكتابة والنضال، فلم يتوقف عن إرسال مقالاته ورسائله الاستغاثية المكتوبة بدم القلب إلى كبريات المجلات الثقافية والصحفية كـ«المصور والاثنين والدنيا وآخر ساعة والهلال»، كاشفاً تفاصيل الفوضى العارمة والجرائم اليومية التى ترتكب فى ظلمات العنابر بعيداً عن الرقابة. يستدعى الدكتور علي عبدالسلام في نضاله الصحفي السيرة التاريخية للصحفية الأمريكية نيلى بلاى، التى وثقت ويلات المصحات العقلية فى القرن التاسع عشر، ساعياً من خلال معركته القضائية الطويلة ونشره المقالات القانونية الجريئة في مجلة المحاماة الرسمية إلى هدم جدران الصمت ونيل حريته المستلبة، محولاً تجربته الشخصية القاسية إلى وثيقة إدانة تاريخية لنظام وظَّف الطب النفسي كأداة للتدجين السياسي والقمع الاجتماعي.

ينفتح أفق الكتاب على رصد تحوّل المستشفى العقلي إلى فضاء اجتماعي مسرحي عبثي تتداخل فيه الأدوار ويسقط فيه التعريف الصارم للمرض النفسي والعقلي، إذ تحولت ردهات المصحة بفعل التواطؤ المجتمعى إلى ما يشبه «التكية» المفتوحة لكل من ضاقت به سبل الحياة أو أراد التوارى والهروب من وجه السلطة والعدالة الجنائية.

رصدت التحقيقات القضائية حوادث تظاهر المتهمين بالجنون للإفلات من العقاب، وكشفت عن وجود مئات الأسر التي يشغلها مجرمون هاربون وتجار مخدرات، اعتمدت تقاريرهم الطبية على شهادات ممرضين ومساعدين غير مؤهلين علمياً يقبلون الرشوة والمحسوبية.

تبرز في هذا السياق العبثى حكاية «شولح»، ذلك الرجل الزئبقي الأسطوري الذي ملأ شواطئ رأس البر صخباً وحيوية بتجارته الطريفة صيفاً وعمله كطبيب أسنان متجول يخلع الأضراس شتاء، وعندما تراكمت عليه ديون النفقة الزوجية وصدر ضده حكم قضائى بالحبس، لجأ إلى حيلة ذكية فتظاهر بالجنون التام ودخل المستشفى لأربعة عشر شهراً، ضامناً لنفسه المأوى والغذاء والكساء في دعة وراحة تامة، هرباً من قسوة الواقع الاقتصادي وضغوط القوانين الشرعية.

يصل الكتاب إلى ذروته النقدية بوضع الذاكرة الأرشيفية المبعثرة في مواجهة مباشرة تكشف تباين الروايات بين الضحية والسلطة الطبية المؤسسية، حيث يستعرض المؤلف مذكرات الدكتور محمد كامل الخولى، مدير مصلحة الصحة العقلية الأسبق، المعنونة «40 عاماً في حراسة أصحاب العقول»، مستنكراً النبرة الهزلية والنمطية التى صاغ بها حكايات نزلاء مصحته لإرضاء شغف القراء بالطرائف الطريفة، وهى صياغات تفتقر برأيه إلى الإنسانية الطبية الرفيعة كقوله عن نزيلة ماتت إنها راحت ضحية صلفها وغرورها. تكتمل فصول هذه المواجهة الساخنة بالعثور على حوار صحفي نادر للدكتور الخولي يعود لعام 1952، يذكر فيه الدكتور على عبدالسلام صراحة، واصفاً إياه بالمريض الوحيد الذى أتعب مجلس المراقبة العقلية.

يبرر «الخولي» استمرار احتجاز العالم النابغة بادعاء ذات الخيط الواهي بين العبقرية والجنون، مشيراً إلى أن «عبدالسلام» كان ينظر للأطباء باحتقار ويرفض الاعتراف بلجانهم الطبية مطالباً بطبيب إنجليزى لتقييم حالته. يمنح هذا التقاطع التوثيقى الممتد بين صرخة السجين الساعى للحرية ودفاع السجان المؤسسى كتاب «عنبر رقم 10» عمقاً درامياً وتاريخياً كبيراً، يرفعه إلى مصاف الدراسات الإنسانية الكبرى، التي تعيد الكرامة المهدورة لأصحاب العقول المستلبة، وتثبت أن الكلمة المكتوبة تظل قادرة على هدم أعتى الأسوار واسترداد الحقوق من غياهب التغييب الإداري والسياسي.

1



  • النقد


  • الاجتماعى


  • السياسى


  • الإدارى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *