تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

علوي الهاشمي: ما قالته النخلة للبحر

Ahmed Shokre3 دقائق قراءة0 مشاهدة

تحتفظ الأمكنة العريقة بأصواتها الخاصة؛ فبعض الأماكن لا تُقرأ على الخرائط فقط، وإنما تُقرأ في الذاكرة الإنسانية بما تختزنه من حكايات وصور وتجارب.

وفي التجربة الشعرية الخليجية ظل المكان أحد أهم منابع الإبداع، لأنه لم يكن خلفية صامتة للنص، بل أصبح جزءًا من تكوينه الجمالي ورؤيته للعالم. ومن هذا الأفق يأتي كتاب الدكتور علوي الهاشمي “ما قالته النخلة للبحر” بوصفه قراءة في علاقة الشعر البحريني ببيئته وذاكرته وأسئلته الحضارية.

اختار الهاشمي عنوان كتابه بلغة قريبة من الشعر؛ فالنخلة والبحر ليسا مجرد مفردتين تنتميان إلى الجغرافيا الخليجية، وإنما هما علامتان ثقافيتان تحملان تاريخ الإنسان الخليجي وتجربته.

النخلة تختزن معنى الجذور والصبر والعطاء، بينما يحمل البحر دلالات الرحلة والاتصال والانفتاح على الآخر. وبينهما تتشكل صورة الإنسان الذي عاش بين ثبات الأرض واتساع الأفق.

ينطلق الكتاب من رؤية نقدية ترى أن الشعر لا ينفصل عن محيطه الثقافي، وأن القصيدة ابنة المكان الذي تتشكل فيه التجربة الإنسانية. فالشاعر لا يكتب عن البحر بوصفه مشهدًا طبيعيًّا فقط، ولا يستدعي النخلة بوصفها صورة تراثية جاهزة، وإنما يعيد إنتاجهما داخل الوعي الشعري باعتبارهما رمزين تتداخل فيهما الذاكرة والتاريخ والوجدان.

ويكشف الهاشمي من خلال قراءته للشعر البحريني عن حضور المكان بوصفه عنصرًا فاعلًا في تشكيل الهوية الشعرية، فالبحرين، بتاريخها البحري والحضاري، شكلت فضاءً خاصاً للشاعر؛ فضاءً يجمع بين إرث قديم وأسئلة حديثة، بين ذاكرة اللؤلؤ والمرافئ، وبين تحولات الإنسان في عالم سريع التغير.

وتتميز قراءة علوي الهاشمي بأنها لا تكتفي برصد الموضوعات التي تناولها الشعراء، وإنما تنفذ إلى الطريقة التي تحولت بها هذه الموضوعات إلى بناء جمالي داخل النص؛ فالمكان في القصيدة لا يبقى مكانًا خارجيًّا، بل يصبح لغة ورؤية وإحساسًا.

تتحول النخلة إلى ذاكرة حية، ويتحول البحر إلى فضاء رمزي يحمل قلق الإنسان وأحلامه وأسئلته.

إن قيمة هذا الكتاب تكمن في أنه يقدم الشعر البحريني من خلال رؤية تتجاوز الحدود الجغرافية، لتكشف عن علاقة الإنسان الخليجي بموروثه وبالعالم من حوله؛ فالشعر، كما يقرأه الهاشمي، مساحة تلتقي فيها الخصوصية والانفتاح؛ إذ يحتفظ النص بجذوره المحلية، لكنه يحمل في الوقت ذاته قدرة على التعبير عن التجربة الإنسانية المشتركة.

ويمثل الكتاب إضافة مهمة إلى الدراسات التي اهتمت بالشعر الخليجي، لأنه يقدّم قراءة تنطلق من الداخل؛ من حساسية المكان ومن خصوصية التجربة الثقافية؛ فالناقد هنا لا يبحث عن حضور البحر والنخلة في القصيدة باعتبارهما صورتين متكررتين، وإنما يتأمل المعاني العميقة التي أنتجتها هذه الرموز في الوعي الشعري. إن “ما قالته النخلة للبحر” ليس مجرد عنوان لكتاب عن الشعر البحريني، بل هو حوار رمزي بين عنصرين شكلا وجدان الخليج عبر قرون طويلة.

إنه حوار بين الأرض والماء، بين الذاكرة والرحلة، بين الإنسان ومكانه الأول.

ومن خلال هذا الحوار يثبت علوي الهاشمي أن النقد الأدبي حين يمتلك حساسية الشاعر يستطيع أن يكشف في القصيدة ما لا يظهر على سطحها، وأن يمنح المكان صوتًا جديًدا في ذاكرة الأدب.

كتبت: د. غالية بنت عيسى الزبيدي 

شاعرة وكاتبة وباحثة عُمانية في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب، الفائزة بجائزة سرد الذهب للقصة القصيرة غير المنشورة بدورتها الثالثة 2026.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *