هناك قوة لا تصنعها الثروات، ولا تُقاس بالأرقام، وإنما تُبنى عبر عقود طويلة من المعرفة والإبداع؛ تلك هى «القوة الناعمة» التى كانت ولاتزال إحدى أهم ركائز الشخصية المصرية، وأحد أسرار حضورها فى محيطها العربى والإقليمى، حتى فى أصعب الظروف. لهذا فإن جوائز الدولة هى رسالة تُؤكد أن مصر تعرف قيمة من خدموها بالفكر والفن والعلم، وتدرك أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء المدن، وأن الاستثمار فى العقول هو المشروع الأكثر بقاءً واستدامة. ومن بين النماذج التى تستحق التوقف أمامها الدكتور صفى الدين خربوش، الذى يمثل صورة للمثقف الوطنى الذى استطاع عبر مسيرته أن يجمع بين التفوق الأكاديمى والعمل العام، وأن يقدم نموذجاً يؤكد أن العلوم السياسية ليست مجرد تنظير، وإنما هى أداة لفهم الدولة، وإدارة مؤسساتها، وصناعة وعى الإنسان، فهو امتداد لمدرسة مصرية عريقة تؤمن بأن المفكر الحقيقى لا ينعزل عن قضايا وطنه، بل يشارك فى صناعة الوعى العام، وإعداد الأجيال، وترسيخ قيم الانتماء والمسئولية. وقد جسد الفنان الكبير فاروق حسنى هذا المعنى حين تُوِّجت مسيرته الفنية والثقافية بجائزة النيل، ثم أضفى عليها بعداً إنسانياً راقياً بتبرعه بقيمة الجائزة لصالح مستشفى «أبو الريش»، ليؤكد أن الإبداع يكتمل بالعطاء.
ولم يكن هذا المشهد استثناءً، فقد قدم الدكتور محمد شومان درساً آخر فى الوفاء والانتماء، حين تبرع بقيمة جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية لتطوير مدرسة «أحمد لطفى السيد الثانوية» بمدينة السنبلاوين (مسقط رأسه بمحافظة الدقهلية)؛ وهى لفتة تعكس إيماناً عميقاً بأن العلم يرد الجميل لمكانه الأول، وأن قيمته تعلو حين تُسخَّر لخدمة الوطن وأبنائه.
وتحمل قائمة الفائزين هذا العام صورة متكاملة للقوة الناعمة المصرية؛ من يوسف نوفل، وأحمد يوسف أحمد، وعلى جعفر العلاق، إلى محمد صبحى، وخضير البورسعيدى، والسيد عبده سليم، وأحمد فضل شبلول، ومحمد نجيب التلاوى، ومارى تريز عبدالمسيح، وأنور مغيث، وليلى عبدالمجيد، وأحمد عبدالجليل، ومايسة عبدالغنى، وشيرين أبوالنجا، ومحمد عبدالحافظ ناصف، وعبدالسلام نوير، ومنى الحديدى، وأحمد القناوى، فهى أسماء تنتمى إلى مدارس وتخصصات متعددة، لكنها تجتمع تحت عنوان واحد هو خدمة مصر بعلمها وفكرها وإبداعها. أخيرا..إن تكريم المبدعين هو بداية الحفاظ على القوة الناعمة، أما استدامتها فتكون بنقل خبرات هؤلاء الكبار إلى الأجيال الجديدة؛ فمصر كانت وستظل قوية بعقولها ومبدعيها.

