في منطقة مشبعة بالتاريخ و صراع الهويات و الاحقيات لم يعد مقبولا الجهل بتاريخ المنطقة فهذا الجهل فتح الباب لسرديات سوقت لصراعات و احقيات و ادعاء تفوق زائف.
العصر البرونزي منذ حوالي 6 الاف سنة (3600 تقريبا الى 1200 قبل الميلاد) يعتبر واسطة العقد فهو الجسر بين العصر الحجري المتأخر و العصر الحديدي. في هذا العصر سكن العموريين الاردن و سوريا و الكنعانيين فلسطين و الفينيقيون لبنان و هم شعب واحد يحمل نفس التحور الجيني لكن طريقة العيش فرضت التسمية. الكنعانيون في لبنان اشتهروا بتجارة صبغة الارجوان فسموا الفينيقيون و الكنعانيون اشتهروا بالتجارة و لدرجة اقل الزراعة في حين العمويون بقوا عشائر مستقرة امتهنوا الزراعة و تربية الحيوانات. مثل هذا الشعب العموري الكنعاني الفينيقي امتدادا لنفس الشعب في جنوب و وسط و غرب العراق السومريين الاكاديين الاشوريين البابليين و اضعهم معا لانهم شعب واحد لكن التسمية كانت تختلف باختلاف العاصمة المسيطرة. هؤلاء جميعا كانوا على تحور جيني واحد وهو J1. في هذا العصر ظهرت قوى عظمى لو استمرت لكان تقدم البشرية الذي نراه اليوم حدث قبل الف عام. هذا القوى هي الميسانيين و الحثيين و المصريين.
كانت هذه من اسرع الفترات في تطور البشرية فظهرت الكتابة و تطورت الزراعة و ظهرت العجلة و القوانيين و الشرائع و الانتاج الثقافي و الفني الغزير. الاهم من ذلك هو تعدين النحاس و خلطه بالقصدير لانتاج البرونز.
كما ظهرت هذه الشعوب المتطورة ظهر على الهامش مجموعات تزايدت على هوامش المدن مثل العبيرو و الشاسو (عمال التعدين الجوالة) و ظهر اله التعدين يهوه.
تلى العصر البرونزي العصر الحديدي و في بدايته حوالي 1200 قبل الميلاد تعرضت البشرية لاسوأ موجة من الكوارث الطبيعية و غزو شعوب البر العبرانيين و شعوب البحر فانهارت في 50 عاما الحضارات و برايي ان ذلك أخر تقدم البشرية الف عام.
في العصر الحديدي من حوالي 1200 قبل الميلاد تشكلت ممالك تعتبر استقرار بشري اكثر منه دويلات حقيقية. تشكلت دولة العبرانيين الذين هم خليط من شعوب مهمشة متعددة الاعراق بقيادة الاسرائيليين التي كانت على جزء فقط من فلسطين اليوم و محاطة بمحيط بشري من الكنعانيين و منطقة صغيرة من قبائل البحر. كذلك استعاد العموريين قوتهم فشكلوا في الاردن و سوريا ادوم و مؤاب و عمون و ارام.
في العراق انقسم الاكاديين الى اشوريين و بابليين فكانت الاشورية اولا و اجتاحت المنطقة بما فيها مصر و دمرة دويلة اليهود الشمالية و الاغلب ان الابقاء على الدويلة الجنوبية لتعاونها معهم ثم تبع الاشوريين البابليين و اشهر ملوكها نبوخذ نصر الذي دمر الدويلة الجنوبية. لكن ممالك العموريين بقيت و ذلك مفهوم لانهم نفس الشعوب و عشائر تنسحب للصحراء ثم تعود.
انتهت دولة البابليين على يد الفرس بقيادة كورش الكبير و هذا كان اول تواجد للفرس في سواحل الخليج العربي و العراق و الشام على يد الاخمينيين الذين لم يعمروا طويلا و تبعهم البارثيين ثم لاحقا الساسانيين و كل من تلك الممالك كانت تنتهي هلى يد الاغريق او الرومان الى جاء الفتح الاسلامي و انهى دولتي الساسانيين و البيزانطيين في العراق و الشام و مصر.
خلال تلك الفترات ظهرت ممالك اهمها الانباط في الاردن و عاصمتهم بترا (سلع).
ما سبق العصر البرونزي كان استيطان فضفاض لا يرقى لمستوى استقرار بشري سوى في عين غزال و الشعوب التي كانت في العصر الحجري المتأخر مثل الكبارية و النطوفية و الخيمية و اهمها النطوفيين الذي سموا بذلك حديثا نسبة لوادي النطوف الذي كان اول منطقة اكتشفت فيه اثارهم. هذه السلالات هي خليط من اعراق افريقية على التحور الجيني E و اجداد العرب الذين اظهرت الدراسات وجود جيناتهم مختلطة في 60 بالمئة من النطوفيين. لكن تبقى عين غزال هي المنطقة الاهم في ذلك الاستيطان لان صنع التماثيل سواءا للعبادة او الفن يمثل مرحلة استقرار و امن غذائي.
لنستكمل الموضوع لا بد من ذكر الغسوليين الذين تواجدوا حول البحر الميت و نسبوا الى تل الغسيلات في الاردن و هم على المجموعة الفردانية T و كان وجودهم في الفترة الانتقالية بين العصر الحجري و النحاسي.
السرديات المشوهة في المنطقة نتجت من الخلط في تاريخ و تسلسل الاستيطانات و الاهمال للفترة الاهم و هي العصر البرونزي و حصر الروايات في فترة العصر الحديدي التي بدأت بعد الفين و ستة مئة عام و شهدت اختلاط اعراق و هجرات.
الموضوع الاهم الذي اظهرته الدراسات الحديثة في الحمض النووي ان العرب اليوم كعرقية هم سلالة الشعوب التي سكنت بلاد الشام و العراق في العصر البرونزي.
