صحيفة عمون : الزبون يحاضر عن السردية الاردنية في السلط

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عمون – القى الاستاذ الدكتور فواز الزبون كلمة في منتدى علان الثقافي ومنتدى زي الثقافي في محافظة البلقاء، خلال النشاط الثقافي المشترك الذي اقيم في نادي المتقاعدين العسكريين، تحت رعاية وزير الثقافة مصطفى الرواشدة، بعنوان السردية الوطنية الأردنية: آفاق وتطلعات.

وتاليا نص كلمة الزبون:

اقرأ أيضا: صحيفة عمون : حزب عزم يعلن دعمه لمشروع “عجائب الأردن السبع”

بسم الله الرحمن الرحيم،

السادة المنظمون الكرام، معالي الوزير، أصحاب المعالي والسعادة، زملائي الأكاديميين، أبناء محافظة البلقاء الأبية، الحضور الكريم،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أقف بينكم اليوم، ليس فقط كأستاذ جامعي متخصص في اللغويات، ولا كرئيس جامعة أسبق، بل كمواطن أردني أدرك أن الكلمات التي ندرسها، والنصوص التي نحللها، والمناهج التي نبنيها، هي في جوهرها لبنات في صرح هويتنا الوطنية. حديثي إليكم هو امتداد لمسيرة أكاديمية أردنية، حاولت من خلالها، بالتعاون مع زملائي في وزارة الثقافة، أن نربط بين دقة العلم وجوهر الانتماء.

لقد استمعتم قبلي إلى أطروحة ثرية حول مفهوم السردية. وأنا هنا لأنتقل بكم من “ما هي السردية؟” إلى “كيف تُنتج وتُدار وتُحوكم أكاديمياً؟”. إذا كانت السردية هي الرواية التي تجمع شتات الأمة، فإن الأكاديميا هي المصنع الرئيس الذي ينتج أدوات هذه الرواية، ويحللها، ويضمن استمراريتها.

أولاً: المنهج الأكاديمي في تشريح السردية – من منظور اللغويات

في صميم تخصصي، أجد أن السردية الوطنية ليست مجرد سرد للأحداث، بل هي “خطاب” بكل ما تحمله الكلمة من معنى في علم اللغة. إنها نظام من العلامات والرموز اللغوية التي تبني الواقع ولا تعكسه فقط. عندما نقول “الاستقلال”، فنحن لا نشير فقط إلى تاريخ 25 أيار 1946، بل نستدعي شبكة كاملة من المفاهيم: السيادة، التضحيات، بناء المؤسسات، والهوية المستقلة. الأكاديميا تقوم بتفكيك هذه المفاهيم لترى كيف تشكلت، وكيف تطورت دلالاتها عبر الزمن، وهو ما يحيلني إلى ما طرحه الدكتور رضا البطوش في ورقته المهمة حول “الديناميكية”: فالسردية، لغوياً وأكاديمياً، كائن حي يتطور بتطور وعي مستخدميه.

ثانياً: دور الأكاديميا في تشكيل السردية – بين التاريخ واللغة

لقد تفضل الدكتور رضا بطرح مفهوم “حوكمة السردية الوطنية” كإطار استراتيجي لإدارة الرواية الوطنية بصورة مستدامة. وأنا أرى أن الجامعات ومراكز البحث هي الركيزة الأساسية لهذه الحوكمة، وذلك من خلال ثلاثة محاور:

1. مختبر تشريح الخطاب: نقوم في الجامعات، وبالأخص في أقسام اللغات والعلوم الإنسانية، بتدريب طلابنا على تحليل الخطاب تحليلاً نقدياً. هذا يمكنهم من كشف السرديات المضادة، وفهم كيف توظف اللغة لبناء الشرعية أو تقويضها. إننا نصنع “المناعة الاستراتيجية” التي تحدث عنها الدكتور البطوش، ليس بالتلقين، بل بالتفكير النقدي الحر والمسؤول.

2. توثيق الذاكرة الهامشية: التاريخ الرسمي موجود، لكن الروايات الشفوية، والأدب المحلي، والأمثال الشعبية، واللهجات المتنوعة في معان والسلط والرمثا والعقبة، كلها تشكل “مادة خام” للسردية. لقد عملت شخصياً من خلال مسؤوليتي عن مناهج اللغة الإنجليزية على التأكيد على أهمية تعليم أبنائنا أن يرووا قصة بلدهم بتلك التفاصيل الإنسانية الغنية، وأن يترجموا “ذاكرتهم المؤسسية” المحلية إلى خطاب عالمي مؤثر.

3. الجسر بين المعرفة والوعي: هنا تكمن البراعة. نحن لا نكتفي بإنتاج المعرفة الأكاديمية المجردة، بل يجب أن نحولها إلى “وعي جمعي”، وهذا هو مربط الفرس في مفهوم الحوكمة. من خلال تطوير مناهج التربية الوطنية، وتصميم مساقات الجامعة الإجبارية، وتوجيه أبحاث الماجستير والدكتوراه نحو دراسة المنجز الحضاري الأردني، نحول الأكاديميا من برج عاجي إلى شريك استراتيجي في بناء الدولة.

اقرأ أيضا: صحيفة عمون : أمانة عمّان تنظم حوارية حول دور الشباب في منظومة التحديث الوطني

ثالثاً: مناهج اللغة الإنجليزية – نافذة السردية على العالم

في دوري كمسؤول عن مناهج اللغة الإنجليزية، أدركت أن السردية الأردنية لا تُكتب بالعربية فقط. فلكل لغة قوة ناعمة، ولكل ترجمة فرصة لمد جسور الفهم. إن أكبر تحدٍ واجهته هو: كيف نقدم سرديتنا الوطنية للعالم بلغة الآخر، دون أن نفقد أصالتها؟

علينا أن نصمم مناهج تمكن الطالب الأردني من أن يكون راوياً فاعلاً لقصة وطنه بالإنجليزية، مسلحاً بفهم عميق لسياقه التاريخي (من الثورة العربية الكبرى إلى مسارات التحديث التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني وولي عهده الأمين)، وقادراً على تفنيد الروايات المغلوطة بلغة العالم. هذا هو البعد الخارجي لحوكمة السردية؛ أي إدارة صورتنا الذهنية في الفضاء العالمي.

خاتمة: نحو أكاديميا تحكم السردية

السادة الكرام،

في الختام، أرى أن الأكاديميا الأردنية مطالبة اليوم بالانتقال إلى مرحلة “حوكمة السردية” التي طرحها الدكتور البطوش كمشروع وطني. علينا أن ننتقل من حراس للمعرفة إلى شركاء في صناعتها وإدارتها. أن نكون المختبر الذي يختبر صلابة السردية، والمصنع الذي يجدد أدواتها، والجسر الذي يحملها إلى العالم.

إن السردية الأردنية الجامعة، التي تحتفي بالاستقرار والاعتدال والانتماء العربي، قادرة على أن تكون عنواناً لنهضة أكاديمية وفكرية جديدة، تجعل من كل جامعة قلعة للهوية، ومن كل تخصص حقلاً لدراسة المنجز الوطني العظيم. فلنجعل من علمنا أداة لترسيخ حكاية وطن، نرويها بكل اللغات، ونسكنها في قلب كل طالب، لتبقى قصة الأردن تُكتب كل يوم… بالمعرفة والوعي والعمل.

اقرأ أيضا: صحيفة عمون : حجازين يبحث مع جمعية عَون الثقافية الوطنية تنفيذ مشاريع وطنية رائدة

‫0 تعليق

اترك تعليقاً