غزة- في مثل هذه الأيام من كل عام كانت ضحكات الأطفال تملأ الساحات، والألوان تكسو جدران المخيمات الصيفية في قطاع غزة، أما اليوم فقد غابت الأرجوحة واختفت المساحات الآمنة وحلّت مكانها طوابير الخبز والمياه الشاقة داخل مخيمات النزوح التي لفحتها حرارة الصيف القاسية لتسرق من الصغار إجازتهم الصيفية وتحولها إلى رحلة بقاء يومية.
وبالعودة إلى ما قبل الحرب، كان صيف غزة ميداناً صاخباً للتنافس، تتسابق فيه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والمؤسسات الأهلية والفصائل الفلسطينية على إطلاق أضخم المخيمات الصيفية وألعاب الصيف التي تستوعب مئات آلاف الأطفال.
أما اليوم، وفي ظل حرب الإبادة والنزوح المستمر، فاختفت تلك المنظومات المؤسسية بالكامل وتلاشت معها الميزانيات والساحات الآمنة ولم يتبقَ للأطفال إلا مبادرات تطوعية بسيطة تولد من رحم الخيام يحاول صناعها بـ”صفر إمكانيات” سرقة لحظات فرح مقتطعة من قلب المعاناة لبعث روح المخيمات الصيفية من جديد في محاولات للنهوض وصناعة الأمل رغم الجراح.

جرعات فرح مؤقتة
يتنقل صاحب مركز “قادرين نغير” أحمد النجار بين مخيمات النزوح ليعيد للأطفال توازنهم النفسي المفقود مستعيناً ببعض الموسيقى والألعاب الحركية الذاتية البسيطة في ظل غياب كامل للإمكانيات.
يقول النجار للجزيرة نت: “الفعاليات الصيفية للأطفال اليوم باتت متباعدة ومؤقتة؛ قد نزور المخيم مرة أو مرتين في الشهر فقط لعدم وجود أي دعم أو إمكانيات، ونحاول بجهودنا الذاتية أن ننتزع الأطفال من أجواء الحرب”.
وأضاف أنهم يعملون في ظروف “معقدة جداً”، حيث “لا تتوفر مظلات تحمي من حرارة الشمس الحارقة، ولا ألعاب حقيقية، نرى في عيون الأطفال رغبة عارمة في الفرح، لكن الواقع والنزوح المستمر يحاصران هذه الرغبة يوماً بعد يوم”.
وأوضح أن هذه الجهود لا تقف عند حدود البقعة الجغرافية الواحدة بل تحولت إلى “ملحمة صمود ممتدة”، إذ نجحوا في هذه المبادرات بتنفيذ أكثر من 100 فعالية ترفيهية جابت مخيمات النزوح من شمال القطاع المحاصر حتى أقصى جنوبه.
واللافت في هذه المبادرات أنها -بحسب النجار- لم تستهدف عقول الأطفال فحسب بل مدّت يد العون لجيل الشباب والخريجين من طلاب وطالبات الجامعات الذين توقفت مقاعد دراستهم وأحلامهم المهنية بفعل القصف، إذ تمكنت المبادرة من استقطاب واستهداف أكثر من 500 شاب وشابة وتحويل طاقاتهم المعطلة ومشاعرهم المكبوتة إلى قوة دفع إيجابية لقيادة هذه الأنشطة، وفق تعبيره.

من صرح إلى مركز متواضع
ولم تكن الحرب مجرد غارات تستهدف الحجارة بل كانت معركة طمست معالم المستقبل للأجيال الناشئة، والشاهد هنا مخيم “أنامل التعليمي” الذي يقول صاحبه محمد النزلي: “كان المركز قبل الحرب عبارة عن مؤسسة ضخمة ومتكاملة تستوعب سنوياً أكثر من 400 طفل، توفر لهم حافلات نقل، ونادياً متكاملاً وأجهزة طبية وعلمية حديثة تساعدهم على الاكتشاف والتعلم”.
واليوم -أوضح النزلي- تحول ذلك الصرح إلى ركام بعد أن استهدفه القصف بالكامل، “لكن ورغم الرماد والجراح رفضنا الاستسلام فاستُؤنف النشاط بحدوده الدنيا داخل مركز متواضع”.
وأضاف للجزيرة نت واصفاً حجم المعاناة “قُصفت المؤسسة وفقدنا كل الأجهزة والمعدات التي تعبنا سنوات في جمعها. حاولنا العودة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لكن حجم الاستيعاب تقلص بشكل حاد من نحو 400 طفل إلى 50 طفلاً فقط، وذلك بسبب غياب الأمان الذي يشكل العائق الأكبر”.
كما أن الأهالي في غزة أصبحوا يخشون إرسال أطفالهم في ظل القصف المستمر، فضلاً عن الانعدام التام لوسائل المواصلات والوقود التي كانت تنقلهم من المناطق البعيدة، مضيفاً “نحن نقاتل بأقل الإمكانيات لنبقي الأمل حياً في قلوب هؤلاء الصغار، لكن الواقع أثقل منا جميعاً”.
محاصرون داخل الخيام
أما نجلاء القدرة فتروي بمرارة للجزيرة نت حول ما تدفع ثمنه الأمهات داخل خيام النزوح من مواجهة يومية مع انكسار قلوب صغارهن؛ فهي أم نازحة تقيم في أحد المخيمات وسط مدينة غزة، وتقول: “أطفالي يبكون باستمرار. يتملكهم الضيق والإحباط طوال الوقت؛ فلا توجد ألعاب عندهم ولا مكان يفرغون فيه طاقاتهم. أكلهم الفراغ والحرارة”.
وأضافت وعيناها ترقبان حركة صغارها الذين يشعرون بالملل: “بين الحين والآخر تأتي مبادرة أو فعالية ترفيهية إلى المخيم يفرح الأطفال لدقائق، لكن هذه الجرعات المؤقتة لا تكفي أبداً؛ فسرعان ما تنتهي الفعالية ويعودون إلى دوّامة البكاء والملل؛ يجلسون في الخيمة يعانون الشمس الحارقة والقوارض التي تلحق بنا من كل جانب”.
وتتمنى الأم نجلاء عودة المخيمات الصيفية المنظمة والمستدامة التي لا تقتصر على تسلية الأطفال فحسب بل تحتضن مواهبهم وتبني إبداعاتهم التي طمستها الحرب.

صدمات دون تفريغ
وخلف تفاصيل المشهد الميداني القاسي يختبئ نزيف نفسي أعمق يصيب عقول وأرواح صغار غزة؛ فالمخيمات الصيفية والأنشطة الترفيهية لم تكن مجرد أوقات للمرح بل كانت بمثابة صمام أمان وجدار صد نفسي يحمي الأطفال من تداعيات الصدمات المتراكمة.
وتوضح مستشارة الدعم النفسي الاجتماعي والصحة النفسية للأسرة بغزة هنادي سكيك الأبعاد الخطيرة لهذا الحرمان وتقول إن غياب المخيمات الصيفية والأنشطة الترفيهية والحركية يترك الأطفال في مواجهة مباشرة مع صدمات الحرب دون أي أدوات للتفريغ النفسي؛ حيث كانت الأنشطة الحركية الوسيلة الطبيعية والوحيدة للأطفال لتصريف طاقات الخوف والقلق والتوتر المخزن داخل أجسادهم الصغيرة.
وتضيف للجزيرة نت أن المأساة تمتد لتضرب عمق التكوين الاجتماعي للطفل؛ فالنزوح المستمر والعيش داخل الخيام بالتوازي مع غياب الفعاليات الجماعية المنظمة تسببا في شلل حاد في نمو المحتوى الاجتماعي للأطفال، كما فُقدت المساحات التي يتعلم فيها الطفل مهارات التواصل والمشاركة وبناء العلاقات مع أقرانه.
وهذا الغياب -بحسبها- يعزز لدى الصغار سلوكيات الانسحاب والانعزال واضطرابات السلوك “بل ويقودهم إلى حالة من الإحباط وفقدان الشغف المبكر”.

مقارنات خطيرة
وتلفت المختصة سكيك الانتباه إلى بعدٍ نفسي وتربوي خطير بات يؤرق العائلات في غزة يرتبط بما يراه الأطفال عبر شاشات الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي وتقول: “في ظل غياب البدائل بات الأطفال يتابعون عبر منصات التواصل مقاطع فيديو لأقرانهم في دول العالم وهم يرتادون المدن الترفيهية والملاهي والمتنزهات الصيفية”.
وتتابع “هذه المقارنة البصرية الحتمية بين واقعهم الملتهب وواقع الطفولة الطبيعي خارج القطاع تولّد لديهم شعوراً حاداً بالدونية والنقص”.
كما أن هذا الشعور المستمر بالحرمان يعمق -وفق سكيك- الفجوة النفسية داخلهم ويتحول تدريجياً إلى تساؤلات قاسية يطرحها الأطفال على أنفسهم وعائلاتهم: لماذا نعيش نحن هكذا وهم يعيشون بسلام؟ مؤكدة أن “النتيجة الحتمية لهذه المقارنات القسرية هي تآكل الاستقرار النفسي وشحن نفوس الصغار بمشاعر العجز والإحباط والغضب المكبوت تجاه واقع فرُض عليهم ولم يختاروه”.
