سقطت الحصانة وبقي الحساب.. عاطف نجيب وجهاً لوجه أمام ضحاياه في قلب دمشق

سقطت الحصانة وبقي الحساب.. عاطف نجيب وجهاً لوجه أمام ضحاياه في قلب دمشق

​في مشهد طال انتظاره بعد سنوات من الصراع المرير، تتجه أنظار السوريين نحو قاعات المحاكم لطي صفحة مظلمة من تاريخ البلاد. يمثل المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب أمام العدالة لمواجهة تهم ثقيلة تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان. تجسد هذه المحاكمة لحظة حاسمة في مسار المحاسبة، حيث يواجه المتهم الأول عن إشعال شرارة الأحداث الدامية في محافظة درعا مصيره المحتوم أمام القضاء الجنائي في العاصمة دمشق.

​حسب تقرير لـ صحيفة الشرق، انعقدت الجلسة التاريخية يوم الأحد داخل أروقة محكمة الجنايات في القصر العدلي بدمشق. شهدت القاعة حضوراً لافتاً من سكان محافظة درعا الذين جاؤوا لمتابعة مجريات القضية التي مست حياتهم بشكل مباشر. كما حضر الجلسة النائب العام السوري حسان التربة، لضمان سير الإجراءات القانونية بشفافية، حيث تركزت التهم الموجهة للمسؤول الأمني على قضايا التعذيب والقتل العمد التي وقعت أحداثها المؤسفة عام ألفين وإحدى عشر.

​شملت لائحة الاتهام الطويلة التي تليت في المحكمة تسعة مسؤولين بارزين من حقبة النظام السابق. تصدر القائمة الرئيس السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، إضافة إلى قيادات أمنية وعسكرية أخرى. وجهت إليهم جميعاً تهم تتعلق بالقتل العمد والتعذيب الممنهج ضد المدنيين. ورغم غياب معظم المتهمين وفرارهم من وجه العدالة، كان عاطف نجيب المتهم الوحيد الحاضر فعلياً داخل قفص الاتهام ليواجه التهم المنسوبة إليه وجهاً لوجه.

​أدار الجلسة القاضي فخر الدين العريان، رئيس محكمة الجنايات في دمشق، الذي أكد على أهمية هذه الإجراءات. أوضح القاضي أن هذه الجلسة الافتتاحية تأتي ضمن التحضيرات القانونية الشاملة تمهيداً لإصدار قرارات غيابية بحق المتهمين الفارين. شدد العريان على التزام المحكمة بتطبيق أقصى معايير العدالة، مشيراً إلى أن الإجراءات ستستمر بشكل دقيق لضمان حقوق جميع الأطراف المتضررة من تلك الانتهاكات التي وقعت في درعا ومناطق أخرى.

​أعلن القاضي العريان أن الجلسة المقبلة ستعقد في العاشر من شهر مايو المقبل، وستكون مخصصة لخطوات حاسمة في القضية. سيتم خلال تلك الجلسة استجواب المتهم عاطف نجيب بشكل تفصيلي حول التهم المنسوبة إليه. كما ستستمع المحكمة إلى مرافعات المدعين العامين وإفادات الشهود الذين عايشوا تلك الأحداث. أضاف القاضي أن المحكمة ستخصص أيضاً جلسات متتالية لمحامي الدفاع لتقديم دفوعهم القانونية وضمان توفير محاكمة عادلة وشفافة للجميع.

​في سياق متصل، طمأن القاضي جميع المتضررين بأن أبواب المحكمة مفتوحة لاستقبال أي بلاغات أو شكاوى جديدة ضد المتهمين المذكورين في اللائحة. ولتبديد مخاوف الشهود من أي انتقام محتمل، أكد العريان على تفعيل برنامج خاص لحماية الشهود. سيوفر هذا البرنامج سرية تامة لمن يرغب في الإدلاء بشهادته دون الكشف عن هويته أو الظهور في وسائل الإعلام، مما يشجع المزيد من الضحايا على التقدم بشكاويهم بأمان.

​مسار العدالة والانتقال السياسي

​أصدرت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بياناً رسمياً حول أهمية هذه المحاكمة التاريخية في دمشق. اعتبرت الهيئة أن تقديم المسؤولين السابقين للقضاء يأتي في إطار الالتزام الوطني بمعالجة ملفات الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت بحق الشعب السوري. أكدت الهيئة أن هذه الخطوة تمثل جزءاً أساسياً ومحورياً من مسار المحاسبة الشاملة، وتهدف إلى تحقيق العدالة لجميع الضحايا، إضافة إلى تعزيز مبدأ سيادة القانون في سوريا الجديدة.

​يعتبر عاطف نجيب من أبرز الوجوه الأمنية التي ارتبط اسمها بقمع الاحتجاجات السلمية في بداياتها. لمعرفة جذور نفوذه الواسع، يجب النظر إلى الروابط العائلية التي جمعته برأس السلطة آنذاك. ترتبط عائلة المتهم بصلة قرابة وثيقة ومباشرة بالرئيس السابق بشار الأسد. والدته هي فاطمة مخلوف، شقيقة أنيسة مخلوف، والدة بشار الأسد. هذا الارتباط العائلي القوي منحه حصانة غير معلنة ونفوذاً استثنائياً داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية.

​بدأ مسيرته المهنية بالالتحاق بالكلية الحربية، حيث أتم دراسته العسكرية وتخرج برتبة ملازم. ومع ذلك، لم تكن ترقياته اللاحقة مجرد نتيجة لتدرج عسكري طبيعي. ساهم قربه الشديد من عائلة الأسد وتلك الروابط العائلية الوثيقة في تسريع وتيرة ترقياته العسكرية بشكل لافت. مكنه هذا الدعم من تجاوز الكثير من الضباط الأقدم والأكثر خبرة، ليصل إلى مناصب قيادية حساسة في وقت قياسي مقارنة بأقرانه في المؤسسة العسكرية.

​النفوذ الأمني وتصاعد التوترات

​تنقل المسؤول المذكور بين عدة أجهزة أمنية هامة في مواقع استراتيجية مختلفة. شملت مسيرته توليه مناصب قيادية بارزة بين العاصمة دمشق والمدن الساحلية، بما في ذلك اللاذقية وطرطوس. اكتسب خلال هذه الفترة خبرة واسعة في إدارة الملفات الأمنية الحساسة، قبل أن يتم تعيينه رئيساً لفرع الأمن السياسي في محافظة درعا، وهو المنصب الذي احتفظ به حتى اندلاع الأحداث الكبرى في عام ألفين وإحدى عشر.

​ارتبطت فترة إدارته لفرع الأمن السياسي في درعا بواحدة من أهم المحطات المفصلية في التاريخ السوري الحديث. بدأت شرارة الأحداث بتصرف عفوي من قبل مجموعة من الأطفال واليافعين، من بينهم معاوية صياصنة. تأثر هؤلاء الأطفال بموجة الاحتجاجات والربيع العربي التي شهدتها عدة دول عربية مثل تونس ومصر. قام الأطفال بكتابة شعارات مناهضة للنظام على جدران مدرستهم في حي الأربعين بدرعا البلد، مطالبين برحيل السلطة الحاكمة.

​أشهر تلك العبارات التي كتبت على جدار المدرسة كانت إجاك الدور يا دكتور، في إشارة مباشرة للرئيس السابق. لم تمر هذه الحادثة بسلام، حيث تصرفت الأجهزة الأمنية في المحافظة بقسوة مفرطة. أعقب ذلك حملة اعتقالات واسعة استهدفت الأطفال الذين لم تتجاوز أعمارهم الخامسة عشرة. تم اقتياد هؤلاء اليافعين إلى أقبية فروع الأمن، حيث واجهوا مصيراً مرعباً بناءً على تعليمات مباشرة وصارمة من القيادة الأمنية في المحافظة.

​شرارة الأحداث والانتهاكات الجسيمة

​أكدت العديد من التقارير الحقوقية وشهادات الناجين لاحقاً أن عاطف نجيب هو من أصدر الأوامر المباشرة للتعامل الوحشي مع الأطفال المعتقلين. شملت التعليمات تطبيق أساليب تعذيب قاسية شملت الضرب والصعق بالكهرباء. تجاوزت الانتهاكات كل الحدود الإنسانية لتصل إلى حد اقتلاع أظافر بعض الأطفال اليافعين وقتل آخرين تحت التعذيب. كانت هذه القسوة المفرطة محاولة لترويع الأهالي وبث الرعب في نفوس السكان لمنع أي تحركات معارضة في المحافظة.

​لم تقتصر الانتهاكات على تعذيب الأطفال داخل المعتقلات، بل امتدت لتشمل إهانة الرموز الاجتماعية في المحافظة. توجه وفد من وجهاء وأعيان درعا للقاء رئيس فرع الأمن السياسي بهدف التوسط ومطالبته بالإفراج عن أبنائهم الأطفال. بدلاً من احتواء الموقف والاستماع لمطالبهم، قوبل الوجهاء بصلف شديد ورد مهين من قبل المسؤول الأمني. تضمنت ردوده إهانات بالغة مست كرامة الأهالي، مما صدم المجتمع المحلي وأشعل غضباً شعبياً عارماً.

​أثارت طريقة التعامل الأمني العنيفة والمهينة مع حادثة الأطفال ووجهاء العشائر موجة استنكار واحتجاجات واسعة النطاق في درعا. تحول الغضب الشعبي سريعاً إلى تظاهرات حاشدة في الساحات العامة ومحيط المسجد العمري، حيث طالب الأهالي بالحرية والإفراج عن أبنائهم. ساهم هذا الرد الأمني القمعي المباشر الذي قاده عاطف نجيب في خروج الأمور عن السيطرة، لتكون تلك اللحظة هي الشرارة الحقيقية التي أشعلت نار التظاهرات في جميع أنحاء سوريا.

​الإفلات من العقاب ونهاية المطاف

​في خضم تصاعد وتيرة الاحتجاجات وسقوط الضحايا، حاولت السلطة الحاكمة آنذاك تهدئة الغضب الشعبي عبر تشكيل لجنة تحقيق رسمية للنظر في تجاوزات الأجهزة الأمنية بدرعا. ورغم ثبوت تورط القيادات الأمنية في تلك الانتهاكات الجسيمة، لم تتم محاسبة رئيس الفرع الأمني بشكل قانوني. بدلاً من تقديمه للعدالة، اكتفت السلطات بنقله من درعا وتعيينه في فرع الأمن السياسي بمحافظة إدلب، كإجراء شكلي لامتصاص نقمة الشارع المتصاعدة.

​ورغم محاولات التغطية على تلك الجرائم محلياً، لم تغب هذه الانتهاكات عن أنظار المجتمع الدولي. أدرجت الولايات المتحدة الأميركية اسم عاطف نجيب ضمن القوائم السوداء وفرضت عليه عقوبات اقتصادية صارمة في أواخر أبريل عام ألفين وإحدى عشر. سرعان ما تبعها الاتحاد الأوروبي بخطوات مماثلة في شهر مايو من العام نفسه، ليصبح بذلك أحد أبرز المسؤولين الأمنيين المطلوبين دولياً بسبب دوره الرئيسي في قمع المحتجين السلميين.

​بعد الأشهر الأولى من اندلاع الاحتجاجات، توارى المسؤول الأمني عن الأنظار وغاب تدريجياً عن الساحة السياسية والإعلامية. استمر في التخفي لسنوات طويلة معتمداً على شبكة علاقاته الواسعة. ومع سقوط النظام السابق وحدوث التغيير السياسي الشامل، تجددت ملاحقته من قبل الأجهزة المعنية. واليوم، وبعد مرور خمسة عشر عاماً على تلك الأحداث المأساوية، يعود اسمه لتصدر المشهد مجدداً، ولكن هذه المرة من داخل قفص الاتهام ليواجه ماضيه المثقل بالانتهاكات.

حاصل علي كلية الدراسات الإسلامية جامعه الازهر الشريف في القاهرة احب كتابة الأخبار والتريندات