كل الأخبار

رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن: فقدان أوروبا للثقة في أمريكا يهدد مستقبل الحلف الأطلسي




واشنطن – (د ب أ)


نشر في:
الثلاثاء 7 يوليه 2026 – 9:34 ص
| آخر تحديث:
الثلاثاء 7 يوليه 2026 – 9:34 ص

تأتي قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) التي تنطلق اليوم الثلاثاء في تركيا في ظروف بالغة الحرج بالنسبة لمستقبل الحلف، بعد أن خاضت الولايات المتحدة حربها الأخيرة ضد إيران دون أي مشاركة من جانب الناتو، بل إن بعض الدول الأعضاء رفض السماح للطائرات الأمريكية المشاركة في الحرب من استخدام أجوائها أو قواعدها العسكرية، في حين يهاجم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحلف والدول الأعضاء باستمرار.

ومنذ ولايته الأولى التي بدأت عام 2017 يقول ترامب إن حلفاء واشنطن الأوروبيين يستفيدون من الضمانات الأمنية الأمريكية دون وجه حق. كما هدد أثناء حملته الانتخابية الأولى بالانسحاب من الحلف بعد فوزه بالرئاسة، ثم كرر التهديد نفسه عند ترشحه للرئاسة عام 2024. ومنذ أسابيع قليلة، وفي اجتماع لحلف الناتو، أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث عن مراجعة الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، مضيفا أن سداد واشنطن لاشتراكاتها السنوية في الناتو سيكون “مشروطا بالتزام الدول الأخرى بمستهدفات الإنفاق الدفاعي”.

في الوقت نفسه أشارت الولايات المتحدة مرارا وتكرارا منذ نهاية الحرب الباردة إلى أنها قد تخفض مساهماتها في الأمن الأوروبي، لكنها ظلت تدافع عن القارة عند الضرورة. ورغم أن واشنطن لم تبد رغبة تذكر في القيام برد منسق على ضم روسيا لشبه جزيرة القرم من أوكرانيا عام ٢٠١٤، إلا أنها كثفت جهودها بعد الحرب الروسية الشاملة ضد أوكرانيا في فبراير عام ٢٠٢٢، مقدمة قيادةً استراتيجيةً ومساهمة بالجزء الأكبر من الدعم العسكري الذي قدمه حلف الناتو لأوكرانيا. في المقابل ضغطت الولايات المتحدة على حلفائها الأوروبيين طوال ذلك الوقت من أجل تحمل حصة أكبر من عبء الدفاع في الحلف. لكن الأوروبيين، الذين كانوا واثقين من استمرار دعم واشنطن لهم عند الحاجة، لم يأخذوا هذه الرسالة الأمريكية على محمل الجد.

وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قال فولفجانج أيشنجر رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن ووزير الدولة للشؤون الخارجية في ألمانيا إن إدارة ترامب أثارت الشكوك في شعور أوروبا بالأمان، وقللت من أهمية أوكرانيا للمصالح الأمريكية واستبعدت الدول الأوروبية من محادثات إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، ومن المناقشات السابقة على بدء الحرب ضد إيران، كما تجاهلت تنسيق انسحاب القوات الأمريكية التقليدية من أوروبا. كل هذا أدى إلى تآكل مصداقية الولايات المتحدة لدى أوروبا التي بدأت حشد الموارد اللازمة لتصبح قوة عسكرية قادرة على حماية أمنها وبخاصة في مواجهة الخطر الروسي.

ومن المفارقات أنه في الوقت الذي أصبحت فيه أوروبا الشريك الذي ترغب الولايات المتحدة في وجوده إلى جانبها، أدى سلوك واشنطن إلى أزمة ثقة داخل التحالف عبر الأطلسي. وإذا لم تتمكن واشنطن من إصلاح الضرر الذي ألحقته بتحالفها مع أوروبا ، فإنها تخاطر بفقدان هذا الحليف القيّم بشكل كامل.

وأضاف آيشنجر سفير ألمانيا لدى الولايات المتحدة سابقا، أن تصاعد أزمة الثقة داخل حلف الناتو، قد تبدد أي فوائد تحققها التزامات أوروبا الدفاعية الجديدة للحلف . فاستياء القادة الأوروبيين من عدم تشاور الولايات المتحدة مع حلفائها يتزايد. على سبيل المثال، لم تناقش واشنطن معهم خططها لمهاجمة إيران، لذلك، نأت الحكومات الأوروبية بنفسها عن تلك الحرب عندما نشبت. كما أصبحت الحكومات الأوروبية أشد عزوفا عن الانخراط في أي نشاط عسكري أمريكي. بل إن بعضها قيد استخدام القوات الأمريكية لمجالها الجوي أو قواعدها في العمليات المرتبطة بحرب إيران .

يتزايد هذا الحذر الأوروبي من الولايات المتحدة منذ أشهر. ففي ملف أوكرانيا، وبدلا من تمثيل المصالح الجماعية للحلفاء في جهود إنهاء الحرب، قدمت واشنطن نفسها كوسيط بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو). وقد تجلى ذلك بوضوح في خطة ترامب للسلام المكونة من 28 بندا، التي انحازت بشكل كبير للمصالح الروسية، مما أثار استياء في العواصم الأوروبية. وفي الوقت نفسه، فجرت تهديدات ترامب بالاستيلاء على جرينلاند الدنماركية بموجة عداء أوروبي واضح ضد واشنطن. وعندما هددت واشنطن بفرض تعريفات جمركية على الدول الأوروبية التي عارضت طموح ترامب في ضم الجزيرة في يناير، بدأ الاتحاد الأوروبي دراسة اتخاذ تدابير اقتصادية انتقامية كان استخدامها ضد حليف أمراً غير وارد في السابق. وقد أظهر استطلاع رأي أجراه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في مايو 2026 شمل 15 دولة أوروبية أن ربع الأوروبيين ينظرون الآن إلى الولايات المتحدة كمنافس أو حتى خصم، وهي النسبة التي تتزايد باطراد.

ويحذر أيشنجر من أن الولايات المتحدة، بسماحها باستمرار أزمة الثقة، تخاطر بفقدان فوائد التحالف مع شريك كفؤ حقا، إذ لم تعد أوروبا مجرد مستفيد مجاني من مظلة الأمن الأمريكية، بل أصبحت بسرعة رصيدا استراتيجيا مهما لواشنطن، كما تجلى بوضوح في أوكرانيا، حيث سدت الدول الأوروبية الثغرات التي خلفها تقليص المساعدات الأمريكية لكييف منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض. ومولت أوروبا استمرار إمداد أوكرانيا بالأسلحة الأمريكية عبر آلية شراء تابعة لحلف الناتو، كما أنقذ الاتحاد الأوروبي أوكرانيا من الانهيار المالي بتقديم حزمة قروض تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار. وبذلك، ساعد حلفاء الولايات المتحدة واشنطن في تقليص مشاركتها في الحرب الأوكرانية دون تعريض مستقبل أوكرانيا للخطر الشديد، وهو ما كان يسعى إليه المسؤولون الأمريكيون منذ فترة طويلة.

وإذا أوفت أوروبا بتعهداتها بشأن الإنفاق الدفاعي، وأصبحت قوة عسكرية قادرة بحد ذاتها، فستزيد مكاسب الولايات المتحدة من استمرار الحلف الأطلسي. فمع وجود أعداد أكبر من الجنود المجهزين تجهيزا جيدا وعلى أهبة الاستعداد، ستتمكن أوروبا من المشاركة في عمليات مكثفة وانتشار عسكري مستدام. كما أن وجود قاعدة صناعية دفاعية أوروبية أقوى ستوفر قدرة إضافية للقاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية، التي تعاني بالفعل من صعوبة في تجديد مخزوناتها بعد أسابيع قليلة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.

لحسن حظ المسؤولين الأمريكيين، تملك واشنطن فرصة لاستعادة ثقة أوروبا، تتمثل في مفاوضات إنهاء الحرب في أوكرانيا. فالأوروبيون، في نهاية المطاف، لا غنى عنهم لضمان وقف إطلاق النار، واحتواء روسيا، وتحقيق الاستقرار طويل الأمد بعد انتهاء الحرب. في الوقت نفسه يشير التضامن الغربي القوي مع أوكرانيا الذي تجلّى في قمة مجموعة السبع في فرنسا الشهر الماضي عندما أكد قادة الدول “دعمهم الثابت لأوكرانيا في الدفاع عن حريتها وسيادتها وسلامة أراضيها”، وتعهّدوا بتقديم المزيد من المساعدات، والتزموا بزيادة الضغط الاقتصادي على روسيا – إلى وجود فرصة سانحة للعمل نحو السلام. لكن على واشنطن الآن ضمان احترام المصالح الأوروبية في أي اتفاق يتم إبرامه لإنهاء الحرب بين كييف وموسكو.

كما يتعين على الولايات المتحدة محاولة رأب الصدع الذي أحدثته عند بدء الحرب مع إيران دون أي تشاور مع حلفائها الأوروبيين، وذلك بإشراك أوروبا في المفاوضات الرامية إلى إنهاء هذه الحرب. ويبدي الأوروبيون استعدادهم لدعم الجهود الرامية إلى استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز والحفاظ عليها. كما أنهم يتمتعون بخبرة عقود من المفاوضات مع الإيرانيين التي تُوّجت بالاتفاق النووي الإيراني عام ٢٠١٥. ويمكنهم مساعدة واشنطن في الحصول على دعم الجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسية، بما فيها دول الخليج، للتوصل إلى تسوية نهائية مع طهران، مما يقلص خطر العودة إلى الحرب.

وأخيرًا، يجب على الولايات المتحدة أن تُقرّ بأن أوروبا بحاجة إلى تقليل اعتمادها على صناعة الدفاع الأمريكية. ويبدو أن واشنطن مترددة في ذلك؛ ففي ديسمبر، وخلال اجتماع وزراء خارجية الناتو، أفادت التقارير أن نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لانداو قال للحلفاء الأوروبيين إن السياسات التي تدفع الشركات الأمريكية إلى الخروج من السوق الأوروبية، من شأنها تقويض الدفاع الجماعي. هذا الموقف الأمريكي يتجاهل حقيقة أن إعادة تسليح أوروبا تعتمد حتى الآن بشكل كبير على المشتريات من الشركات الأمريكية. فقد استوردت الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو ما يقرب من 51% من معداتها العسكرية من الولايات المتحدة بين عامي 2022 و2024. ولكن إذا أرادت أوروبا أن تتحمل مسؤولية أكبر عن دفاعها، فعليها الحفاظ على الدعم الشعبي لزيادة الميزانيات. يتطلب ذلك زيادة الإنفاق المحلي، لكي تسهم الاستثمارات في قطاع الدفاع في خلق فرص عمل وتحقيق عوائد اقتصادية محلية أوسع. إن وجود قاعدة صناعية دفاعية أوروبية تنافسية لا يشكل تهديدا للولايات المتحدة، بل على العكس، سيعزز قوة حلف الناتو من خلال توسيع قدراته الصناعية.

كاتبة في عدة مواقع عربية، وحاصلة على بكارليوس هندسة قسم تشييد وبناء.

كل مقالات الكاتب

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *