
لم تكن مدينة رويجين، الموجودة في مقاطعة جيانجشي شرقي الصين، مجرد بقعة جغرافية عابرة في التاريخ الصيني، بل كانت “الرحم” الذي وُلدت منه الصين الحديثة، و”العاصمة الحمراء” لجمهورية الصين السوفيتية، ومقر الهيئات القيادية العليا التي صاغت مستقبلاً جديداً للأمة الصينية؛ فمن هنا اتُّخذت القرارات الاستراتيجية الكبرى، ومن هنا انطلقت «المسيرة الكبرى»، أطول ملحمة صمود وعزيمة عرفها التاريخ الحديث.
مهد الحكومة المركزية
وفي زيارة لصحيفة «اليوم السابع» لمدينة رويجين، في الذكرى ال105 لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، تجولت داخل موقع يببينج الثوري، الذي شهد ولادة جمهورية الصين السوفيتية في ثلاثينيات القرن الماضي، ويعتبر “مهد الحكومة المركزية” إذ احتضن فعاليات المؤتمر الوطني الأول للحزب ويضم أكثر من 20 موقعاً ثورياً، أبرزها القاعة القديمة التي شهدت المؤتمر الوطني الأول للحزب وغرف مكاتب الوزارات الحكومية الأولى.
كما ضم مقار الإقامة السابقة لقادة الثورة مثل ماو تسي تونج، ويمكن للزائرين زيارة القاعة القديمة، حيث عقد الحزب الشيوعي الصيني المؤتمر الوطني الأول للجمهورية السوفيتية الصينية. كما يمكنهم التجول في الغرف التي كانت تُستخدم كمكاتب للوزارات الحكومية، وكذلك يمكن زيارة غرفة نوم الزعيم ماو تسي تونج البسيطة
نقابات عمال عموم الصين
وتشمل المواقع القائمة الموقع القديم لمبنى المكتب العام، والمساكن السابقة لقادة الجيش الأحمر بالإضافة إلى الموقع القديم لاتحاد نقابات العمال لعموم الصين، والموقع القديم لمدرسة لينين الابتدائية، والمكتب الإعلامي للحزب.
مواقع محمية على المستوى الوطني
وفي 4 مارس1961، أُدرج الموقع ضمن “الدفعة الأولى من المواقع التاريخية والثقافية الرئيسية المحمية على المستوى الوطني”. وفي عام 1995، وبموافقة السلطات العليا، أُعيد تسميته إلى قاعة رويجين التذكارية لقاعدة الثورة المركزية، وصُنِّف كقاعدة وطنية متميزة للتربية الوطنية.
البئر الأحمر
كما زار ” اليوم السابع”، موقع البئر الأحمر الذي أمر ماو تسي تونج ببناءه لمساعدة الفلاحين.
يقع البئر الأحمر في شازوبا، وهي بلدة تابعة لمدينة رويجين. في الماضي، كان سكان شازوبا، وهي منطقة تعاني من الجفاف، يخشون حفر الآبار بسبب الخرافات والفقر، وكانوا يضطرون لجلب المياه الملوثة من بركة. وفي عام 1933، قاد ماو تسي تونج الجنود والسكان في حفر بئر. بعد ذلك، أصبح بإمكان السكان شرب مياه عذبة ونظيفة. أطلق السكان المحليون على البئر اسم “البئر الأحمر” تخليدًا لذكرى ماو. واليوم، يزور العديد من السياح هذا الموقع السياحي، ويأتون لجلب مياه البئر العذبة وتذوقها.
وقالت إليشيا وو ، وهى صحفية في جريدة جيانجشي المحلية إنها كمواطنة صينية شابة تشعر بالامتنان للزعيم ماو الذي وضع بذرة الدولة الحديثة معتبرة أن قادة الحزب بدأوا رحلة من الشقاء والبناء حتى ينعم جيلها بالمزيد من الفرص تحت قيادة الرئيس تشي جين بينج.
روح المسيرة الكبرى
ومن ناحية أخرى، استمع وفد الزائرين الدولي إلى محاضرة ألقاها مينجشينج لي ، من أكاديمية جيانجشي للقيادة التنفيذية حول «المسيرة الكبرى» واستمرار روحها في الصين الحديثة.
وقال إن مدينة رويجين تحتفل بالذكرى التسعين لانتصار المسيرة الكبرى وتضم العديد من المواقع السياحية التي تجسد روح المسيرة الكبرى مثل : “القرية الأولى للمسيرة الكبرى”، “الجبل الأول”، “الجسر الأول”،و”المعدية الأولى”.
وأوضح أن القصة بدأت في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، وتحديداً في نوفمبر 1931، عندما اختار الحزب الشيوعي الصيني مدينة رويجين لتشهد ولادة “جمهورية الصين السوفيتية”. وخلال مؤتمرها الوطني الأول، انتُخب الزعيم الراحل ماو رئيساً للحكومة المركزية المؤقتة.
انطلاق الجيش الأحمر
وأضاف أن المحطة الأبرز التي غيرت مجرى التاريخ كانت في أكتوبر 1934، فتحت وطأة الحصار الشديد الذي فرضته قوات الحزب الوطني “الكومينتانج” الخصم العنيد للشيوعيين، اتخذ الحزب قراراً مصيرياً؛ حيث انطلق الجيش الأحمر المركزي (جيش الجبهة الأولى) من رويجين ويودو المجاورة لفك الحصار ومواصلة القتال ضد المعتدين اليابانيين.
وأوضح أن هذه كانت بداية «المسيرة الكبرى»، تلك الملحمة التي خاض فيها الجيش الأحمر حرباً ضروساً مع خصومه، وقطع خلالها أكثر من 12,500 كيلومتر (ما يعادل 25 ألف “لي” بالقياس الصيني) من الأهوال والمصاعب بين عامي 1934 و1936، وانتهت بحسم المعركة لصالح معسكر الزعيم ماو في البر الرئيسي الصيني وهزيمة الوطنيين.
عزيمة بشرية فريدة
وتابع أن الكاتب الأمريكي الشهير هاريسون سالزبوري تتبع طريق هذه المسيرة، ووصفها في كتابه قائلا : «تقف المسيرة الكبرى كصرح يمثل العزيمة البشرية والجسارة. في هذا القرن، لا يوجد حدث أكثر جاذبية أو تأثيراً على مستقبل العالم كالمسيرة الكبرى».
تضحيات شعب رويجين
ولم تكن المسيرة الكبرى لتنجح لولا الدعم الشعبي الأسطوري الذي قدمه سكان رويجين؛ إذ تبرع الأهالي بـ 250 ألف “تان” من الحبوب وبكل مدخراتهم المالية لتمويل الثورة.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى وجود 108,200 قتيل مسجل في جنوب چيانجشي، نالت رويجين وحدها النصيب الأكبر منهم بتقديمها 17,166 قتيلا.
مأساة شخصية للزعيم ماو
وفي قلب هذه التضحيات، تجسدت مأساة إنسانية شخصية للزعيم ماو. فمع انطلاق المسيرة في أكتوبر 1934، تقرر عدم اصطحاب الأطفال لصعوبة الطريق وخطورته. وكان ابن ماو المعروف باسم “مومو” يبلغ من العمر عامين فقط، فأودعه والده لدى شقيقه الأصغر “ماو تسي تان” لتبنيه وتأمينه، غير أن الشقيق انخرط في مهام عسكرية عاجلة، ليودع الطفل بدوره لدى مزارع محلي. وبشكل مأساوي، استشهد شقيق ماو في المعارك، وانقطعت الأخبار تماماً ولم يُعرف لدى أي عائلة تُرِك الطفل.
ورغم محاولات البحث المستمرة بعد تأسيس الصين الشعبية عام 1949، لم يتم العثور عليه، وعلق ماو: “لا فائدة من البحث، أفضل أن يكون ابناً أبديا للشعب الصيني ويجب أن يفخر بهذه الهوية”.
تضحيات كبيرة
كما اضطرت زوجات القادة للبقاء بسبب الحمل أو المرض، وكثير منهن لم ينجين؛ فمنهن من دُفنت حية ومنهن من عذّبها العدو.
استلهام روح المسيرة الكبرى للصين اليوم
وأضاف المحاضر أن الصين اليوم تحت قيادة شي جين بينج استلهمت روح المسيرة الكبرى بتطبيق المبادئ الخمسة التالية:
1. وضع المصالح الأساسية للشعب والأمة الصينية فوق كل شيء.
2. عدم الخوف من المشاق والتضحية بكل شيء لإنقاذ الوطن والشعب.
3. التمسك بالاستقلال والبحث عن الحقيقة من الوقائع.
4. مراعاة الوضع العام والالتزام بالنظام والبقاء متحدين
5. الاعتماد الراسخ على الشعب ومشاركته السراء والضراء.
وختم المحاضرة بتكرار مقولة الرئيس شي بأن المسيرة الكبرى مستمرة دائماً في طريقها. وإن الأمة التي لا تتذكر من أين أتت ليس لها مستقبل.

البئر الأحمر

الزعيم ماو مع قادة الحزب

الغرف في المقر الحكومي

جانب من الجولة في مهد الحكومة المركزية الصينية

غرفة نوم ماو تسي تونج

مقر البئر الأحمر

مقر الحكومة المركزية في مدينة رويچين
