قد تبدو قطعة نسيج أثرية مجرد خيوط من الكتان أو الصوف، لكنها في الحقيقة تحمل بين أليافها قصة حضارة امتدت لآلاف السنين.
فمن داخل قاعة النسيج بالمتحف القومي للحضارة المصرية، تكشف المنسوجات الأثرية عن براعة المصري القديم في ابتكار تقنيات نسج متقدمة، انتقلت عبر الأجيال واستمرت في العصر القبطي، ولا تزال أصداؤها حاضرة في كثير من الحرف اليدوية المصرية حتى اليوم.

◄ تقنية سبقت عصرها
أوضحت الدكتورة رشا كمال، مدير عام الإدارة العامة للوعي الأثري، أن قاعة النسيج بالمتحف القومي للحضارة المصرية تضم نماذج مميزة من المنسوجات المصرية القديمة المصنوعة من الكتان، والتي نُفذت باستخدام تقنية عُرَى اللحمة، وهي إحدى التقنيات المتقدمة في صناعة النسيج.
وتعتمد هذه الطريقة على إضافة خيوط تُشكل عُرًى بارزة ومتدلية فوق أرضية النسيج، لتمنحه ملمسًا وبريًا غنيًا ومظهرًا ثلاثي الأبعاد، وهو ما يعكس المستوى المتقدم الذي وصل إليه صناع النسيج في مصر القديمة.
◄ من الفرعونية إلى القبطية
ولم تتوقف هذه المهارة بانتهاء العصر الفرعوني، بل انتقلت إلى العصر القبطي، حيث استمر النساج المصري في تطوير حرفته، مستخدمًا الصوف إلى جانب الكتان، مع إدخال زخارف أكثر تنوعًا وألوانًا أكثر ثراءً، بما يتناسب مع الطابع الفني والديني لتلك الحقبة.
اقرأ ايضا| سيد العالم الآخر.. كيف أصبح “أوزير” رمزًا للحياة الأبدية في الحضارة المصرية؟
وأصبح النسيج القبطي أحد أبرز الشواهد على استمرار الخبرات المصرية وتطورها عبر الزمن، دون أن تفقد هويتها الأصيلة.

◄ شاهد عالمي على استمرارية الحرفة
وتشير الدكتورة رشا كمال إلى وجود نموذج مصري محفوظ في متحف المتروبوليتان، يعود إلى القرنين الرابع والخامس الميلاديين، يجسد هذا التطور بوضوح.
فالقطعة مصنوعة من الصوف والكتان، وجمعت بين النسيج السادة، وتقنية التابستري، وعُرَى اللحمة، حيث تظهر الخيوط البارزة حول العناصر الزخرفية لتمنحها ملمسًا مميزًا يعكس براعة الحرفي المصري.
◄ تراث لا يزال حيًا
ورغم مرور آلاف السنين، فإن الفكرة الأساسية لهذه التقنية ما زالت حاضرة في عدد من الحرف اليدوية المعاصرة، التي تعتمد على تكوين خيوط بارزة أو متدلية فوق سطح النسيج، وإن اختلفت الأدوات وأساليب التنفيذ الحديثة.

ويؤكد ذلك أن الحرفة المصرية لم تنقطع، بل تطورت مع الزمن، وظلت تنتقل من جيل إلى آخر، محافظة على روحها وإبداعها.
◄ ذاكرة تحفظها الخيوط
تكشف هذه المنسوجات أن الحضارة لا تُكتب على الحجر وحده، بل تُنسج أيضًا بالخيوط. فمن مصر القديمة إلى العصر القبطي، ثم إلى ورش الحرفيين في الوقت الحاضر، استمرت المعرفة، وتوارثها المصريون، لتبقى صناعة النسيج شاهدًا حيًا على عبقرية الإنسان المصري وقدرته على الإبداع والتجدد عبر العصور.

