ترامب في الصين.. قمة الحسم والخيارات الإستراتيجية الصعبة مع شي جين بينج

ترامب في الصين.. قمة الحسم والخيارات الإستراتيجية الصعبة مع شي جين بينج

تبدأ اليوم الأربعاء الزيارة الرسمية التي يقوم بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى دولة الصين، والتي تستمر حتى الخامس عشر من شهر مايو الجاري، وسط ترقب عالمي ومتابعة دقيقة لما ستسفر عنه هذه القمة المرتقبة مع نظيره الصيني شي جين بينج، في ظل التنافس الإستراتيجي غير المسبوق بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم، سعياً لضبط إيقاع النظام الدولي المتغير وتجنب الصدامات المباشرة

​حسب تقرير لموقع قناة القاهرة الإخبارية فإن هذه الزيارة المهمة تأتي بعد مرور ما يقرب من تسع سنوات كاملة على أول زيارة أجراها ترامب إلى العاصمة بكين خلال ولايته الأولى عام ألفين وسبعة عشر، حيث تبدو الخيارات هذه المرة أكثر تعقيداً وخطورة بكثير، مع اشتعال الحروب التجارية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية في مناطق مختلفة من العالم، إضافة إلى الخلافات العميقة والجوهرية حول ملفات حقوق الإنسان

​يضم الوفد الأمريكي المرافق للرئيس ترامب شخصيات بارزة جداً من بينها وزير الخارجية مارك روبيو الذي يعد أول وزير خارجية أمريكي خاضع لعقوبات صينية يزور البلاد، فضلاً عن وفد رفيع المستوى يمثل كبرى الشركات التكنولوجية والصناعية الأمريكية مثل رؤساء شركات أبل وتيسلا وبوينج، في محاولة لتعزيز الموقف التفاوضي الصعب لواشنطن قبل الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في شهر نوفمبر القادم التي تحدد مصير إدارته

​حرب الرسوم الجمركية والملفات الاقتصادية

​من المتوقع بقوة أن تهيمن القضايا الاقتصادية الشائكة وحرب الرسوم الجمركية على جدول أعمال المباحثات الثنائية بين ترامب وشي جين بينج، خاصة في ظل التداعيات السلبية الكبيرة للحرب التجارية التي شهدت تصعيداً مستمراً وخطيراً خلال ولاية ترامب الثانية تحت شعار أمريكا أولاً، مما أثر بشكل ملحوظ وواضح على سلاسل التوريد العالمية، وأدى إلى تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي المرجوة في كلا البلدين بشكل مقلق

​ينتظر أن يناقش الجانبان سبل تمديد الهدنة التجارية الحالية واحتواء التصعيد المتبادل بعد أن فرضت واشنطن رسوماً جمركية مرتفعة وقاسية على الواردات الصينية، قابلتها بكين بإجراءات انتقامية مماثلة وموجعة، حيث يسعى ترامب إلى تأسيس مجلس تجاري مشترك يضم مسؤولين رفيعي المستوى من كلا البلدين، لضمان التزام بكين بتعهدات الشراء السابقة، وتجنب تكرار إخفاقات وتعثرات المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري السابق المبرم بينهما

​تشير التوقعات الاقتصادية إلى إمكانية الإعلان عن اتفاقيات تجارية محددة تشمل زيادة مشتريات الصين من الطائرات المدنية التي تنتجها شركة بوينج الأمريكية، بالإضافة إلى تعزيز واردات المنتجات الزراعية الأمريكية المتنوعة إلى السوق الصينية الضخمة، إلى جانب التفاهمات الإستراتيجية المرتبطة بتأمين توريدات المعادن الأرضية النادرة والنحاس، التي تعتبر عنصراً حاسماً لا غنى عنه في الصناعات التكنولوجية المتقدمة وصناعة السيارات الكهربائية حول العالم

​أزمة تايوان وتوازن القوى العسكري

​رغم الأهمية القصوى والبالغة للملفات الاقتصادية المشتركة، يبقى ملف أزمة جزيرة تايوان الأكثر حساسية وخطورة على طاولة المباحثات الثنائية، حيث تعتبر الصين الجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي جزءاً أصيلاً ولا يتجزأ من أراضيها السيادية، وتؤكد رفضها القاطع والحاسم لأي خطوة تدعم استقلالها بأي شكل، في حين تواصل الإدارة الأمريكية تقديم الدعم العسكري والتسليحي المباشر للقوات المسلحة في تايبيه بحجة حماية الديمقراطية وحرية الشعوب

​تسعى الصين بقوة وحزم لدفع واشنطن نحو اتخاذ مواقف أكثر وضوحاً وصرامة ضد أي مساع انفصالية لاستقلال تايوان، خاصة بعد إعلان الولايات المتحدة في أواخر العام الماضي عن حزمة مبيعات أسلحة متطورة جداً للجزيرة بقيمة تصل إلى أحد عشر مليار دولار، وهو ما أثار غضب القيادة الصينية، ودفعها للمطالبة الفورية بتعليق هذه الصفقات العسكرية كشرط أساسي وجوهري لنجاح القمة الحالية وتخفيف الاحتقان

​يرى محللون سياسيون وخبراء إستراتيجيون أن أي إشارات أمريكية تتساهل أو تتهاون مع المطالب الصينية بشأن قضية تايوان، ستكون محل تدقيق شديد وقلق بالغ من قبل حلفاء واشنطن في المنطقة، مع العلم اليقين أن هذا الملف الشائك يمثل بؤرة الاشتعال الأخطر على الإطلاق في العلاقات الثنائية، حيث قد يؤدي أي سوء تقدير إلى مواجهة عسكرية مباشرة لا تحمد عقباها، وتدمر التوازن العالمي الهش في القارة الآسيوية

​تداعيات حرب إيران وأزمات الشرق الأوسط

​من أبرز الملفات الإستراتيجية المعقدة التي ستشهد نقاشات مطولة ومعمقة بين الزعيمين، هي التطورات المتسارعة للحرب الدائرة في إيران وأزمات الشرق الأوسط المتفاقمة، حيث تسعى واشنطن جاهدة للضغط على الصين لاستخدام نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي الواسع والمؤثر مع طهران، من أجل تخفيف حدة التوتر العسكري القائم، ومنع تصعيد العمليات القتالية المدمرة التي تهدد أمن واستقرار إمدادات الطاقة العالمية وتضر بالاقتصاد العالمي المنهك بشدة

​تحتفظ الصين بعلاقات إستراتيجية وثيقة جداً مع إيران، وتعتبر من أكبر مستوردي النفط الإيراني في العالم، مما يمنحها أوراق ضغط قوية وفعالة يمكن استخدامها في المفاوضات، حيث ترفض بكين باستمرار محاولات الهيمنة الأمريكية، وتؤكد بثبات أن الحلول الدبلوماسية والتفاوضية السلمية هي السبيل الوحيد والأمثل لإنهاء الصراع، معربة عن قلقها الشديد من استمرار العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة تحت مظلة مشروع الاستقرار الإقليمي

​يخشى المراقبون الدوليون من أن يتحول ملف الشرق الأوسط المعقد إلى ساحة مساومة إضافية ومقايضة بين واشنطن وبكين، حيث تتزايد التكهنات بقوة بأن الإدارة الأمريكية قد تقدم تنازلات محدودة ومحسوبة في ملف تايوان، مقابل الحصول على ضمانات صينية مؤكدة بمنع تسليح طهران والمساعدة الفعالة في إبقاء مضيق هرمز الإستراتيجي مفتوحاً وآمناً أمام الملاحة الدولية، في ظل التباين الكبير في المواقف الإقليمية للأطراف المتصارعة

​صراع التكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي

​ستحظى قضية التنافس المتصاعد والشرس في مجالات التكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات باهتمام بالغ واستثنائي خلال القمة، في ظل القيود الصارمة والمشددة التي تفرضها الولايات المتحدة على تصدير التقنيات الحساسة إلى الأسواق الصينية، بهدف كبح جماح التطور العسكري والتقني السريع لبكين، وهو ما تعتبره الصين محاولة غير مشروعة وظالمة لعرقلة مسيرتها التنموية والاقتصادية الطموحة التي تهدف للهيمنة على الأسواق التقنية العالمية

​تعتبر الإدارة الأمريكية بحزم أن الحفاظ الدائم على التفوق التكنولوجي العالمي يمثل قضية أمن قومي بالدرجة الأولى لا يمكن التهاون فيها، بينما يسعى الجانب الصيني بجهد مضاعف لتسريع وتيرة الابتكار المحلي المتميز، وتحقيق الاكتفاء الذاتي الشامل، وتقليل الاعتماد نهائياً على التكنولوجيا الغربية، من خلال ضخ استثمارات مالية ضخمة في قطاعات البحث والتطوير لتجاوز العقوبات الأمريكية التي طالت العديد من الشركات التقنية الكبرى في بكين

​من المقرر أيضاً وبشكل رئيسي أن يتطرق الجانبان إلى مناقشة مستقبل خطوط الإمداد العالمية الحيوية، خاصة في قطاع صناعة الرقائق الإلكترونية الدقيقة، والبحث عن مساحات مشتركة وآمنة للتعاون في تقييم مخاطر برامج الذكاء الاصطناعي، ووضع ضوابط تنظيمية وأخلاقية صارمة تمنع خروج هذه التقنيات الخطيرة عن السيطرة البشرية، مع استمرار التنافس الشرس على الريادة العالمية في هذا القطاع الحيوي الذي يشكل عصب مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي بأكمله

​التوترات الجيوسياسية ودبلوماسية القمة

​تشمل المباحثات الثنائية المعمقة أيضاً عدداً من الملفات الجيوسياسية الشائكة والمزمنة، وفي مقدمتها البرنامج النووي المقلق لكوريا الشمالية والتوترات العسكرية المتزايدة في مياه بحر الصين الجنوبي، حيث تتهم بكين صراحة الولايات المتحدة بمحاولة تطويقها المستمر واحتواء صعودها الاستراتيجي عبر تعزيز تحالفاتها العسكرية والأمنية في المنطقة، في حين تؤكد واشنطن مراراً أن تحركاتها الإقليمية تهدف حصرياً لحماية حرية الملاحة الدولية، ودعم حلفائها الدائمين في القارة الآسيوية

​ورغم الخلافات العميقة والمتجذرة، أعدت الصين مراسم استقبال واسعة وفخمة جداً للرئيس الأمريكي والوفد المرافق له، تعيد إلى الأذهان سريعاً زيارته الأولى والتاريخية عام ألفين وسبعة عشر، عندما استقبل بحفاوة غير مسبوقة وتكريم كبير داخل أروقة المدينة المحرمة، وتم الإعلان حينها عن صفقات تجارية واستثمارية ضخمة، حيث ترغب القيادة الصينية بوضوح في إظهار مكانتها العالمية البارزة كقوة عظمى ند للولايات المتحدة، وقادرة على قيادة النظام العالمي الجديد

​يحاول ترامب بأسلوبه المعتاد استغلال علاقته الشخصية المعقدة والمتقلبة مع شي جين بينج لتحقيق اختراقات دبلوماسية سريعة وملموسة، رغم التدهور الكبير والخطير الذي شهدته العلاقات الثنائية خلال السنوات القليلة الماضية، بسبب تداعيات جائحة كورونا وأزمة المناطيد التجسسية وغيرها من الحوادث الأمنية التي زادت من انعدام الثقة المتبادلة بين الطرفين، وجعلت من الصعب جداً التوصل إلى اتفاقيات إستراتيجية طويلة الأمد، تكون قابلة للتنفيذ الفعلي على أرض الواقع

​نظرا لتعقيد المشهد الدولي الراهن يتوقع الخبراء والمحللون أن تقتصر مخرجات هذه الزيارة الهامة على تفاهمات تكتيكية محدودة جداً لتخفيف التوتر المؤقت وإدارة الأزمات العاجلة، بينما ستظل القضايا الإستراتيجية العميقة والخلافية مثل الصراع المحتدم على النفوذ العالمي، ومستقبل التحالفات الدولية الجديدة عالقة تماماً دون حلول جذرية مرضية للطرفين، مما يبقي العلاقات الثنائية بين البلدين في دائرة التنافس الحذر والقلق، والقابل للانفجار في أي لحظة وبدون سابق إنذار

​ختاماً تبرز هذه القمة التاريخية كأهم حدث دبلوماسي وسياسي في العام الحالي بلا منازع، حيث ستحدد نتائجها المباشرة مسار الاقتصاد العالمي المتأرجح، والتوازن الأمني الهش في قارة آسيا ومنطقة الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة، لتبقى أنظار العالم بأسره شاخصة بقلق نحو العاصمة الصينية، لمعرفة ما إذا كانت قيادتا البلدين العظيمين قادرتين فعلاً على تغليب لغة العقل والمصالح المشتركة، على خطابات التصعيد العنيف والمواجهة العسكرية المباشرة المدمرة للجميع

حاصل علي كلية الدراسات الإسلامية جامعه الازهر الشريف في القاهرة احب كتابة الأخبار والتريندات