

د. نبيل عزيز قاسم
المرض النباتي هو إنحراف فسلجي ومظهري يحصل في النبات يجعله مختلفاً عن الحالة الطبيعية المعتادة للنبات. ويحصل ذلك بسبب عوامل ممرضة حيوية وأخرى غير حيوية (بيئية) تؤدي الى ضعفه أو موته.
لكي نأخذ فكرة عن أهمية وخطورة أمراض النبات والتهديد الذي تسببه للأمن الغذائي العالمي ، فأمراض النبات مشتركة مع الحشرات والأعشاب الضارة تسبب خسارة تتراوح بين 31-42% في الانتاج الزراعي العالمي ، والخسائر أقل في الدول المتقدمة عنها في الدول النامية ، وحصة أمراض النبات منها بحدود 14%. فالخسارة هي ببلايين الدولارات سنويا.
التسلسل التاريخي لأمراض النبات
1. فترة ما قبل التاريخ
ظهرت الأمراض النباتية مع نشأة النباتات على الأرض منذ ملايين السنين وقبل ظهور الانسان ، وقد سجلت أعراض مرضية على نباتات متحجرة عثر عليها في حفريات يقدر عمرها بحوالي 200 مليون سنة. ولا تتوفر لدينا أية معلومات عن كيفية تعامل الانسان في تلك الأزمنة البعيدة مع أمراض النبات ولكن يتوقع أنها اثرت على سعيه في بحثه عن طعامه فقد كان مضطراً أن يتجنب الأوراق والفواكه المصابة لكونها غير مستساغة وغير مقبولة المنظر والبحث عن السليمة.
2. مرحلة الاستقرار الزراعي
دخل الانسان القديم بعد مرحلة الصيد والتجوال وجمع الفواكه ، مرحلة الاستقرار والزراعة ، فظهرت اولى المستوطنات الزراعية بشكل مزارع فردية صغيرة. حدث ذلك حسب الباحثين في مجال علم الآثار الزراعي archaeology of agriculture في حدود الـ12 ألف سنة الماضية. وظهرت أولى القرى الزراعية الاستيطانية في العصر الحجري الحديث وخاصة قرية تل حسُّونة جنوبي الموصل وقرية جَرمو ، حيث تم زراعة محاصيل الحبوب وخاصة الحنطة والشعير ، وتم تطوير نبات الحنطة من أصوله البرية في منطقة الهلال الخصيب، ولكن هناك راي آخر يقول ان تطوير القمح كان في جورجيا قبل 8 آلاف سنة .
3. التاريخ البشري الحديث (قبل الميلاد)
وإذا ما انتقلنا الى التاريخ البشري الحديث نسبيا فإن الإغريق والرومان والصينيون القدماء لاحظوا ووثقوا أعراض أمراض نباتية مهمة تصيب محاصيل حبوبهم أهمها أمراض الصدأ والتفحمات وتسبب خسائر كبيرة فيها ، فضلاً عن أمراض اللفحات والأعفان على محاصيل الخضر والفاكهة، ولكنهم لم يعرفوا حقيقة نشأتها وبقيت الفكرة السائدة أنها تعود لأسباب غيبية ونتيجة لتأثير حركة النجوم أو أنها تجسيد لغضب الآلهة التي كانوا يؤمنون بها وعدم رضاها بسبب تصرفات البشر.
واعتقد الإغريق بأن الإله أبولو وآلهة آخرين هي المسؤولة عن ذلك لذلك كانوا يقدمون القرابين ويقيمون الطقوس الدينية لإرضائها. ولكنهم بتفكيرهم العلمي المنطقي أضافوا أسباب واقعية الى جانب التفسيرات الغيبية منها أن الأمراض تحدث بتاثير التربة غير المناسبة أو عوامل جوية قاسية .
وجاء ذكر الأمراض النباتية في كتبهم ومنها ما ذكره الشاعر الاغريقي هوميروس (1000 ق.م.) والذي تنسب اليه الملحمتين الاغريقيتين الالياذة والأوديسا وفسر حدوثها بأنها من وسائل التهديد والوعيد الإلهي إزاء عصيان الانسان. ولكنه بالمقابل أشار الى الخواص العلاجية التي يمتلكها الكبريت في علاج بعض الأمراض النبالتية .
وكتب الفيلسوف اليوناني ديموقريطس (بحدود 470 ق.م.) عن أمراض النبات ونصح بمكافحة اللفحات برش النباتات بمخلفات الزيتون المتبقية بعد عصر الزيت.
وتحدث ثيوفراستوس (370-286 ق.م.) عن ظهور أوبئة نباتية وتأمل في أسبابها وكيفية علاجها ، وألف كتاباً سماه “بيئة النباتات” The nature of plants وضمنه فصلاً عن شكل وتشريح النباتات، وكتاباً آخر سماه “علة نمو الخضراوات” Reasons of vegetable Growth ً وتحدث عن التأثيرات غير الطبيعية المؤثرة على النباتات ومن ضمنها الأمراض.
وعانى الرومان في القرن الرابع ق.م. من مجاعات تسببت عن إصابات متكررة بأمراض الأصداء أصابت محاصيل حبوبهم ، مما جعلهم يخصصون إلهاً خاصاً سموه إله الصدأ “روبيجوس Robigus ” هو المسئول عن إصابة محاصيل الحبوب بمرض الصدأ ولهذا كانوا يقيمون احتفالات في أوائل الربيع من كل عام يبتهلون فيها الى إله الصدا ليحمي محاصيلهم من الإصابة بهذا المرض الخطير. كما خصص الرومان عطلة احتفالية لهذا الإله سموها “روبيجاليا” Robigalia يقام في 25 نيسان من كل عام حيث ينتشر المرض عادة في هذا الشهر ويتم خلال هذا الاحتفال التضحية بكلاب وثعالب وأبقار حمراء متوسلين بهذا الإله أن لا يرسل إليهم الصدأ ويدمر محاصيلهم.
4. العصور الوسطى وعصر النهضة الأوربية
استمرت في هذه العصور معاناة الناس من الجوع وسوء التغذية بسبب الأمراض التي كانت تدمر محاصيلهم ، واستمرت القناعة بأنها من غضب الرب وبذلك هيمنت مفاهيم الجبرية والايمان بالقضاء والقدر Fatalism والتفسيرات المستندة على الاستدلال الاستنباطي Deductive reasoning وهو اسلوب التفكير الذي ينتقل فيه الشخص من القواعد العامة أو المقدمات الكلية الى النتيجة الخاصة والمحددة. وغاب التفكير العلمي المستند على الملاحظة والتجريب ، ولم يتحقق إلا القليل من المشاهدات والملاحظات العلمية الواقعية عن مسببات الأمراض وطرق مكافحتها.
وعانى أولئك الرجال القليلون الذين آمنوا بالمنهج العلمي من تكذيب معاصريهم مما تسبب في اهمال آرائهم بالكامل من قبل الأجيال اللاحقة فقد توصل هؤلاء الى نتائج بنيت على مشاهدات دقيقة وتفسير علمي صحيح بعيداً عن الأساطير والتفسيرات اللاهوتية .
ثم بدأت ملامح علم الفطريات Mycology بالبزوغ وهو العلم الذي ساعد كثيراً في تطوير علم أمراض النبات الحديث الذي بزغ فجره في منتصف القرن التاسع عشر وهدم كل الغيبيات والنظريات القديمة البالية وخاصة نظرية التولد التلقائي وكان على رأس العلماء الذين حملوا راية النهضة العلمية الحديثة ، روبرت كوخ ولويس باستور ودي باري وآخرون.
5. الزراعة وأمراض النبات في عصر النهضة العربية الإسلامية
في الوقت الذي كانت فيه أوربا غارقة في جهلها في قرونها الوسطى أهتم الكثير من العلماء العرب والمسلمين بالنبات والزراعة ، فألفوا وترجموا العديد من الكتب في هذا المجال والتي ضمت معلومات قيمة عن النباتات وعلم الفلاحة (الزراعة) بطريقة علمية مستندة على المشاهدة والتجربة مبتعدين عن التفسيرات الغيبية باستثناء بعض ما ورد في كتاب الفلاحة النبطية لإبن وحشية الذي عزى عدد من التأثيرات الضارة على النباتات الى النجوم. وقد بدأ الاهتمام العربي العربي الاسلامي بالفلاحة في إطار الكتابة عن النبات واللغة وكانت البداية مع كتب علماء اللغة والأدب التي أفردت جانباً كبيراً منها لشرح معاني اسماء النباتات .
(أ). علماء اللغة والأدب العرب الذين كتبوا في الزراعة والنبات
1. الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت170هـ/786م) عالم لغة ونحو ، ضم معجمه “العين” جملة واسعة من أسماء النباتات.
2. جابر بن حيان الكوفي (ت 200 هـ/ 815) كيميائي ، له كتاب النبات.
3. النضر بن شميل المازني البصري (ت 203 هت/ 819 م) عالم لغوي له كتاب “الصفات ” في جزئه الخامس فصول عن الزرع والكروم واسماء البقول والأشجار والأمطار والرياح والأنواء.
4. أبو عمرو الشيباني (إسحاق بن مرّار) (ت 206 هـ/821م) عالم لغة له كتاب “النخلة”.
5. أبو عبيدة ، معمر المثنى التيمي البصري (ت 209 هـ/ 824م) عالم لغة له كتاب له كتاب “الزرع”.
6. أبو زيد الأنصاري ، سعيد بن أوس البصري (ت 215 هـ/ 830 م) عالم لغة له كتابي “المياه و المطر” و “الشجر والكلأ”.
7. الأصمعي ، أبو سعيد عبد الملك بن قريب البصري المتوفى 216 هـ/ 831 معالم لغة ، من كتبه ” مياه العرب” و “الأنواء” و “النخل والكرم” و “النبات والشجر” .
8. هشام بن ابراهيم الكرنبائي الأنصاري الكوفي (من القرن 3 هـ/9م) عالم لغة وهو تلميذ الأصمعي له كتاب “النبات”.
(ب). علماء النبات العرب الذين وضعوا كتب الزراعة النبات التخصصية
ثم جاءت كتب الفلاحة التخصصية وأهمها:
1. كتاب النبات والشجر (ستة مجلدات) لأبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري المتوفى 282 هـ
2. كتاب الفلاحة النبطية لإبن وحشية (القرن 4 هـ/10م).
3. كتاب الأزمنة أو الأنواء، لعريب بن سعد ( ت 370هـ – 980م )، الذى أهداه إلى الحكم المستنصر، وهذا التقويم الفلاحى القرطبى يقدم صورة حية عن النشاطات اليومية للمزارعين فى المجتمع القروى الأندلسى فى القرن الرابع الهجرى / العاشر الميلادى .
4. كتاب زهرة البستان ونزهة الأذهان للغرناطي، الذى يلقب الحاج الغرناطي وهو من علماء الفلاحة الأندلسيين فى القرن الخامس الهجري.
5. أنباط المياه الخفية لأبي بكر الكرخي (القرن 5 هـ)
6. كتاب الفلاحة لابن وافد (997م) يعتبر ابن وافد الطليطلى من مشاهير علماء الفلاحة الأندلسية خلال القرن الخامس الهجرى / العاشر الميلادى حيث مارس الفلاحة عمليا فكان يشرف على جنة (بستان) المأمون بن ذى النون أمير طليطلة فى عصر الطوائف وتولى غرسها و أجرى فيها تجاربه الزراعية
7. كتاب الفلاحة لإبن بصال الطليطلي (1075م)
8. كتاب “الجامع لمفردات الأدوية والأغذية” والذي يعرف أيضا باسم “مفردات ابن البيطار” وهو من أنفس الكتب النباتية الموسوعية لإبن البيطار: ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد ، (1197-1248) يعتبر ابن البيطار أعظم عالم نباتي ظهر في القرون الوسطى حيث ساهم إسهامات عظيمة في مجالي الصيدلة والطب وتتلمذ على يد ابن الرومية . تحدث في كتابه عن إعداد وتركيب الدواء والغذاء وذكر 1400 نوعاً من النباتات الموجودة في الأندلس والمغرب الكبير وبلاد الشام والتي يمكن استخدامها لأغراض طبية علاجية.
9. كتاب “الفلاحة الأندلَسية” لابن العوام ، يحي بن محمد بن العوام الأشبيلي (ت 580 هـ/1184م) .
10 . كتاب “الملاحة في علم الفلاحة”. عبدالغني بن اسماعيل النابلسي عبد الغني النابلسي المولود عام 1641
(جرت مناقشة هذا الموضوع ضمن إطار جلسات حوارية عقدت في منزل الدكتور جزيل الجومرد في الموصل).

