قبل 13 عاما كانت مهمة فريق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الذي زار سوريا، هي تقديم إجابة قاطعة على سؤال: هل استخدمت الأسلحة الكيميائية في استهداف الغوطة أغسطس/آب عام 2013 أم لا.
وتوصل فريق المنظمة حينها في تقرير صادر في سبتمبر/أيلول 2013، إلى أن غاز السارين استخدم في الهجوم، حيث تم تحميل هذا المكون الكيميائي على صواريخ أرض-أرض.
لكن تقريرا أخيرا للمنظمة صدر الشهر الماضي ركز على مسؤولية نظام بشار الأسد عن استخدام هذا الغاز، وذلك بعد أن عثر مفتشو المنظمة خلال زيارة قاموا بها إلى سوريا خلال مايو/أيار الماضي على مخزون كبير من الأسلحة الكيميائية، يشمل صواريخ من الطراز نفسه الذي استخدم في الهجوم على الغوطة بغاز السارين عام 2013.

بقايا السارين
وتحتوي صواريخ السارين على رأس حربي يحتوي على هذا المكون الكيميائي في صورة سائلة، ومحرك الصاروخ الذي ينقل الرأس الحربي إلى الهدف، وشحنة تفجير صغيرة لا تهدف إلى إحداث دمار كبير، بل إلى تمزيق جسم الصاروخ ونشر السارين على مساحة واسعة في صورة رذاذ أو بخار.
وفي الزيارة الأولى، جمع الفريق البحثي عشرات العينات من التربة، وبقايا الصواريخ والرؤوس الحربية، والجدران والأسطح الملوثة، إلى جانب عينات طبية من دم وبول وشعر وأنسجة عدد من المصابين، ثم تم تحليلها باستخدام تقنيات متقدمة، أبرزها الكروماتوغرافيا الغازية المقترنة بمطياف الكتلة، وهي التقنية المرجعية عالميا للكشف عن عوامل الحرب الكيميائية.
ويقول الدكتور محمد سلامة، الأستاذ بمعهد الصحة العالمية والبيئة البشرية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة للجزيرة نت: “غاز السارين يتحلل سريعا، لكنه يترك تأثيراً فورياً على الإنسان والبيئة فور التعرض له، لذلك فإنه للتقصي عن استخدامه في مكان ما، لا يتم البحث عن المادة الأصلية، بل عن نواتج تحللها وبصماتها الكيميائية التي تبقى في التربة أو ترتبط ببروتينات الدم، وهو ما يوفر دليلا علميا قويا على التعرض له حتى بعد مرور أيام من الهجوم”.
وأحد نواتج التحلل الرئيسية لغاز السارين، هو “حمض إيزوبروبيل ميثيل فوسفونيك”، وهو المركب الكيميائي الذي يتكون في الماء والتربة عند تحلل غاز السارين ويُعد بمثابة “البصمة الكيميائية” التي تكشف استخدامه.
وطبيا، عند دخول السارين إلى الجسم، لا يبقى حرا لفترة طويلة، بل يرتبط ببعض البروتينات، مثل “إنزيمات أسيتيل كولين إستيراز” و”إنزيم بوتيريل كولين إستيراز”، وبروتين “الألبومين” في بلازما الدم، ويعد الكشف عن هذه الارتباطات من أقوى الأدلة على تعرض شخص للسارين، لأنها قد تبقى قابلة للكشف لفترة أطول من السارين نفسه.
ولم تكن هناك صعوبة خلال الزيارة الأولى لفريق المنظمة في جمع عشرات الأدلة على استخدام غاز السارين باستخدام هذه الأدوات، وكانت الزيارة الثانية بعد رحيل نظام الأسد مفيدة في العثور على السارين في صورته السائلة محملا على رؤوس صواريخ من نفس نوع البقايا التي عثر عليها المفتشون في زيارتهم الأولى.
الآثار الصحية.. شاهد على الجريمة
وإذا كان المفتشون قد عثروا على أدلة مادية دامغة على إدانة نظام الأسد، فإن صحة السوريين التي تضررت بهذا الغاز، هي أكبر شاهد على تلك الجريمة.
ولا تبقى بصمة السارين الكيميائية طويلا في جسم الإنسان، لكنه يترك عند التعرض له آثارا صحية قد تصبح دائمة.
ويقول محمد إن الآثار تشمل اضطرابات الذاكرة والتركيز، والتلف العصبي، والمشكلات النفسية، واضطرابات الرؤية، والإرهاق المزمن.
وبحسب دراسة نشرت في دورية “فود آند كيميكال توكسيكولوجي” (Food and Chemical Toxicology)، ظهر أن السارين، المعروف كيميائيا باسم “أو-إيزوبروبيل ميثيل فوسفونوفلوريدات” يعد من أشد مثبطات إنزيم “أسيتيل كولين إستيراز”، وهو المسؤول عن تنظيم انتقال الإشارات العصبية بين الأعصاب والعضلات، ويؤدي تعطيله إلى تراكم مادة “الأستيل كولين” في الجسم، ما يسبب نشاطا عصبيا مفرطا، قد ينتهي بتشنجات حادة وفشل في الجهاز التنفسي.
ووفقا للدراسة، فإن الوفاة الناجمة عن التعرض للسارين تحدث غالبا نتيجة نقص الأكسجين، بعد انسداد مجرى الهواء وضعف عضلات التنفس وحدوث تشنجات عنيفة تؤدي في النهاية إلى فشل تنفسي.
وتشمل أبرز أعراض التسمم الحاد بالسارين نوبات الصرع، والارتعاشات العضلية، وانخفاض درجة حرارة الجسم، وهي أعراض تتطلب تدخلا طبياعاجلا لتجنب الوفاة.
أثر مستمر
وأشارت الدراسة إلى أن الهجمات التي استُخدم فيها السارين في اليابان خلال أعوام 1994 و1995 و1998 بواسطة جماعة متطرفة تدعى أوم شينريكيو، أسفرت عن مقتل وإصابة عدد كبير من الأشخاص، كما أثارت مخاوف بشأن الآثار الصحية طويلة الأمد لدى الأشخاص الذين تعرضوا لكميات منخفضة من هذا الغاز.
وكشفت متابعات طبية للناجين من الهجمات أن عدداً منهم ظل يعاني من أعراض مستمرة حتى بعد مرور ما بين عام وثلاثة أعوام على التعرض، شملت الإرهاق المزمن، والضعف العام، وتيبس الكتفين، وتشوش الرؤية، وهو ما يشير إلى أن تأثير السارين قد يمتد إلى ما بعد مرحلة التسمم الحاد.
وعلى ذلك، فإن جريمة استخدام السارين في هجوم الغوطة خلال أغسطس/آب 2013 لا تسقط بالتقادم، فآثارها الصحية ما زالت تلاحق كثيراً من الناجين، بينما تواصل التحقيقات الدولية كشف مزيد من الأدلة المرتبطة ببرنامج الأسلحة الكيميائية السوري.
ومع الاكتشافات الأخيرة التي أعلنتها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، تتعزز القرائن العلمية والفنية التي تُسهم في توثيق الجريمة ومساءلة المسؤولين عنها.


تعليقات