
دمشق – «القدس العربي»: أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، على دعم سوريا «مستقرة وموحدة، تُصان فيها حقوق جميع المكونات القومية والدينية»، وذلك بعد مباحثات مع الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق، شملت العلاقات الثنائية، وآفاق التعاون المشترك، وآخر مستجدات الأوضاع في المنطقة.
وتأتي الزيارة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واحتمال اتساع رقعة الصراعات في الشرق الأوسط، الأمر الذي يمنحها أبعادا سياسية وأمنية تجاوزت إطار العلاقات الثنائية، حسب ما قال ممثل الإدارة الذاتية لمناطق شمال شرق سوريا في دمشق عمر عبد الكريم في تصريح لـ«القدس العربي».
تحييد الحدود
كما تأتي الزيارة «في ظل الحاجة إلى تحييد الحدود المشتركة عن صراعات الفصائل المسلحة، وترسيخ التعاون بين الدولتين وبما يعزز سلطة الدولة ويحد من التدخلات غير الرسمية»، حسب ما أكد السياسي عبيدة نحاس في تصريح لـ«القدس العربي».
ووصل بارزاني جوا إلى دمشق التي استقبلته بحفاوة في مطارها وفي قصر الشعب، وهي الزيارة الأولى من نوعها منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، وأتت تلبية لدعوة رسمية من الشرع، حسب بيان صادر عن رئاسة إقليم كردستان. أما الرئاسة السورية فنشرت، عبر صفحتها الرسمية على «إكس» صورا عن استقبال الشرع لبارزاني والوفد المرافق له، وقالت إن اللقاء في قصر الشعب جرى في حضور وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني.
ووفق البيان الرسمي، تم خلال اللقاء بحث العلاقات بين الجانبين وسبل تعزيز التعاون والتنسيق، ولا سيما في المجال الاقتصادي، إلى جانب مناقشة مستجدات الأوضاع في المنطقة، وعدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار وتعزيز التعاون الإقليمي.
وأكد بارزاني، عبر صفحته الرسمية على منصة «إكس» أنه مسرور لزيارته دمشق تلبية لدعوة تلقاها من الشرع، مشيرا إلى أنه و«بعد سنوات عديدة من المصاعب، باتت سوريا تمتلك الآن فرصة تاريخية للتعافي وإعادة الإعمار والازدهار». وقال إنه أعرب خلال اللقاء عن ثقته وإيمانه بأن يرى سوريا، تحت قيادة الشرع، قادرة على التقدم نحو استقرار أكبر وازدهار ومستقبل أكثر إشراقا لشعبها.
وتابع: أكدت على دعمنا لسوريا مستقرة وموحدة، حيث تُحمى حقوق جميع المجتمعات العرقية والدينية، كما ناقشنا أهمية أن تلعب سوريا دورا بناءً في تعزيز السلام والأمن الإقليميين.
وذكر بارزاني أن سوريا والعراق وإقليم كردستان تشترك في العديد من المصالح المشتركة، وهناك إمكانيات كبيرة لتوسيع التعاون الاقتصادي لصالح جميع شعوبنا.
واللقاء الذي جمع الشرع ببارزاني في دمشق، هو الثالث بينهما، حيث اجتمعا أول مرة في نيسان/ إبريل 2025 على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي، وعقدا الاجتماع الثاني في نيسان/ ابريل 2026 خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي أيضاً، وأشاد بارزاني حينها بـ «جهود الرئيس الشرع المستمرة لتحقيق الاستقرار في سوريا، وبالتقدم المُحرز في تنفيذ الاتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية – قسد».
واعتبر السياسي السوري عبيدة نحاس، أن زيارة رئيس إقليم كردستان العراق إلى دمشق تتجاوز بعدها البروتوكولي، فهي تعكس تقدماً في بناء شبكة علاقات جديدة بين سوريا والعراق، كما تؤكد أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه الإقليم في تقريب وجهات النظر بشأن الملف الكردي السوري، مؤكدا أن دور كردستان العراق الذي بدأ قبل أشهر، يبدو أنه لا يزال مستمراً، ونجاح هذا المسار سيكون مصلحة لجميع الأطراف، لأنه يفتح الباب أمام معالجة أحد أكثر الملفات تعقيداً ضمن إطار الدولة السورية ووحدتها.
أول زيارة له لدمشق منذ سقوط الأسد… وملف اندماج « قسد» حضر على الطاولة
ووصل بارزاني دمشق على وقع أنباء تحدثت في الأيام الماضية عن رصد دمشق لتحركات لفصائل عراقية بالقرب من الحدود السورية، على خلفية استمرار التوتر في منطقة الخليج والتهديدات الأمريكية المتواصلة بقصف منشآت حيوية إيرانية، مع رد طهران باستهدافها بالمقابل جميع المصالح الأمريكية في المنطقة.
وقال نحاس إن زيارة بارزاني إلى دمشق حملت رسائل تتصل بالملف العراقي، إذ إن إقليم كردستان ليس طرفاً هامشياً في المعادلة العراقية، بل أحد ركائزها، وأي تقارب بين أربيل ودمشق ينعكس بطبيعة الحال على العلاقات السورية العراقية، ولا سيما في الملفات الأمنية وإدارة الحدود، كما جاءت الزيارة في ظل الحاجة إلى تحييد الحدود المشتركة عن صراعات الفصائل المسلحة، وترسيخ التعاون بين الدولتين بما يعزز سلطة الدولة ويحد من التدخلات غير الرسمية.
وتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة توسعاً في التعاون الاقتصادي، ولا سيما في مجالات الطاقة والنقل والتجارة، من خلال إقليم كردستان العراق، وليس بغداد فقط، مشيرا إلى أنه كلما تعاظمت المصالح الاقتصادية المشتركة، أصبحت العودة إلى التوتر أكثر كلفة على الجميع، وهذا ينسجم مع توجه سوريا الجديدة نحو بناء علاقات تقوم على التكامل الاقتصادي والشراكات الإقليمية، لا على سياسة المحاور أو التدخل في شؤون الآخرين.
واتفق ممثل الإدارة الذاتية لمناطق شمال شرق سوريا في دمشق عمر عبد الكريم، مع ما ذهب إليه نحاس تجاه أهمية الزيارة وسط التوترات التي تخيم على المنطقة، وقال لـ«القدس العربي» إن زيارة بارزاني إلى دمشق لها أهمية استثنائية، كونها الأولى منذ التحولات السياسية التي شهدتها سوريا وسقوط نظام حزب البعث وعائلة الأسد.
وأضاف: أتت في توقيت بالغ الحساسية، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واحتمال اتساع رقعة الصراعات في الشرق الأوسط، الأمر الذي يمنحها أبعادا سياسية وأمنية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية.
وذكر أن محادثات بارزاني في دمشق شهدت نقاشا واسعا حول عدد من الملفات المشتركة، في مقدمتها آفاق تطوير العلاقات بين أربيل وبغداد ودمشق، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار ويفتح المجال أمام تعاون أوسع في مختلف المجالات، كما كان التنسيق الأمني أحد أبرز محاور اللقاءات، خاصة فيما يتعلق بضبط الحدود، ومواجهة التحديات الأمنية المشتركة، والتعامل مع التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
وأكد أن الملف الاقتصادي حضر بقوة في جدول الأعمال، ولا سيما ما يتعلق بمستقبل معبر سيمالكا- فيشخابور الحدودي، وآليات تنشيط الحركة التجارية وتسهيل تنقل الأفراد والبضائع، إضافة إلى ملف اللاجئين السوريين المقيمين في إقليم كردستان العراق، حيث يشكل الكرد السوريون النسبة الأكبر منهم، مع بحث السبل الكفيلة بتهيئة الظروف المناسبة لعودتهم الطوعية والآمنة إلى مناطقهم.
تنفيذ اتفاق الدمج
وبيّن عبد الكريم أن الاتفاق الموقع في 29 كانون الثاني/ يناير الماضي بين الرئيس الشرع وقائد «قوات سوريا الديمقراطية – قسد» الجنرال مظلوم عبدي، حظي باهتمام خاص خلال اللقاءات، باعتباره أحد أهم المسارات السياسية الهادفة إلى ترسيخ الاستقرار في شمال وشرق سوريا، وهو الاتفاق الذي جاء نتيجة جهود دبلوماسية وسياسية شارك فيها إقليم كردستان العراق إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا، بهدف تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف.
وتابع المسؤول الكردي أنه ورغم ما تحقق من تقدم في مسار دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية، فإن العملية لا تزال تواجه تحديات تتطلب المزيد من الحوار والتوافق، ومن أبرز هذه الملفات آليات دمج مختلف التشكيلات العسكرية، بما فيها وحدات حماية المرأة، إلى جانب قضايا التعليم باللغة الكردية، ومستقبل جامعتي «روج آفا» و«كوباني»، فضلاً عن ملف عودة المهجرين إلى مناطقهم الأصلية، ولا سيما في رأس العين وتل أبيض والرقة، بالإضافة إلى عدد من القضايا الخدمية والإدارية والإنسانية.
تجاوز العقبات
وتوقع أن تسهم زيارة بارزاني إلى دمشق في إعطاء دفعة جديدة لمسار الحوار، والمساعدة في تضييق فجوة الخلافات، وتجاوز بعض العقبات التي لا تزال تعترض تنفيذ الاتفاق، بما يعزز فرص الوصول إلى حلول توافقية قابلة للاستمرار، مشيرا إلى ضرورة تثبيت الحقوق السياسية والثقافية واللغوية للشعب الكردي ضمن الدستور السوري المرتقب، وبما ينسجم مع مبادئ المواطنة المتساوية، والعدالة، والشراكة الوطنية، ويحافظ في الوقت ذاته على وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها.
وختم بالقول إن ما ستسفر عنه الزيارة عن تفاهمات عملية وخطوات تنفيذية، قد تمثل محطة مهمة في دعم الاستقرار، وتعزيز الحوار بين مختلف القوى والمكونات السورية، إلى جانب فتح آفاق جديدة للعلاقات بين دمشق وأربيل وبغداد، بما ينعكس إيجابا على أمن المنطقة ومستقبلها.

