انكسار «مشروع الحرية».. لماذا فشلت واشنطن في ترويض أمواج مضيق هرمز؟

انكسار «مشروع الحرية».. لماذا فشلت واشنطن في ترويض أمواج مضيق هرمز؟

تتجلى اليوم ملامح أزمة جيوسياسية معقدة تعصف باستقرار الممرات المائية العالمية مع اعتراف الإدارة الأمريكية بضعف تأثيرها الفعلي على واقع الملاحة في مضيق هرمز الحيوي. 

إن هذا العجز الاستراتيجي برز بوضوح عقب قرار الرئيس دونالد ترامب المفاجئ بتعليق ما عرف بعملية مشروع الحرية التي كان يعول عليها لتأمين الناقلات، فيما تعكس هذه الخطوة تراجعاً كبيراً في القدرة على فرض الإرادة السياسية والعسكرية وسط تصاعد التوترات التي تجتاح المنطقة منذ فبراير الماضي.

حسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية فإن استمرار العمليات العسكرية لم يكن ليغير من الواقع المأساوي لقطاع الشحن الذي يخشى المرور عبر مضيق هرمز في ظل الحرب القائمة.

وترى الجريدة أن فرص إعادة حجم الملاحة إلى مستويات ما قبل النزاع تبدو شبه مستحيلة في المدى المنظور نظراً لفقدان الثقة التام بين شركات الملاحة الكبرى. إن المشهد الحالي يؤكد أن القوة النارية المتفوقة لا تكفي وحدها لضمان تدفق النفط العالمي عبر الممرات الضيقة.

لقد كانت عملية مشروع الحرية منذ انطلاقها محفوفة بالمخاطر الجسيمة التي هددت سلامة الأفراد الأمريكيين والسفن التجارية والناقلات النفطية التي تحاول عبور هذا الممر.

 ويصر الكثير من ملاك السفن على رفض المغامرة والدخول إلى مياه مضيق هرمز دون الحصول على ضمانات أمنية قطعية وتأكيدات واضحة بأنهم لن يتعرضوا لأي هجمات انتقامية. هذه المخاوف المشروعة جعلت من الوجود العسكري الأمريكي مجرد استعراض للقوة لا يقدم حلولاً فعلية للأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

انهيار حركة الملاحة في قلب مضيق هرمز

تشير القراءات التحليلية للموقف الميداني إلى أن أي نتائج إيجابية للعملية الأمريكية كانت ستظهر ببطء شديد لا يتماشى مع وتيرة الانهيار الاقتصادي العالمي الحالي. وحتى في حال نجاح تأمين بعض السفن فإن الأرقام المسجلة لعدد الناقلات التي تعبر مضيق هرمز لا تزال ضئيلة جداً ولا تقارن بالمعدلات الطبيعية. إن الفجوة الكبيرة بين حجم الإمدادات المطلوب وتلك المتوفرة حالياً تسببت في صدمة نفطية هي الأكبر في التاريخ الحديث للإنسانية.

سجلت مواقع تتبع السفن العالمية عبور ست سفن تجارية فقط عبر مياه مضيق هرمز خلال اليوم الأول من انطلاق العملية الأمريكية وهو رقم يعكس الشلل التام. وزاد المشهد تعقيداً عندما عبرت سفينة واحدة فقط مساء الثلاثاء الماضي مما يؤكد فشل المساعي الدولية في كسر الحصار غير المعلن على الممر. هذه البيانات الرقمية توضح بجلاء أنه لا يوجد حل سحري أو سريع لإنهاء حالة الغلق التي تسببت في تحليق أسعار الخام.

تؤكد المحللة المتخصصة في شركة كيبلر نافن داس أن الجهود الأمريكية لم تنجح في تغيير أي شيء على أرض الواقع الميداني المشتعل في المنطقة. وترى داس أنه لا توجد رغبة حقيقية لدى قطاع الشحن العالمي للعودة للمغامرة في مضيق هرمز في ظل غياب الاستقرار الأمني الشامل.

 إن الشركات تفضل تحمل الخسائر الناتجة عن توقف العمل على تحمل مخاطر فقدان الناقلات العملاقة أو تعريض حياة طواقمها للخطر القاتل.

حسابات الردع والسيطرة الإيرانية على مضيق هرمز

تتجاوز المخاطر المحيطة بالملاحة مجرد إلحاق الضرر المادي بالأفراد لتصل إلى احتمالية التدمير الشامل للسفن والناقلات البحرية التي تبلغ قيمتها مئات الملايين من الدولارات. إن الخوف من الردود الانتقامية يسيطر على عقول صانعي القرار في شركات التأمين العالمية التي رفعت أقساطها لمستويات خيالية في منطقة مضيق هرمز الاستراتيجية. وإذا قرر أي قبطان المخاطرة فإن احتمالات تعرضه لهجوم مباشر تظل مرتفعة للغاية مما يجعل المهمة انتحارية بكل المقاييس العسكرية والمدنية.

رغم الخسائر العسكرية الفادحة التي تعرضت لها طهران خلال أربعين يوماً من الهجمات الجوية المكثفة إلا أنها لا تزال تحتفظ بأوراق قوة رابحة جداً. وتؤكد تقارير صحفية أن الجانب الإيراني لا يزال يملك القدرة الكافية للإضرار بخصومه عبر استغلال السيطرة الجغرافية المباشرة على مضيق هرمز وممراته الضيقة. إن الطبيعة التضغاريسية للمنطقة تمنح المدافع ميزة نسبية تجعل من الصعب على أي قوة بحرية تأمين المسارات التجارية بشكل كامل ومستدام.

يلفت بعض المحللين السياسيين النظر إلى لجوء الولايات المتحدة مؤخراً إلى نوع جديد من التصعيد يتمثل في فرض حصار بحري شامل على الموانئ. ويعكس هذا التحول مستوى جديداً من الصراع الذي تدور رحاه في عرض البحر حيث تتسابق واشنطن وطهران لفرض السيادة المطلقة على مضيق هرمز الحيوي. إن الانتقال من مرحلة المرافقة الأمنية للسفن إلى مرحلة الحصار البحري يشير إلى يأس أمريكي من إمكانية تأمين الملاحة بالطرق التقليدية.

تآكل الأدوات الدبلوماسية أمام أزمة مضيق هرمز

يقول المسؤول السابق في البحرية الأمريكية برايان كلارك إن الإدارة الحالية وصلت بالفعل إلى أعلى مستوى ممكن من التصعيد العسكري ضد القيادة الإيرانية والمنشآت. ومع ذلك لم يتراجع الطرف الآخر عن مواقفه المتشددة بشأن حرية الحركة في مضيق هرمز مما يضع واشنطن في مأزق استراتيجي وتكتيكي كبير. ويبدو أن الأدوات المتاحة لإجبار الخصوم على التراجع قد استنفدت بالكامل ولم يتبق سوى خيارات صعبة قد تؤدي لحرب شاملة.

يرى الباحثون في معهد هدسون أن الإدارة الأمريكية تدرك جيداً أنها لم تعد تملك الكثير من الأوراق للضغط على طهران في ملف الملاحة. إن الهدف الأساسي المتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة العالمية أصبح بعيد المنال في ظل الظروف السياسية والعسكرية الراهنة. 

ويشكل هذا العجز صدمة للحلفاء الذين كانوا يعتمدون على المظلة الأمنية الأمريكية لحماية مصالحهم الاقتصادية الحيوية وتدفقات الطاقة الضرورية لمصانعهم.

يؤكد ماثيو سافيل مدير العلوم العسكرية في المعهد الملكي أن السيطرة على الممرات المائية ليست مجرد مسألة قوة عسكرية غاشمة أو تفوق تقني. إن القضية في جوهرها تتعلق باستعادة الثقة المفقودة لدى الأسواق العالمية وشركات التأمين التي تدير حركة الملاحة المدنية في مضيق هرمز بفاعلية. وبدون توفر هذه الثقة ستظل السفن راسية في الموانئ البعيدة مهما كان حجم الأساطيل الحربية المنتشرة في مياه الخليج وبحر العرب.

البحث عن ضمانات مستحيلة في مضيق هرمز

لا يزال التساؤل قائماً لدى صناعة الشحن حول ماهية الضمانات الحقيقية التي يمكن أن تقدمها الجهود الأمريكية لتأمين العبور بسلام داخل مياه مضيق هرمز المتوترة. ويتحدث مسؤولون أميركيون عن دراسة خطط بديلة وجديدة للتأمين بالتعاون مع كبار الفاعلين في قطاع النقل البحري العالمي لمحاولة طمأنة الأسواق. لكن هذه الوعود الورقية لا تبدو كافية لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة التي تهدد الناقلات عند كل نقطة عبور حرجة.

في المحصلة النهائية تكشف أزمة مضيق هرمز عن معادلة معقدة للغاية تتجاوز بكثير كل الحسابات العسكرية والسياسية التقليدية التي اعتاد عليها العالم سابقاً. وتتداخل في هذا الملف الشائك اعتبارات الأمن القومي مع المصالح الاقتصادية الكبرى ومفاهيم الثقة الدولية في النظام العالمي القائم حالياً. وهذا التداخل يجعل من الصعب جداً على واشنطن تحقيق أي اختراق سريع أو فرض واقع ميداني جديد يخدم مصالحها في المدى القريب.

بينما يأمل رئيس وزراء باكستان في الوصول إلى اتفاق طويل الأمد بين واشنطن وطهران ينهي هذه المعاناة تظل الأنظار معلقة بما سيحدث غداً. إن استقرار الاقتصاد العالمي بات رهيناً بكلمة السر التي تفتح مغاليق مضيق هرمز وتسمح بمرور شريان الحياة للطاقة مرة أخرى إلى العالم الجائع. وحتى ذلك الحين سيبقى الترقب هو سيد الموقف في ظل تصعيد بحري يهدد بإحراق الأخضر واليابس في واحدة من أخطر مناطق العالم.

حاصل علي كلية الدراسات الإسلامية جامعه الازهر الشريف في القاهرة احب كتابة الأخبار والتريندات