دعامتان وركيزتان أساسيتان في استمرار وجود أي مجتمع كان وبقائه وتطوره، ومنه مجتمعنا المحلي الوطني والعربي الإسلامي، يمثلان اليوم عنوانا للتحدي والرهان الأكبر، في ظل التحولات العالمية والتغيرات التي تطرأ على مسار التنمية البشرية، على اعتبار أنهما لبنتان أساسيتان في بناء صرح المجتمع وتشييد قوامه على أساسات البقاء وتحمُّل الصدع وكل أشكال الصدامات والصدمات الزلزالية التي تتعرَّض لها هذه الدعائم خلال مسار التطور والتحول والنمو، لاسيما في ظل هندسة الوعي الحالي بناء على مرتكزات أقل ما يقال عنها أنّها مُجانِبة للهويات القومية والمحلية، ومتماشية مع موجة الصقيع الثقافي العالمي الحالي.
أكبر ما واجهته الجزائر ومعها باقي الدول التي تعرَّضت لكل أشكال الاحتلال والهيمنة وما يسمى “الحماية”، بداية القرن الـ20، مع نهاية الإمبراطورية العثمانية بوفاة “الرجل المريض” بعد صراع طويل مع مرض عضال، انتهى بتقاسم “غير الورثة” لميراث تاريخ طويل لتمدد حضاري إسلامي، أكبر ما واجهته الجزائر هو الصراع من أجل الحفاظ على الهوية المجتمعية للمجتمع دينا ولغة وتعليما وتقاليد شفهية.
اقرأ أيضا: لسه متخرّج | وفاة طبيب امتياز بأزمة قلبية مفاجئة ونقابة الأطباء تنعاه
بدأ الصراع لاحقا، إثر الغزو الاستعماري والاحتلال العسكري في شكل حرب معلنة على الهوية الاجتماعية للمجتمع ككل من خلال حرب على النظام الاجتماعي ونُظُمه ومؤسساته الشرعية والاجتماعية والثقافية والدينية. بدأ أولا بتحطيم القبيلة عبر تحطيم المِلكية الجماعية وغرس المِلكية الفردية التي لم يكن حضورها إلا قليلا، فيما كانت الملكية الجماعية من ملكية “العرش” و”الحبوس”، مع ملكية الدولة “البايلك” هي المسيطِرة والمهيمنة. كان هذا بالتزامن تقريبا مع حملة الإخضاع للمؤسسات الدينية والثقافية عبر هدم المناهج التربوية والنظم التعليمية وفرض إجبارية العلمانية والمدرسة اللائكية من خلال مشروع “جول فيري”، هذا في الوقت نفسه الذي كان مشروع دمج الأعراق والتبشير يجري ويسير كشلال يتعرض خلال المسير لصخور المقاومة الشعبية والرفض السكاني. حربٌ حقيقة مهَّدت لها القوة العسكرية منذ 1830م وبقيت مستمرة حتى بعد تطبيق نظام “الحالة المدنية” بداية من 1880 في مناطق الشمال وانتهاء بالعشرينيات من القرن الماضي في المناطق الجنوبية التي بقيت تحت مسمى “المناطق العسكرية”.
التحدي المدرسي كان أكبر رهان فرنسي بغية تحويل البلد إلى ملحقة فرنسية، ومقاطعة “لا يفصلها عن فرنسا إلا البحر، كما يفصل نهر السين باريس إلى اثنين”، كما أوردته الأدبيات الاستعمارية وقتها.
اقرأ أيضا: الأجهزة الأمنية ترفع جاهزيتها والفصائل تستجيب لدعوات التهدئة
كل المنظِّرين للحقبة الاستعمارية قاموا برسم معالم التعليم العلماني الإجباري على أنه النهج الأمثل لبناء الأيدلوجيا الفرنسية الحرة اللبرالية التي تنشر معالمها عبر عِلْمها وعَلَمها وعُلمائها، المشبَّعين بالروح “الفولتيرية” التي أنتجها قرن الأنوار. لكن قليل هم من فحصوا الأمر على أنه لم يكن أقلَّ من محاولة اجتثاثٍ ثقافي هوياتي ومحاولة لطمس معالم حضارة قرون من التشكُّل والتحوُّل والمقاومة.
لم يكن هذا فحسب من أدوات الهدم والتشتيت والتفتيت المجتمعي، فلقد عمدت المؤسسة الاستعمارية، على تناقضاتها وصراعاتها الشكلية، بين العسكريين والكولون، وبين اللبراليين واليسار الإنساني، وبين رجال الكنيسة والقادة العسكرية وبين “الصقور” و”الحمائم”، في كل المنظومات السياسية والعسكرية، عمدت إلى محاولة تفكيك البنية العرقية للمجتمع وضرب العنصر بالعنصر الآخر وإدخال الشقاق والفتنة بين مكوِّنات الشعب الواحد متعدد اللغات واللهجات والأعراق، ولعبت على وتر التفرقة من منطلق “فرِّق تسُد”، وهذا من خلال المنظومة المدرسية، ولكن أيضا من خلال العمل المجتمعي العائلي، والتشريعي، بل وحتى التدخل في الميراث والأسماء والقوانين الشرعية المسيِّرة للمجتمع و”الجماعة”.
رهانٌ لم ينته إلى اليوم رغم ما باء به من فشل هذا الرهان الاستعماري.
