الزعتر الجنوبي… تراثٌ تصونه الأرض وتُهدده الحرب

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لا يكتمل صباح كثير من اللبنانيين من دون منقوشة الزعتر، ولا تخلو معظم البيوت من “صحن الزعتر” الذي تحوّل مع مرور الزمن إلى جزء من الهوية الغذائية والتراث الشعبي.

اقرأ أيضا: المشهد الاقتصادي – أسعار الذهب تتجه لتحقيق أكبر مكاسب منذ يناير الماضي

لكن خلف هذا المزيج البسيط من الزعتر والسماق والسمسم، تختبئ حكايات مزارعين ورثوا هذه الزراعة عن آبائهم وأجدادهم، وجعلوا منها أكثر من مصدر رزق؛ إرثاً يربطهم بالأرض. وفي الجنوب تحديداً، يكتسب الزعتر مكانة خاصة، إذ ارتبط بالمونة اللبنانية وبحياة العائلات التي تناقلت زراعته جيلاً بعد جيل.

إحدى هذه الحكايات يرويها ابن بلدة الطيري الجنوبية، علي شعيتو (28 عاماً)، الذي يرى في الزعتر الجنوبي أكثر من محصول زراعي. ويقول لـ”النهار”: “الزعتر من تراث الجنوب، ومن تراث لبنان، وما في مونة لبنانية إلا ويكون الزعتر حاضراً فيها”.

الزعتر في جنوب لبنان يقاوم الحروب (النهار)

الزعتر… تراث يتوارثه الأبناء

ورغم أنه درس الإخراج وعمل في مجاله، قاده شغفه بالأرض إلى زراعة الزعتر، مستكملاً ما بدأه والده وأجداده من قبله. ويؤكد أن اختياره لهذه الزراعة لم يكن بدافع الربح فقط، بل انطلاقاً من قناعته بأنها جزء من هوية الجنوب وتراثه.

ويُعد الزعتر من النباتات العطرية المعمّرة التي تستطيع البقاء في الأرض سنوات عدة إذا توفرت لها العناية المناسبة. ويحتاج إلى تربة جيدة التصريف، وأشعة شمس مباشرة، وريّ معتدل، ما يجعله من الزراعات الملائمة للمناطق الجبلية والجنوبية في لبنان. كما يتميز بقدرته على التأقلم مع المناخ المتوسطي، وهو ما أسهم في انتشاره على نطاق واسع.

وتنتشر في لبنان أنواع عدة من الزعتر، أبرزها الزعتر العريض الأوراق، وهو الأكثر استخداماً في إعداد المونة والخلطة التقليدية، والزعتر رفيع الأوراق الذي يُستهلك غالباً طازجاً أو يدخل في السلطات. كما يميّز المزارعون بين الزعتر البري الذي ينمو طبيعياً في الجبال والأودية، والزعتر المزروع الذي يُنتج بكميات أكبر لتلبية حاجات الأسواق.

واختار شعيتو زراعة الزعتر العريض الأوراق، موضحاً أنه الأنسب للمونة اللبنانية. وبعد قطافه، تبدأ رحلة تحضيره، إذ يُنظف من الأعشاب، ثم يُجفف في الظل للحفاظ على لونه الأخضر ورائحته الزكية، قبل أن يُطحن ويُمزج بالسماق والسمسم ورشة من الملح، لتنتج الخلطة التقليدية التي ترافق الموائد اللبنانية، سواء في المناقيش أو إلى جانب زيت الزيتون. ويشير إلى أن هذه الخلطة تبقى الأساس في الجنوب، مع اختلافات بسيطة تضيفها بعض العائلات بحسب تقاليدها.

اقرأ أيضا: الزعتر الحلبي… نكهةٌ تتصدّر موائد الإفطار عالمياً وسرّها في التفاصيل

الزعتر في جنوب لبنان يقاوم الحروب (النهار)

الحرب تحرم علي من أرضه

بدأ شعيتو مشروعه في أيار 2023، ونجح في حصاد أول مواسمه رغم ظروف الحرب. إلا أن التصعيد اللاحق قلب المشهد؛ فقُصف منزله في بلدة الطيري، وتضررت الأرض الواقعة خلفه، قبل أن يُجبر على مغادرة بلدته التي لا تزال محتلة. ومع تعذّر عودته إلى أرضه، حُرم هذا العام من زراعة الزعتر، بعدما حالت الحرب بينه وبين الأرض التي ارتبط بها منذ طفولته.

ويشير إلى أن خسارته لم تقتصر على الابتعاد عن أرضه، بل شملت أيضاً توقف مشروع بدأه بشغف، وكان يطمح إلى تطويره عاماً بعد عام. فالزعتر بالنسبة إليه ليس مجرد نبتة تُزرع، بل ثمرة تعب يومي يبدأ من تحضير الأرض والعناية بالشتول، وصولاً إلى القطاف والتجفيف والطحن، وهي مراحل تحتاج إلى وقت وصبر للحفاظ على جودة المنتج.

وعد بالعودة إلى الزراعة

ولا يخفي تعلقه بهذه الزراعة، مؤكداً أنها بالنسبة إليه ليست مجرد مصدر دخل، بل إرث عائلي ومسؤولية تجاه ما تركه الأجداد. ويضيف: “ورثتها عن بيّي، وبيّي ورثها عن جدّي، ولازم نكمّل فيها… ومجرد ما أرجع على أرضي، رح أرجع أزرع زعتر من جديد”.

وبين رائحة الزعتر التي تختزن ذاكرة المكان، والأرض التي ينتظر العودة إليها، يتمسك شعيتو بحلمه في استكمال ما بدأه أجداده. فبالنسبة إليه، لا يُختصر الزعتر الجنوبي بنبتة تُستخدم في المونة، بل هو حكاية أرض وهوية، وتراث يرفض أن تنال منه الحرب، مهما طال الغياب.

اقرأ أيضا: هل يُعقَد لقاء بين القيادة السوريّة و”الحزب”؟

‫0 تعليق

اترك تعليقاً