تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

الحروب الأبدية الجديدة.. كيف تجد الولايات المتحدة نفسها عالقة في حروب حلفائها؟

Ahmed Shokre8 دقائق قراءة0 مشاهدة

 لندن ـ “القدس العربي”: قالت الكاتبة الأمريكية دافنا هـ. راند، في مقال بمجلة فورين أفيرز الأمريكية أن الحروب التي تنخرط فيها الولايات المتحدة، بصورة مباشرة أو عبر حلفائها، حقيقة ثابتة في تاريخ النزاعات: بدء الحرب أسهل بكثير من إنهائها. فمن بين نحو ثلاثمئة حرب شهدها العالم خلال العقود الثمانية الماضية، انتهت نسبة محدودة فقط بانتصار واضح لأحد الأطراف، فيما انتهى عدد أقل بتسويات تفاوضية، وبقيت غالبية الحروب من دون خاتمة رسمية حاسمة. وكلما طال أمد القتال، تراجعت فرص نجاح الوساطات، وتعقدت شروط التسوية، وترسخت المصالح السياسية والعسكرية المرتبطة باستمرار الحرب.

عرفت الولايات المتحدة هذه المعضلة في افغانستان والعراق، بعدما تحولت حملات بدت في بدايتها قابلة للحسم السريع ألى حروب استمرت سنوات طويلة، وكلفت واشنطن خسائر بشرية ومالية وسياسية هائلة. وبعد الانسحاب من أفغانستان وتراجع الحضور العسكري المباشر في العراق، حاولت الادارات الأمريكية تجنب الوقوع مجددا في ما سمي “الحروب التي لا تنتهي”، وذلك عبر تقليل نشر القوات البرية، والاعتماد بدلا من ذلك على القوة الجوية أو دعم الحلفاء بالسلاح والمعلومات الاستخباراتية والتدريب والغطاء الدبلوماسي.

بين عامي 2010 و2025، ارتفعت المساعدات الأمنية الأمريكية السنوية للحلفاء من نحو 15 مليار دولار إلى 46 مليار دولار، إلى جانب توسع كبير في مبيعات السلاح والتعاون الاستخباراتي.

غير أن الابتعاد عن القتال المباشر لم يحرر واشنطن من الحروب الطويلة، بل غير صورتها فقط. ففي كثير من الحالات، اصبحت الولايات المتحدة طرفا غير مباشر في حروب يخوضها حلفاؤها، من خلال تزويدهم بالسلاح والذخيرة والتكنولوجيا والمعلومات والدعم السياسي. وبين عامي 2010 و2025، ارتفعت المساعدات الأمنية الأمريكية السنوية للحلفاء من نحو 15 مليار دولار إلى 46 مليار دولار، إلى جانب توسع كبير في مبيعات السلاح والتعاون الاستخباراتي.

خلال السنوات الأخيرة، دعمت واشنطن التحالف الذي قادته السعودية في حرب اليمن، وساندت أوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي، ووفرت لإسرائيل دعما واسعا خلال حرب غزة بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023. وفي الحالات الثلاث، عزز الدعم الأمريكي قدرات الحلفاء العسكرية، لكنه لم يمنح واشنطن القدرة الكافية على التحكم في طريقة إدارة الحرب، أو تحديد توقيت نهايتها وشروطها.

وتؤكد الكاتب أن هنا تكمن المشكلة الرئيسية: قد يكون دعم الحليف منسجما مع المصلحة الأمريكية، لكن غياب استراتيجية مشتركة منذ بداية الحرب يجعل الولايات المتحدة عالقة لاحقا في صراع لا تملك مفاتيح انهائه. فعندما تقدم واشنطن السلاح والدعم السياسي بلا شروط واضحة، تتراجع قدرتها مع مرور الوقت على فرض تعديلات في الخطط العسكرية، او تقليل الخسائر بين المدنيين، أو دفع الحليف نحو التفاوض.

فخ النفوذ المتآكل

تتمتع الولايات المتحدة بأكبر قدر من النفوذ في الأسابيع والأشهر الأولى من الحرب. فعندما يتعرض حليف لهجوم، يشعر بالخوف والارتباك، ويصبح أكثر حاجة الى المساندة الأمريكية. في تلك اللحظة تستطيع واشنطن مطالبة الحليف بتحديد اهداف الحرب، ووضع تصور لليوم التالي، والاتفاق على حدود الدعم الاميركي وشروطه. لكنها غالبا لا تفعل ذلك.

يعود هذا التردد الى ضغط سياسي واخلاقي يدفع الولايات المتحدة الى اظهار دعم غير مشروط لحليف تعرض للهجوم. فقد بدا من الصعب على واشنطن مطالبة اوكرانيا بتقديم تنازلات استراتيجية بعد الغزو الروسي، او مناقشة اسرائيل في حدود عملياتها بعد هجمات السابع من اكتوبر. لكن تأجيل هذه المحادثات لا يلغيها، بل يجعلها أكثر صعوبة عندما تتباعد اهداف الطرفين وتتراجع قدرة واشنطن على التأثير.

في حالة اوكرانيا، كانت اهداف الولايات المتحدة تتمثل في بقاء الدولة الأوكرانية مستقلة وقابلة للحياة، والحفاظ على وحدة حلف شمال الاطلسي، وتجنب مواجهة مباشرة بين واشنطن وموسكو. لكن هذه الاهداف لم تكن متطابقة بالضرورة مع طموح كييف لاستعادة جميع اراضيها. ورغم ان ادارة الرئيس جو بايدن ربطت في مرحلة مبكرة بين مكاسب اوكرانيا العسكرية وتحسين موقعها التفاوضي، فإنها لم تضغط جديا لبدء مفاوضات، خصوصا في ظل تقدم الجيش الاوكراني واستمرار الدعم داخل الكونغرس.

وفي غزة، لم تطلب الولايات المتحدة من إسرائيل، في الأسابيع الأولى للحرب، وضع خطة واضحة لإدارة القطاع بعد اضعاف حماس، كما لم يتم الاتفاق على معنى “تدمير حماس” او على الجهة التي ستتولى الحكم والأمن. ومع مرور الوقت، اتسعت الفجوة بين هدف واشنطن المعلن في بناء ادارة فلسطينية لما بعد الحرب، وبين توجه الحكومة الاسرائيلية نحو استمرار العمليات العسكرية واعادة الاحتلال.

وتكرر الأمر في اليمن عام 2015، عندما أبلغت السعودية والإمارات إدارة باراك اوباما ان الحرب ضد الحوثيين ستنتهي خلال ستة أسابيع. لم تطالب واشنطن بخطة سياسية لمعالجة مطالب الحوثيين او تصور للتفاوض معهم، بل ركزت في السنوات الاولى على توسيع الدعم للتحالف. والنتيجة ان الحرب طالت، وازدادت قوة الحوثيين، وفشلت التسويات المتعاقبة في انتاج نهاية مستقرة للنزاع.

نافذة سياسية قصيرة

لا يتراجع النفوذ الأمريكي في الخارج فقط، بل يتآكل ايضا الدعم الداخلي لاستمرار المساندة. ففي بداية الحرب، يكون الرأي العام أكثر استعدادا للتضامن مع الحليف، لكن هذا التأييد ينخفض مع طول القتال وارتفاع التكاليف، ويتراجع بصورة أسرع عندما ينظر الاميركيون الى سلوك الحليف بوصفه غير عادل أو مخالفا للقانون.

في اليمن، انهار التأييد في الكونغرس للتحالف الذي تقوده السعودية خلال فترة قصيرة، بعد مقتل آلاف المدنيين وتدمير البنية التحتية في غارات نفذت بدعم لوجستي واستخباراتي اميركي. وبحلول عام 2019، اقر الكونغرس قرارا يطالب بوقف الدعم للحملة الجوية، لكن الرئيس دونالد ترامب استخدم حق النقض ضده.

وتقول الكاتبة إنه في حالة إسرائيل، بدأ التأييد الشعبي الأمريكي للحرب على غزة بمستوى مرتفع، ثم انخفض مع تزايد اعداد الضحايا المدنيين وتدمير المرافق وفرض القيود على المساعدات الانسانية. استطاعت ادارة بايدن في بعض اللحظات دفع اسرائيل إلى تخفيف بعض الاجراءات، مثل استئناف خدمات اساسية او زيادة ادخال المساعدات، لكنها لم تنجح في تغيير المسار العام للحرب او خفض الاضرار التي لحقت بالمدنيين على نحو مستدام.

في حالة إسرائيل، بدأ التأييد الشعبي الأمريكي للحرب على غزة بمستوى مرتفع، ثم انخفض مع تزايد اعداد الضحايا المدنيين وتدمير المرافق وفرض القيود على المساعدات الانسانية

اما دعم اوكرانيا، فلم يتأثر بمسائل تتعلق بسلوك جيشها بقدر ما تأثر بالإرهاق السياسي والمالي. فمع امتداد الحرب، بدأ بعض الجمهوريين يتساءلون عن حجم المساعدات، وظهر ما سمي “التعب من اوكرانيا”، ثم عززه ترامب بخطابه المنتقد لاستمرار التمويل. وكشفت المعركة الطويلة في الكونغرس بشأن حزمة المساعدات ان التأييد الداخلي لا يبقى ثابتا مهما كانت عدالة قضية الحليف.

لذلك، تمتلك الادارة الأمريكية نافذة قصيرة في بداية كل صراع، تستطيع خلالها وضع شروط الدعم، وتحديد الاهداف المشتركة، وتوضيح حدود التزامها. لكن إذا ضاعت هذه الفرصة، يصبح تمرير المساعدات أصعب، ويتعرض الرئيس لضغوط داخلية تدفعه الى تقليل دعمه العلني، فتتضرر علاقته بالحليف وتضعف قدرته على التأثير فيه.

حلفاء يملكون أجنداتهم الخاصة

وبحسب الكاتبة لا ينتظر الحلفاء التعليمات الأمريكية، بل يستخدمون نفوذهم السياسي والإعلامي داخل الولايات المتحدة لمقاومة الضغوط. وقد برع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في ذلك، مستفيدا من علاقاته بالكونغرس وحضوره في الإعلام الأمريكي. وفي عام 2024، هاجم ادارة بايدن علنا بسبب تأخير شحنة من القنابل الثقيلة، رغم أن التأخير كان محدودا ومبررا بمخاوف من استخدامها في مناطق مكتظة بالسكان.

وفعل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي شيئا مشابها، حين لجأ مباشرة الى الكونغرس وطالب بأسلحة محددة، وانتقد بطء البيت الابيض في تسليم منظومات متقدمة. وقد خشي بعض المسؤولين الاميركيين ان يؤدي الضغط على كييف الى تعزيز رواية تقول ان واشنطن لا تقدم دعما كافيا، فترددوا في دفعها نحو التفاوض او الاعتراض على خططها العسكرية.

هذا التردد حرم الولايات المتحدة من فرص مهمة. ففي اواخر عام 2023، عندما بدأت حزمة المساعدات لأوكرانيا تواجه عراقيل في الكونغرس، كان يمكن لبايدن ان يصارح زيلينسكي بحدود الدعم وضرورة استكشاف فرص التفاوض. وفي غزة، كان يمكن ارسال خبراء عسكريين وقانونيين منذ الاشهر الاولى لمناقشة قواعد الاشتباك، واختيار الاهداف والاسلحة، وتقليل الخسائر المدنية. وقد اثبتت تجارب لاحقة ان الضغط الفني والدبلوماسي المباشر قادر على تعديل بعض السلوك العسكري، لكن واشنطن لجأت اليه متأخرة.

خلل داخل الحكومة الأمريكية

لا يرتبط ضعف التأثير الأمريكي بالحلفاء وحدهم، بل ايضا بطريقة عمل مؤسسات الدولة. فالرئيس وكبار مستشاريه قد يضعون تصورا عاما لنهاية الحرب، لكن تنفيذ هذا التصور ينتقل الى مستويات بيروقراطية متعددة، تشمل وزارتي الدفاع والخارجية ومجلس الامن القومي والقيادات العسكرية. ومع طول الحرب، قد تتشتت الاهداف وتظهر رسائل متناقضة.

في أوكرانيا، ركزت مؤسسات عسكرية ودبلوماسية كثيرة على توفير ما تحتاجه كييف في ساحة المعركة، من دون أن يكون لدى واشنطن وجود كاف داخل البلاد يسمح لها بفهم الخطط العملياتية او التأثير فيها. ولم تبدأ مناقشة شروط انهاء الحرب والضمانات الامنية المحتملة لأوكرانيا بجدية الا بعد مرور وقت طويل.

وفي غزة، ابدى خبراء في القانون الانساني ومخططون عسكريون اعتراضات على سلوك اسرائيل، لكنهم لم يحصلوا دائما على فرصة الوصول الى دائرة القرار الضيقة. كما لم تستخدم ادارة بايدن بصورة حازمة قوانين اميركية تسمح بوقف المساعدات عن وحدات تنتهك حقوق الانسان او عن دول تعرقل وصول المساعدات الانسانية. وهكذا بقيت ادوات ضغط مهمة من دون استخدام.

كما تجنبت واشنطن في بعض المراحل الضغط المتزامن على اسرائيل وحماس. فقد فوضت حلفاءها العرب بمهمة الضغط على الحركة، وترددت في انتقاد الحكومة الاسرائيلية عندما رفضت مقترحات لوقف النار، خشية ان يؤدي ذلك الى تشدد حماس. لكن الضغط على الحليف لتحسين سلوكه والضغط على خصمه لإنهاء الحرب ليسا خيارين متناقضين، بل إنهما مهمتان يمكن تنفيذهما معا.

لا ينتظر الحلفاء التعليمات الأمريكية، بل يستخدمون نفوذهم السياسي والإعلامي داخل الولايات المتحدة لمقاومة الضغوط. وقد برع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في ذلك، مستفيدا من علاقاته بالكونغرس وحضوره في الإعلام الأمريكي

وتخلص الكاتبة إلى أن الولايات المتحدة ستظل، في المستقبل المنظور، منخرطة في صراعات حلفائها، لان هؤلاء سيواصلون الاعتماد على المعدات العسكرية والمعلومات الاستخباراتية والحماية السياسية التي لا تستطيع قوة اخرى توفيرها بالمستوى نفسه. لكن على واشنطن ان تغير طريقة تقديم هذا الدعم.

واعتبرت ان دعم الحلفاء من دون اهداف مشتركة وشروط واضحة لا يمنح الولايات المتحدة النفوذ الذي تتوقعه. بل يقود الى توتر مع الشركاء، ويزيد الخسائر، ويطيل الحروب، ويجعل واشنطن عالقة في صراعات لم تبدأها لكنها لا تعرف كيف تنسحب منها. لذلك، فان تجنب “الحروب الأبدية الجديدة” لا يتطلب فقط الابتعاد عن إرسال الجنود، بل يتطلب ايضا ادارة الدعم العسكري والسياسي منذ اللحظة الاولى، وربطه بخطة تقود فعلا إلى نهاية الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *