تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

البراء بن مالك.. «أسد الأنصار» الذي اقتحم «حديقة الموت» ومات شهيدا

Ahmed Dfvvc5 دقائق قراءة0 مشاهدة

الحديث عن جيل الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ليس مجرد سردٍ لصفحات التاريخ، ولكن هو إبحار في سيَر رجالٍ صنعوا بدمائهم وإيمانهم مجد هذه الأمة، ومن بين تلك النجوم الزاهرة التي أضاءت سماء الإسلام، يتلألأ اسم الصحابي الجليل البراء بن مالك الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ البطل الكرار، وأخو خادم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنس بن مالك.

موضوعات مقترحة

«يا مسافر على بحر النيل».. صوت عبده السروجي حاضرا في احتفال «الثقافة والري» بعيد «وفاء النيل»

البراء بن مالك.. «أسد الأنصار» الذي اقتحم «حديقة الموت» ومات شهيدا

لم يكن البراء ـ رضي الله عنه ـ مجرد مقاتل في صفوف المسلمين، ولكن كان طرازًا فريدًا من الرجال الذين اختصروا غاية وجودهم في كلمتين “الله والجنة”.

عُرف البراء بشجاعة خارقة وإقدام عزّ نظيره، حتى وُصِف بأنه “رجل بألف رجل”، وكتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ إلى أمراء جيوشه مُحذرا “لا تستعملوا البراء على جيش فإنه مُهلكة من المهالك يقدم بهم”؛ وذلك لشدة جسارته وبحثه المُستمر عن الشهادة في مواطن الجهاد.

بدءاً من صحبته للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومبايعته تحت الشجرة، مرورُا بملحمته الخالدة في «حديقة الموت» يوم اليمامة، حيث حملوه على الرماح ليلقوا به خلف أسوار الأعداء ليفتح للمسلمين باب النصر، وصولاً إلى استشهاده المجيد في فتح تستر بعد أن أبرّ الله قسمه، ونال الأمنية التي طالما تاق إليها.

ولذلك فنحن لا نُقدِم سيرة تاريخية جافة، ولكن نقدم نموذجًا حياً للمؤمن الصادق الذي قال فيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “كم مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لاَ يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ “. نسأل الله تعالى أن يوفقنا لتقديم ما يليق بمقام هذا الصحابي الجليل، وأن يُلهم جيلنا الحالي اقتفاء أثر هؤلاء العظام في الصدق، والتضحية، والوفاء لدين الله .

حياته ونشأته

في أرض المدينة المنورة، نشأ أسد من أسود الإسلام، فارس لا يُبارى في الشجاعة والإقدام، كان اسمه البراء بن مالك ـ رضي الله عنه ـ ، وهو شقيق أنس بن مالك خادم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ،من الأنصار النجاريين، شهد غزوة أحد، وكان من الذين بايعوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحت الشجرة في بيعة الرضوان، فنزل فيهم قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ .

كان البراء شجاعاً مقداماً إلى حد أثار إعجاب عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ، حتى كتب إلى أمراء الجيوش يُحذرهم قائلاً:”لا تستعملوا البراء على جيش، فإنه مهلكة من المهالك، يقدم بهم” .

يوم اليمامة وحديقة الموت 

بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ارتدت بعض القبائل، وكان أعنف المرتدين بنو حنيفة بقيادة مُسيلمة الكذاب، الذي جمع حوله أربعين ألف مقاتل.

أرسل أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ جيش المسلمين بقيادة سيف الله المسلول خالد بن الوليد، وكان البراء بن مالك في مقدمة الصفوف، يمرق كالسهم .

اشتدت المعركة، وزُلزلت الأرض تحت أقدام الفريقين، اقتحم المرتدون فسطاط خالد وقلعوه، التفت خالد إلى البراء، وقال له بصوت حازم:”إليك يا فتى الأنصار”، 
نهض البراء كالأسد الغضبان، وصاح في قومه بصوت يرج القلوب: “يا أهل المدينة!، لا مدينة لكم اليوم… إنما هو الله وحده، ثم الجنة”، ثم حمل حملة صادقة، يشق الصفوف ويطحن بهم كالطاحونة، انهزم أصحاب مسيلمة، ولجأوا مذعورين إلى حديقة محصنة، أغلقوا أبوابها، وتحصنوا خلف جدرانها العالية، يمطرون المسلمين بوابل من النبال.

تقدم البراء إلى قومه، وقال بثبات “ضعوني على ترس، وارفعوا الترس على أسنة الرماح، ثم اقذفوني داخل الحديقة قُرب الباب… فإما أن أُستشهد، وإما أن أفتح لكم الباب”. 

رفعوه على الترس كما أمر، ثم رموه كالصاعقة بين آلاف من جُند مٌسيلمة، نزل البراء بينهم كالأسد الضاري، يجول أمام الباب، يُقاتل بشراسة حتى قتل عشرة منهم بسيفه، ثم فتح الباب للمسلمين، وبه بضعة وثمانون جُرحاً!. 

تدفق المسلمون إلى الحديقة كالسيل الجارف، وقتلوا من المرتدين قُرابة عشرين ألفاً، وقتلوا مُسيلمة الكذاب، وحملوا البراء إلى خيمته، فأقام خالد بن الوليد شهرًا كاملا يُداوي جراحه.

دخل أنس بن مالك على أخيه ذات يوم، فوجده يتغنى ويرنم قوسه، قال له أنس: “إلى متى هذا يا أخي؟، أتخشى أن تموت على فراشك وقد قتلت بضعاً وتسعين نفساً من المشركين مُبارزةً، سوى ما شاركت فيه مع المسلمين؟!”.  

فتح تستر والشهادة المنشودة

مرت السنون، وفي خلافة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ، سار المسلمون لفتح تستر من بلاد فارس سنة عشرين للهجرة، حاصروا حصنًا منيعًا، طال الحصار أشهرا، استخدم الفُرس حيلة خبيثة، وألقوا من أعلى الأسوار سلاسل حديدية مُعلقة بها كلاليب فولاذية مُحماة بالنار، علقت إحدى هذه الكلاليب في جسد أنس بن مالك.

رآه أخوه البراء، فوثب كالنمر على جدار الحصن، أمسك السلسلة الملتهبة بيديه العاريتين، وجعل يجرها ويعالج الكلاليب حتى أنقذ أخاه، احترقت يداه حتى ظهرت العظام، ولم يُبالِ بذلك.

ثم اكتشف المسلمون سربا يؤدي إلى داخل المدينة، دعا أبو موسى الأشعري البراء، وقال له “انظر رجالاً يدخلون معك”، دخل البراء مع مجزأة بن ثور ونفر قليل من الرجال عبر السرب الضيق، وخرجوا فجأة في جوف المدينة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، هنا تذكر الصحابة قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في البراء: “كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك”، فالتفوا حوله وقالوا:”يا براء.. أقسم على ربك”.  

رفع البراء يديه المحترقتين إلى السماء، وقال بصوت جهوري:”أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم… اللهم ألحقني بنبيك”، ثم حمل على العدو حملة أخيرة، فبارز مرزبان الزارة أحد كبار قادة الفرس فضربه ضربة قاضية فصرعه، وأخذ سلبه، واستمر يقاتل بشراسة حتى استُشهد ـ رضي الله عنه ـ، وفتح الله على المسلمين تستر، وتحققت أمنية البراء، مات شهيدا كما تمنى.

هكذا عاش البراء بن مالك ـ رضي الله عنه ـ  حياة مليئة بالجهاد والإقدام وقتل مائة من الشجعان مبارزةً وحده، ومات شهيدا في سبيل الله بعد أن أدى ما عليه لدينه ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

د. سليمان عباس البياضي
عضو اتحاد المؤرخين العرب

د. سليمان عباس البياضيد. سليمان عباس البياضي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *