تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

إيران ومضيق هرمز.. اتفاق “قيد التبلور” قد يكرس سيطرة طهران على الممر البحري

Ahmed Shokre7 دقائق قراءة0 مشاهدة

لندن- “القدس العربي”: قالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن إيران وسلطنة عمان تقتربان من التوصل إلى اتفاق لإعادة فتح حركة الملاحة في مضيق هرمز، بحسب مسؤولين إيرانيين وأمريكيين. غير أن الاتفاق المحتمل قد يأتي بثمن سياسي وإستراتيجي باهظ، إذ قد يضفي شرعية على سيطرة طهران على المضيق الذي كان، قبل اندلاع الحرب، ممرا مائيا دوليا مفتوحا أمام جميع السفن.

ووفقا لمسؤولين مطلعين على المفاوضات، ستبحر السفن المتجهة إلى الخليج العربي عبر ممر يقع تحت سيطرة ايران وقريب من سواحلها، فيما تستخدم السفن المغادرة للخليج ممرا آخر بمحاذاة السواحل العمانية.

ويقول مسؤولون إيرانيون إن الاتفاق لا يتضمن فرض رسوم عبور، لكنه ينص على استيفاء “رسم خدمات” مقابل حماية السفن التجارية وناقلات النفط، وتغطية النفقات البيئية، وتمويل فرق التشغيل والإدارة. ويؤكد مسؤولان إيرانيان أن العائدات ستقسم بالتساوي بين إيران وسلطنة عمان.

الاتفاق لا يتضمن فرض رسوم عبور، لكنه ينص على استيفاء “رسم خدمات” مقابل حماية السفن التجارية وناقلات النفط، وتغطية النفقات البيئية، وتمويل فرق التشغيل والإدارة

في المقابل، نفى مسؤول أمريكي مطّلع على المفاوضات هذه الرواية، مؤكدا أن الممرات المؤقتة التي يجري بحثها لا تستلزم الحصول على موافقة إيرانية، ولا تتضمن فرض أي رسوم أو إتاوات على السفن العابرة.

وبالنسبة للرئيس دونالد ترامب، فإن إعادة فتح المضيق تمثل أولوية سياسية ملحة، لأنها تسمح باستئناف حركة التجارة والطاقة وتخفيف الضغوط الاقتصادية. لكن المسؤولين الإيرانيين يؤكدون أن المضيق سيظل مغلقا، حتى في حال التوصل إلى اتفاق، ما لم ترفع الولايات المتحدة الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، ويعود الطرفان إلى تنفيذ بنود مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها في إسلام أباد، والتي تضم 14 بندا.

ويرى بعض المسؤولين أن الولايات المتحدة تستطيع تخفيف الضغوط على أسواق النفط إذا قررت منح إعفاءات من العقوبات تسمح لإيران ببيع نفطها بصورة قانونية.

لكن حتى إذا أعيد فتح المضيق، فإن ذلك قد يرسخ واقعا جيوسياسيا جديدا. فالمسؤولون الإيرانيون لا يخفون أن هدفهم يتمثل في تثبيت حق إيران في إدارة حركة الملاحة داخل المضيق، بما يمنحها ورقة ضغط إستراتيجية لم تكن تستخدمها قبل اندلاع الحرب.

ويمثل ذلك تحديا مباشرا للموقف الذي أعلنه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي شدد مرارا خلال الأشهر الماضية على ضرورة عودة مضيق هرمز إلى وضعه السابق كممر مائي دولي مفتوح لا يخضع لسيطرة أي دولة.

وقال روبيو خلال اجتماع لمسؤولين من دول جنوب شرق آسيا، إن السماح لدولة بالتحكم في ممر مائي دولي وفرض رسوم على السفن العابرة، أو تهديدها بالقوة إذا رفضت الدفع، سيشكل سابقة خطيرة قد تتكرر في مناطق أخرى من العالم.

وأضاف أن القضية لا تتعلق بمضيق هرمز وحده، بل بمبدأ أساسي يحكم حرية الملاحة الدولية، مؤكدا أن القواعد التي قامت عليها التجارة العالمية طوال نحو مئة وخمسين عاما أصبحت مهددة، وأن المجتمع الدولي لا يمكنه القبول بتقويضها.

في المقابل، لم يدل الرئيس ترامب بتفاصيل كثيرة حول الاتفاق الجاري التفاوض عليه، رغم أنه أشار إلى أنه كان احد أسباب قراره العدول عن تنفيذ هجوم عسكري واسع ضد إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وينص الاتفاق المبدئي على منح إيران وسلطنة عمان مهلة ستين يوما لاستكمال الترتيبات الخاصة بإعادة فتح المضيق، على أن تستأنف خلال هذه الفترة المفاوضات الأمريكية- الإيرانية بشأن مستقبل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، الذي يقدر بنحو أحد عشر طنا، من بينها نحو نصف طن من الوقود المخصب بدرجة تقترب من المستوى المستخدم في تصنيع الأسلحة النووية.

وتطالب واشنطن بتخفيف درجة تخصيب هذا الوقود، ثم نقله لاحقا إلى الولايات المتحدة أو إلى دولة أخرى للتخلص منه أو استخدامه في أغراض سلمية داخل محطات الطاقة النووية.

وفي منتصف يونيو الماضي، وقّع نائب الرئيس جيه دي فانس، ثم الرئيس ترامب، خطة كانت تستهدف التوصل إلى اتفاق نووي خلال ستين يوما، إلا أن هذا الموعد يقترب من نهايته، بينما يعترف مسؤولون أمريكيون بأن أي مفاوضات جدية قد تمتد حتى الخريف، وربما لفترة أطول.

تبدو إعادة فتح المضيق أولوية سياسية بالنسبة إلى ترامب، حتى لو تطلب ذلك القبول بقدر من النفوذ الإيراني على حركة الملاحة

بل إن بعض المسؤولين باتوا يشككون في إمكان التوصل إلى اتفاق نووي من الأساس، ويرجحون أن يكتفي ترامب بالقول إن المخزون النووي الإيراني سيظل مدفونا تحت أنقاض المنشآت التي تعرضت للقصف خلال الهجوم الجوي الذي استهدف ثلاثة مواقع نووية في يونيو 2025.

ومع ذلك، تبدو إعادة فتح المضيق أولوية سياسية بالنسبة إلى ترامب، حتى لو تطلب ذلك القبول بقدر من النفوذ الإيراني على حركة الملاحة، وهو ما يفسر التناقض الظاهر بين تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو، والمواقف العملية التي تتبناها الإدارة الأمريكية.

وقال ترامب، متحدثا في البيت الأبيض، إن تفاصيل الاتفاق ستتضح “اليوم أو غدا”، مضيفا أن الأمور ستسير بسرعة في اتجاه او آخر، وأن القضية ليست معقدة كما تبدو.

وأعرب عن اعتقاده بأن مضيق هرمز قد يعاد فتحه “خلال يوم واحد”، وهو توقع سبق أن ردده مرات عدة خلال الأشهر الماضية، موضحا أن “المرحلة الأولى تتمثل في إعادة فتح المضيق، أما المرحلة الثانية فهي نزع الطابع النووي عن البرنامج الإيراني”.

لكن داخل وزارة الدفاع الأمريكية، يبدي عدد من كبار المسؤولين شكوكا متزايدة حيال الترتيب الجاري التفاوض عليه بين إيران وسلطنة عمان. ووفقا لمسؤولين حاليين وسابقين اطلعوا على النقاشات، يرى بعضهم أن الاتفاق قد يرقى إلى مستوى التنازل لصالح طهران.

ويشير هؤلاء إلى أن الطريق البحري الذي يمر عبر المياه العمانية ما زال مليئا بالألغام البحرية، بحيث لن تتمكن السفن من عبوره بأمان من دون تنسيق مع إيران، الأمر الذي يمنحها، عمليا، سلطة الإشراف على الملاحة حتى لو نص الاتفاق على غير ذلك.

وفي طهران أيضا، لا يخفي بعض المسؤولين شكوكهم في قدرة الاتفاق على تحقيق أهدافه، أو في أنه سيمنع الولايات المتحدة من تنفيذ هجمات عسكرية جديدة مستقبلا.

وكانت القيادة المركزية الأمريكية تشرف خلال الفترة الماضية على مرافقة السفن عبر هذا المسار، لكنها كانت تعمل في ظل تهديد دائم من الصواريخ الإيرانية. كما أن الرئيس ترامب ألغى مرتين، خلال أسبوعين فقط، خطة أعدها قائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر لتنفيذ قصف مكثف يستهدف مواقع إطلاق الصواريخ الإيرانية ومنشآت عسكرية أخرى.

ومع ذلك، لم يخف ترامب رغبته القوية في إعادة فتح المضيق، حتى لو تطلب الأمر قبول نظام معين للرسوم أو الاعتراف بدرجة من السيطرة الإيرانية على حركة الملاحة.

من جانبه، أعلن مهدي محمدي، المستشار البارز لكبير المفاوضين الإيرانيين، في مقابلة مع التلفزيون الرسمي، إن إيران وسلطنة عمان تجريان بالفعل مفاوضات للتوصل إلى صيغة لإدارة مضيق هرمز، مؤكدا أن هذه المفاوضات منفصلة عن الحرب مع الولايات المتحدة.

وتقول طهران إن واشنطن كانت أول من خرق خطة السلام عندما وجهت السفن إلى المرور بمحاذاة السواحل العمانية، مستفيدة من غموض النصوص المتعلقة بمن يملك حق الإشراف على المضيق. لكنها، في المقابل، اعترفت ضمنيا بأنها هي أيضا تجاوزت تلك التفاهمات عندما استهدفت سفنا كانت تعبر الخليج من دون الحصول على موافقتها.

ويرى علي واعظ، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط في “مجموعة الأزمات الدولية”، أن إيران تتمسك بالحفاظ على نفوذها في مضيق هرمز لأنها تعتبره الإنجاز الاستراتيجي الوحيد الذي خرجت به من الحرب.

أي حل يترك إيران مسيطرة على المضيق سيكون من الصعب جدا على ترامب تسويقه داخليا، لكن في الوقت نفسه لا يوجد حل عسكري قادر على انتزاع هذه السيطرة من إيران

ويضيف أن الاتفاق مع سلطنة عمان، إذا أبرم، سيضع إيران في موقع أقوى مما كانت عليه قبل اندلاع الجولة الحالية من القتال، لأنها ستصبح صاحبة الكلمة الفصل في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

ويقول واعظ: “أي حل يترك إيران مسيطرة على المضيق سيكون من الصعب جدا على ترامب تسويقه داخليا، لكن في الوقت نفسه لا يوجد حل عسكري قادر على انتزاع هذه السيطرة من إيران”.

ويخلص إلى أن الرئيس الأمريكي يجد نفسه أمام خيارين كلاهما مكلف: “إما حرب لا يمكن الانتصار فيها، وإما سلام يصعب قبوله”.

ويشير التقرير في ختامه إلى أن المعضلة التي تواجه إدارة ترامب لم تعد تقتصر على إعادة فتح مضيق هرمز أو استئناف حركة التجارة العالمية، بل تمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بشكل النظام الدولي نفسه. فإذا نجحت إيران في تثبيت سيطرتها على المضيق، ولو تحت غطاء اتفاق مؤقت، فإن ذلك قد يشكل سابقة تعيد رسم قواعد حرية الملاحة في العالم، وتمنح الدول المطلة على الممرات البحرية الاستراتيجية أدوات نفوذ لم تكن متاحة لها في السابق.

وبينما يسعى ترامب إلى تحقيق انفراج سريع يخفف الضغوط الاقتصادية والسياسية، تبدو طهران حريصة على استثمار نتائج الحرب في تكريس واقع جيوسياسي جديد يمنحها ورقة ضغط طويلة الأمد، وهو ما يجعل مستقبل مضيق هرمز يتجاوز كونه قضية ملاحية، ليصبح اختبارا لموازين القوة في الخليج وللنظام الذي حكم التجارة البحرية الدولية لعقود طويلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *