
فى الوقت الذى تحاول فيه أطراف إقليمية دفع مصر إلى الفوضى، أو جرّها إلى مشهد عبثى لا يخدم إلا مَن يريدون إعادة هندسة الإقليم بالقوة، تمضى القاهرة فى الاتجاه المعاكس تمامًا: تهدئة لا تصعيد، تفاوض لا تهور، بناء مسار سياسى لا الانزلاق إلى حرب مفتوحة، وهذه ليست مجرد تفاصيل فى المشهد، بل واحدة من أهم علامات القوة المصرية فى هذه المرحلة.
هناك مَن يريد لمصر أن تنفعل، أن تفقد أعصابها، أن تدخل فى معركة ليست معركتها فى التوقيت وبالطريقة، التى يريدها الآخرون، أن تتحول من دولة مركزية عاقلة إلى طرف مرتبك داخل فوضى إقليمية واسعة، لكن مصر حتى الآن ترفض هذا الفخ، تتحرك بهدوء، وتدير الأزمة من موقع الدولة لا من موقع رد الفعل، لا تسمح لأحد أن يستدرجها، ولا تترك فى الوقت نفسه القضية الفلسطينية لمصير مجهول.
الأخبار الأخيرة عن موافقة حماس والفصائل الفلسطينية على خطة خارطة الطريق لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار فى غزة تكشف حجم ما تفعله القاهرة بعيدًا عن الضجيج، الاتفاق يتحدث عن دخول اللجنة الوطنية، وانتشار قوة الاستقرار الدولية، والتعافى المبكر، وإعادة الإعمار، وحصر وتخزين السلاح بصورة تدريجية ومتسلسلة، وربط ذلك بترتيبات واضحة لا تقفز فوق الواقع، ولا تترك غزة فى فراغ أمنى وإدارى.
نحن أمام محاولة لإخراج غزة من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق الإدارة السياسية، من منطق السلاح المتروك بلا إطار إلى منطق الدولة واللجنة الوطنية والترتيبات الدولية، من منطق الركام إلى التعافى المبكر والإعمار، ومن منطق الصراع الذى لا ينتهى إلى محاولة بناء مسار يمنح الفلسطينيين فرصة للبقاء على أرضهم بدل أن يتحول القطاع إلى بوابة جديدة للتهجير أو التصفية.
مصر لا تتحرك لكى تجمع صورة للوسطاء، ولا لكى تظهر على صدر صفحات عالمية، تتحرك لأنها تعرف أن ما يحدث فى غزة ليس بعيدًا عنها، ومصير الفلسطينيين على أرضهم مرتبط مباشرة بالأمن القومى المصرى وأى فراغ فى القطاع، أو تهجير، أو فوضى مسلحة بلا أفق، لن يبقى داخل حدود غزة وحدها، لذلك تدير القاهرة الملف بعقل الدولة، التى تعرف أن التهدئة ليست رفاهية، بل ضرورة استراتيجية.
فى المقابل، هناك مَن يحاول أن يصنع رواية معاكسة: أن مصر غائبة، أو عاجزة، أو لا تفعل ما يكفى، هذه الرواية ليست بريئة، هى جزء من حرب على الدور المصرى، لأنها تعرف أن القاهرة إذا نجحت فى تثبيت مسار التهدئة وإعادة الإعمار ومنع التهجير، فإنها تسحب من أيدى قوى كثيرة ورقة الفوضى، قوى تريد غزة مفتوحة على الانفجار، وتريد مصر تحت ضغط دائم، وتريد الإقليم كله فى حالة اشتعال تسمح لها بفرض مشاريعها ونفوذها.
ما يجرى الآن يثبت العكس، مصر موجودة فى قلب المعادلة، القاهرة تستعد لاجتماع يضم الوسطاء: مصر والولايات المتحدة وقطر وتركيا، لتأكيد التزام الأطراف بتنفيذ بنود الاتفاق، وهذا فى حد ذاته له دلالة سياسية كبيرة، حين تجتمع هذه الأطراف فى القاهرة أو عبر مسار تقوده القاهرة، فهذا يعنى أن مصر ليست هامشًا فى الأزمة، بل مركزًا من مراكز إدارتها، ومَن يريد تجاهل هذا الدور، يتجاهل الواقع قبل أن يتجاهل مصر.
الفكرة الأهم أن مصر لا تكتفى بوقف النار، وقف النار مهم، لكنه ليس نهاية الأزمة، هناك سؤال اليوم التالى: مَن يدير غزة؟ كيف تبدأ إعادة الإعمار؟ كيف يعود الناس إلى حياة ممكنة؟ كيف يتم التعامل مع ملف السلاح دون إشعال اقتتال فلسطينى أو خلق فراغ أمنى؟ كيف يمكن وضع ترتيبات تدريجية تحفظ الأمن، وتحفظ الشعب الفلسطينى، ولا تمنح إسرائيل ذريعة لاستئناف الحرب أو البقاء المفتوح داخل القطاع؟
هنا تتحول الوساطة المصرية من مجرد إطفاء حريق إلى هندسة مسار، وهذا هو الفارق بين دولة تطفئ أزمة مؤقتًا ودولة تحاول منع عودتها، القاهرة تعرف أن أى اتفاق لا يجيب عن الإدارة والأمن والإعمار والسلاح والضمانات سيبقى اتفاقًا هشًا، لذلك فإن ربط حصر وتخزين السلاح بدخول اللجنة الوطنية وانتشار قوة الاستقرار الدولية ليس تفصيلًا، بل محاولة لمنع القفز فى الهواء، لا يمكن مطالبة طرف بخطوات ثقيلة دون وجود بديل إدارى وأمنى يحمى الناس ويمنع الفوضى.
وهذا ما يجعل موقف الفصائل الفلسطينية مهمًا، تعاملها الإيجابى مع مقترحات الوسطاء يعنى أن هناك إدراكًا بأن الحفاظ على غزة وأهلها لم يعد يحتمل شعارات مفتوحة بلا أفق، المقاومة السياسية الحقيقية اليوم ليست فقط فى الصمود، بل فى منع تحويل الصمود إلى كارثة دائمة، غزة تحتاج إلى وقف نزيف، وإعادة إعمار، وإدارة وطنية، وضمانات تمنع التهجير، ومسار يفتح الباب أمام تقرير المصير والدولة الفلسطينية.
فى هذه اللحظة، تكسب مصر لأنها لا تتصرف كطرف يبحث عن مكسب سريع، بل كدولة تريد منع الانهيار، هناك فرق بين مَن يصنع الضجيج، ومَن يصنع المسار، الضجيج سهل، الخطابات سهلة، المزايدة سهلة، لكن أن تجمع أطرافًا متناقضة، وأن تقنع فصائل، وأن تتعامل مع الولايات المتحدة وقطر وتركيا وإسرائيل والسلطة والفصائل، وأن تضع كل ذلك داخل ترتيب تدريجى قابل للتنفيذ، فهذا هو العمل الحقيقى.
ومن هنا يمكن فهم العبارة، التى يجب أن تقال بوضوح: فى الوقت الذى يحاول فيه البعض جر مصر إلى الفوضى، مصر تكمل فى الدبلوماسية، فى التهدئة، فى حماية حدودها، فى منع التهجير، فى طرح نفسها مركزًا للطاقة والشراكة والاستقرار، فى بناء نفوذ لا يقوم على الصراخ، بل على القدرة على إنجاز شىء فى لحظة يعجز فيها كثيرون عن الإنجاز.
حتى حادث دمياط، ومحاولات ربطه بتوترات أوسع فى البحر الأحمر أو صراعات الإقليم، لا ينبغى أن يدفعنا إلى القراءة المنفعلة، مصر تعرف أن هناك مَن يريد توسيع رقعة التوتر، وأن هناك مَن يستفيد من اضطراب الموانئ والممرات، وأن هناك مَن يحاول اختبار قدرة الدولة على الثبات، لكن الرد المصرى الأعمق ليس فى الانفعال، بل فى استمرار العمل بكفاءة عالية، وحماية الموانئ، وتقديم نفسها لأوروبا والإقليم كمركز طاقة واستقرار، لا كساحة توتر.
وهنا تظهر المفارقة: البعض يريد مصر فى موقع الدولة المجرورة إلى الأزمة، بينما القاهرة تصر أن تكون الدولة التى تدير الأزمة، البعض يريدها طرفًا فى الفوضى، وهى تحاول أن تكون منصة للحل، البعض يريدها منفعلة، وهى تختار أن تكون عاقلة، وهذه ليست برودة سياسية، بل قوة، فالدول الكبرى لا تُقاس بما تقوله لحظة الغضب، بل بما تنجزه حين يحاول الآخرون دفعها إلى الغضب.
التحرك المصرى فى غزة امتداد لنمط أوسع، فى شرق المتوسط، بنت مصر شراكات مع قبرص واليونان وإيطاليا وغيرها حول الغاز والطاقة، فى ملفات الإقليم، تحافظ على قنوات مع السعودية وقطر وتركيا وباكستان ودول عربية وإسلامية متعددة، فى غزة تتعامل مع واشنطن والدوحة وأنقرة والفصائل، هذه ليست سياسة محاور مغلقة، بل دبلوماسية دولة تعرف أن النفوذ اليوم يُصنع بالشراكات لا بالعزلة، وبالقدرة على جمع المختلفين لا بالاكتفاء بمخاطبة المتشابهين.
مصر ما زالت تملك القدرة على العمل فى أصعب الملفات، قد لا تحقق كل شيء، وقد تتعطل المسارات، وقد تخرق إسرائيل أو أى طرف آخر التفاهمات، لكن الثابت أن القاهرة لا تغادر الساحة، لا تترك غزة وحدها، ولا تترك أمنها القومى للصدفة، ولا تترك الإقليم لمَن يريدون إدارته بمنطق النار.
فى رأيى، هذا أحد أهم إنجازات مصر فى لحظة مضطربة: أن تحافظ على عقل الدولة بينما يندفع كثيرون إلى الفوضى، أن تعرف متى تتحدث ومتى تصمت، متى تضغط ومتى تنتظر، متى تفتح بابًا ومتى ترسم خطًا أحمر، وتدرك أن السلام لا يصنعه الضعفاء، كما أن الحرب لا يديرها العقلاء إلا إذا فُرضت عليهم.
الخلاصة أن مصر لا تنجو من الفوضى فقط، بل تحاول أن تمنعها من التمدد، فى غزة تدفع نحو مرحلة ثانية من وقف إطلاق النار، فى الإقليم تفتح قنوات التهدئة، فى الاقتصاد والطاقة تطرح نفسها مركزًا للشراكة، وفى مواجهة الحملات والشائعات تواصل العمل.
هذه هى الرسالة: مَن يريدون جر مصر إلى الفوضى سيكتشفون أن القاهرة لا تتحرك على إيقاعهم، مصر لها إيقاعها، وحساباتها، وأمنها القومى، ودورها التاريخى، قد يعلو الضجيج حولها، لكنها تكمل، وقد يحاولون إرباكها، لكنها تفاوض، وقد يحاولون حصار صورتها، لكنها تثبت بالفعل لا بالشعار أنها ما زالت رقمًا صعبًا فى معادلة المنطقة، مصر لا ترد على الفوضى بالفوضى، بل بالدولة، وهذا وحده كافٍ للرد على كل مَن راهن على سقوطها فى الفخ.

