
وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش
استندت “خطة الحسم” التي يتبناها سموتريتش إلى تحديد أهداف رئيسية: الأول هدف جغرافي، ضم الضفة الغربية. والثاني هدف ديمغرافي، هجرة الفلسطينيين الطوعية منها. كان الغرض من الهدفين هو القضاء على أي إمكانية للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين وتخليد الصراع. مع ذلك، تلاشى أمل حكومة نتنياهو في الحصول على موافقة الإدارة الأمريكية على هذه الأهداف الرئيسية، حتى في قطاع غزة. على خلفية ذلك، ركزت الحكومة على تسريع عملية الاستيلاء على الأراضي بوتيرة أسرع من ذي قبل. فبعد أن أصبح واضحاً استحالة تحقيق الهيمنة اليهودية الديمغرافية، تحول تركيز الجهود إلى السيطرة على الفضاء الجغرافي وإخراج الفلسطينيين منه، ليس فقط في المناطق “ج”، بل أيضاً في مناطق “ب” و”أ”، التي تخضع حصرياً للسلطة الفلسطينية. وتتمثل طريقة ذلك في نشر المزارع والبؤر الاستيطانية من أجل السيطرة على “أراضي الدولة” والأراضي الفلسطينية الخاصة. لذلك، تم تأجيل الضم الرسمي حسب خطة سموتريتش بهدف تسريع عملية الضم الفعلي.
أما الهدف الثاني، فهو إضعاف السلطة الفلسطينية، اقتصادياً وسياسياًوأمنياً، والوصول إلى درجة الانهيار. بل إن حكومات إسرائيل، لا سيما حكومات نتنياهو، عملت بجهد من قبل على إضعاف السلطة الفلسطينية و”ترويضها” بحسب مصالحها، وذلك للتنصل من المسؤولية المدنية عن الفلسطينيين الخاضعين للحكم العسكري. مع ذلك، وعقب حرب 7 أكتوبر، لا سيما في الفترة الأخيرة، أصبح هدف إضعاف السلطة الفلسطينية، وحتى انهيارها، هو الهدف الملح لدى الحكومة.
كل من يرغب في دليل على أن السلطة الفلسطينية توصف كـ “عدو” بكل المقاييس، فعليه قراءة ما يبدو أنه إحاطة إعلامية متعمدة لرئيس “الشاباك”دافيد زيني، التي قدمها لصحيفة “إسرائيل اليوم” في 17 تموز 2026. من الآن فصاعداً، كما يتبين من تصريحات زيني ونائبه، فإن كل شخص لم يدنمذبحة 7 أكتوبر يعدّ عدواً. وهذه التصريحات موجهة في البداية للسلطة الفلسطينية، وأيضاً لمصر والأردن.
أولاً، من منظار واقعي، انتقدت كل من مصر والأردن بشدة هجوم حماس في 7 أكتوبر خلال السنوات الثلاث الأخيرة. ولكن قبل أي شيء آخر، أدانت السلطة الفلسطينية، ممثلة بالرئيس محمود عباس وكبار المسؤولين فيها، حماس بكل الوسائل الممكنة. لم تكتف الحكومة بإدانتها، بل لعنتها أيضاً. فعلى سبيل المثال، وصف محمود عباس حماس في مقابلة مع قناة “العربية” (23 نيسان 2026) بأنهم “أولاد كلاب”، وهذا مثال من أمثلة كثيرة.
إضافة إلى ذلك، خطورة تصريحات زيني ونائبه كبيرة؛ فهي تطمس التمييز بين الدول التي تعيش بسلام مع إسرائيل وبين أعداء إسرائيل، ما يضر بشكل مباشر بأمن الدولة. وبالنظر إلى السلطة الفلسطينية بالتحديد، فإن هذا ليس إلا ذريعة مصممة لتلبية حاجة الحكومة الملحة في هذا الوقت لإزاحة السلطة الفلسطينية عن مسار جهود الضم. لماذا هذا التوقيت وهذه الظروف باتت ملحة جداً؟ أولاً، لأن الاستيلاء على مساحات كبيرة من المراعي ليست أمراً لا رجعة عنه، ومن جهة أخرى، انهيار السلطة الفلسطينية أمر لا رجعة عنه.
إضافة إلى ذلك، تعتبر الحكومة أن انهيار السلطة الفلسطينية سيجعل الانتخابات في تشرين الثاني 2026 لا فائدة منها. فضلاً عن ذلك، بسبب احتمالية تغيير الحكومة في الانتخابات القادمة، فإنها بحاجة كبيرة إلى إجراء طارئ يؤدي إلى أمر واقع، وهو الأمر الذي سيغير الوضع كلياً في نظر من يرغبون فيه. أيضاً احتمالية التوصل إلى تسوية قريبة في غزة حسب خطة ترامب، التي ستؤدي إلى استبدال حكم حماس بلجنة تكنوقراط تابعة لحركة فتح والسلطة الفلسطينية، تدفع البعض إلى إسقاط السلطة الفلسطينية. ففي نهاية المطاف، إذا انهارت السلطة الفلسطينية في مركز ثقلها بالضفة الغربية فسيؤثر هذا أيضاً على حليفها الجديد في غزة، وهكذا يمكن للترتيب الذي لا ترغب به حكومة إسرائيل في قطاع غزة، استبعاده من الضفة الغربية بشكل غير مباشر، وهذا سينقذ الحكومة. ولتجنب الانتقادات الدولية الشديدة، ستفسر الحكومة انهيار السلطة الفلسطينية بأنه ينبع بالدرجة الأولى من ضعفها، وليس بإضعافها من قبل إسرائيل. أي أنه سيفسر كانهيار وليس تدميراً.
لكن انهيار السلطة الفلسطينية يشكل خطراً على إسرائيل من كل النواحي، وزيني أول شخص يعرف ذلك، إذا كان ينوي أداء دوره كرئيس لجهاز “الشاباك” بمسؤولية. فالانهيار سيؤدي إلى فوضى كبيرة في الأراضي الفلسطينية، وتفكيك الآليات الأمنية المتعاونة مع “الشاباك”، وستبقى حماس هي القوة المهيمنة في الضفة الغربية. إضافة إلى ذلك، سيؤدي انهيار السلطة الفلسطينية إلى انهيار ما بقي من ثقة دول العالم بحكومة إسرائيل، وتعريض إسرائيل لعزلة دولية أشد مما هي الآن، بل وحتى إلى خطر إلغاء اتفاق السلام مع مصر والأردن. والأهم، وضع إسرائيل في حالة لا يمكن أن تكون فيها دولة يهودية وديمقراطية.
هل يعرف زيني أن قوانين انتخابات السلطة الفلسطينية تشترط موافقة القوائم المشاركة على تبني أعضائها لكل قرارات م.ت.ف والقرارات الدولية المتعلقة بالتوصل إلى تسوية سياسية مع إسرائيل؟ وحتى لو كان يعرف، فمن المفروض حسب منطقه، أن يشكل هذا خطراً وجودياً. مرة أخرى، تعود النغمة التي لم يتنازل عنها قط. فرغم تغير الظروف منذ 7 أكتوبر، ما زالت حماس ذخراً للحكومة، حيث يمكن من خلالها إفشال أي تسوية سياسية تشمل الضفة الغربية. ومرة أخرى، يتبين أن “العدو المزعوم” الحقيقي للحكومة هو الذي يسعى إلى تسوية سياسية لتقسيم البلاد، أي السلطة الفلسطينية. إن نهج رئيس “الشاباك” الذي يدعم بالفعل انهيار السلطة يتعارض تماماً مع مصالح إسرائيل ويخدم العناصر الأكثر تطرفاً في الحكومة ويعرض أمن الدولة للخطر.
ماتي شتاينبرغ وإيلي بخر
هآرتس 3/8/2026

