تخطَّ إلى المحتوى
كل الأخبار

أملاك منظمة التحرير في لبنان.. من يملك “إرث” أبو عمار؟

Ahmed Dfvvc9 دقائق قراءة0 مشاهدة

في سبعينيات القرن الماضي، لم تكن منظمة التحرير الفلسطينية تشتري السلاح فقط، بل العقارات أيضاً. مبانٍ ومكاتب في بيروت، أراض في البقاع والجبل والشمال والجنوب، مقار للمؤسسات والفصائل ومساكن للكوادر. كانت تلك الأملاك جزءا من حضور سياسي وعسكري ومالي جعل من لبنان مركزاً أساسياً لقرار المنظمة.

ثم خرج رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ومقاتلوه من بيروت عام 1982، وتعاقبت القيادات والإدارات، وبقيت العقارات. بعضها بيع، وبعضها انتقل إلى ورثة، وبعضها لا يزال مأهولا، فيما ضاعت وثائق وتداخلت أسماء المالكين القانونيين مع المالك الفعلي.

وبقي السؤال: أين أصبحت أملاك منظمة التحرير في لبنان؟

أعاد توقيف السفير الفلسطيني السابق في لبنان أشرف دبور طرح السؤال، بعدما تحولت قضيته من اتهامات بالفساد والاختلاس إلى مواجهة علنية عن العقارات وأموال المنظمة، وفتحت ملفاً بقي بعيداً عن التدقيق لعقود.

من دبور بدأت القصة

أصدر القضاء اللبناني مذكرة توقيف بحق دبور، الاثنين الماضي، بعد استجوابه على خلفية ملاحقات قضائية فلسطينية تتهمه بقضايا فساد واختلاس أموال خلال توليه منصبه سفيراً في بيروت بين عامي 2012 و2025.

وكان الأمن العام اللبناني أوقفه في أبريل في مطار بيروت بناء على مذكرة صادرة بحقه، قبل الإفراج عنه بسند إقامة ومنعه من السفر. وبعد توقيفه مجدداً، أحال القضاء ملفه إلى مجلس الوزراء وطلب من السلطة الفلسطينية إرسال الملف القضائي تمهيداً للنظر في تسليمه.

وكان الخلاف بين دبور والسلطة الفلسطينية خرج إلى العلن قبل ذلك بأشهر. ففي نوفمبر 2025، تحدث دبور عبر صفحته على “فيسبوك” عن مبنى منظمة التحرير والأرض المحيطة به بكورنيش المزرعة في بيروت. وقال إنه اعترض على بيعهما، معتبراً أن السعر كان أدنى بكثير من القيمة التي حددتها لجنة تقييم عقارية، وإنه أبلغ الرئيس محمود عباس بتحفظاته.

ثم صعّد اتهاماته في الشهر التالي، مدعياً أن أحد أعضاء اللجنة المكلفة بالبيع عرض عليه 500 ألف دولار “عربون تقدير”، اعتبره محاولة لإسكاته، وتساءل عن ثمن الصفقة ومصير أموالها.

ونفت منظمة التحرير اتهاماته، وقال مصدر مسؤول بها إن دبور نفسه يخضع لتحقيق في ملفات مالية وعقارية، من بينها شراء عقارات بأسعار تختلف عن قيمتها الفعلية وسحب أموال من حسابات السفارة، وهي اتهامات ينفيها دبور.

ومع تصاعد المواجهة، اتهم دبور في أبريل ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، باستغلال نفوذه لتصفية حسابات شخصية معه وتسخير الأجهزة الأمنية لملاحقته، وإصدار قرارات “فصل كيدية بحق المناضلين والمناضلات من الساحة اللبنانية”.

وهكذا أصبح العقار في قلب معركة فساد يتهم فيها كل طرف الآخر، من دون أن تجيب المواجهة عن السؤال الأهم: ماذا تملك منظمة التحرير فعلياً في لبنان؟

الحرب لا تزال هنا

قاد البحث عن الإجابة إلى الطريق الجديدة في بيروت، أحد الأحياء التي شكّلت يوماً معقلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة. هناك، لم تختفِ آثار تلك المرحلة تماماً.

المبنى الذي يقول سكان المنطقة إن عرفات “أبو عمار” أقام فيه واتخذه مقراً له، دُمّرت فيه 4 طوابق جراء القصف خلال الحرب، فيما بقي الجزء الآخر قائماً.

وعلى مسافة قريبة، لا تزال أطلال مبنى كان تابعاً لـ”الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين” شاهداً آخر، لكن الدمار طال جميع طوابقه ولم يُبقِ منه سوى هيكل متصدع غير صالح للسكن.

وعلى الجهة المقابلة، يطل مبنى ثالث مثقلاً بآثار القصف، لتبقى هذه الأبنية، بعد عقود، شواهد مادية على مرحلة انحسر حضورها السياسي والعسكري من المكان، من دون أن تختفِ آثارها منه.

بين هذه الأبنية، يستعيد سكان الحي لموقع “الحرة” أيام “أبو عمار”، ويتحدثون عن مرحلة اتسمت، حسب ذاكرتهم، ببحبوحة مالية وحضور واسع للمنظمة، وعن عقارات ومقار كثيرة استخدمتها في المنطقة.

لكن الانتقال من ذاكرة الشارع إلى سندات الملكية يكشف أولى عقد الملف. فالمنزل الذي يقول السكان إن عرفات أقام فيه، قال أحد أقارب العائلة لموقع “الحرة” أنه بيع قبل فترة قصيرة.

هذه المفارقة تختصر المشكلة: ما بقي في ذاكرة الناس “ملكاً للمنظمة” قد لا يظهر كذلك في السجل العقاري.

وترى الباحثة في الدراسات الحضرية ربى وهبة أن فهم ما جرى لهذه الأملاك يتطلب العودة إلى سبب نشأتها، “فالمنظمة، بعد انتقالها إلى لبنان عام 1971، لم تتعامل مع العقار كمستثمر تقليدي، بل كحركة تحرر تحتاج إلى مكاتب ومستشفيات ومؤسسات ومقار للفصائل ومساكن لآلاف الكوادر. وبدأت باستئجار العقارات قبل أن تتوسع في الشراء مع اتساع وجودها وتوافر التمويل”.

وشملت الأملاك عقارات خدمية للمؤسسات، وأراضي حول المخيمات لتوسعتها، إضافة إلى عقارات استثمارية توفر دخلاً للمنظمة.

لكن المشكلة التي تطارد تلك الأملاك اليوم بدأت منذ لحظة تسجيلها. وتوضح وهبة لموقع “الحرة” أن “المنظمة لم تكن قادرة على تسجيل العقارات إلا بصفتها الدبلوماسية، ضمن حدود معينة للملكية، أو من خلال الجمعيات والمؤسسات التابعة لها، التي كانت تخضع بدورها للقيود المفروضة على ملكية الجهات الأجنبية. وفي المقابل، كانت حاجتها إلى العقارات تتجاوز ما يسمح به هذا الإطار القانوني”.

وتضيف: “لهذا السبب، سجّل عدد من العقارات بأسماء مالكين لبنانيين صوريين، مع مستندات يُفترض أن تثبت أن المنظمة هي المالك الفعلي”.

ومع خروج قيادة المنظمة من لبنان، وغياب إدارة عقارية مركزية، بات إثبات هذه الملكيات أمرا صعبا.

وترى وهبة أن جذور الفساد لا تبدأ ببيع العقارات، بل “بالغموض الذي أحاط بملكيتها منذ البداية. فغياب السجل الموحد، وضياع الوثائق، واحتفاظ بعض الأفراد بالأرشيف، جعل الوثيقة نفسها وسيلة ضغط، وخلق بيئة سمحت بالنزاعات والتلاعب مع مرور الزمن، حتى من دون وجود قرار مسبق بالفساد”.

ويشير مصدر مسؤول في منظمة التحرير، تحدث لموقع “الحرة”، إلى وجود لجنة قانونية تعمل على تتبع العقارات واستعادة حقوق المنظمة، ومحاولة تسجيل ما يمكن إثبات ملكيته باسم السفارة الفلسطينية، لافتاً إلى أن الملف بيد ياسر عباس.

ويقر المصدر بأن بعض العقارات “بيعت خلال السنوات الماضية في ظروف معقدة، وأن بعض الملكيات شهدت عمليات بيع متكررة خلال فترات قصيرة، ما جعل الوصول إلى أصل الملكية أكثر صعوبة”.

وتوضح وهبة أن هذه الفوضى ظهرت بوضوح في حالات أبنية وعقارات في الطريق الجديدة، إذ بقيت مسجلة باسم مالكين لبنانيين رغم انتقالها فعلياً إلى المنظمة، ما أنتج في بعض الحالات نزاعات بين المالك المسجل والمالك الفعلي.

وتشدد في الوقت نفسه على أن كثيراً من الأرقام المتداولة عن حجم أملاك المنظمة يفتقر إلى أساس علمي، إذ توصل بحثها، بعد سنوات من العمل الميداني ومراجعة السجلات العقارية، إلى التحقق من نحو 70 عقاراً فقط، بينها 22 حالة تأكدت منها ميدانياً، من دون أن يشكل ذلك إحصاءً شاملاً.

وتظهر إحدى أبرز عمليات التصرف بالعقارات حجم الأموال التي يمكن أن ينطوي عليها الملف. فبحسب وهبة، “جرى بيع مقر المنظمة وأراض محيطة به في كورنيش المزرعة ضمن عملية تصفية أسهمت في إنشاء السفارة الفلسطينية الحالية، وتقدر قيمة العملية بحسب أسعار السوق بنحو 9 إلى 13 مليون دولار”.

وهي الصفقة نفسها التي وضعها دبور في دائرة الجدل، بعدما تحدّث عن ظروف البيع ومصير الأموال الناتجة عنه.

تساؤلات معقدة

قانونياً، لا يمكن حل إرث عمره نصف قرن بقرار واحد. ويوضح المحلل السياسي والمحامي أمين محمد بشير أن القانون اللبناني لا يشمل نظاماً خاصاً بأملاك منظمة التحرير، وأن السجل العقاري يبقى المرجع لإثبات الملكية وانتقالها.

ولهذا، يقول بشير لموقع “الحرة”، يجب التعامل مع كل عقار بصورة منفصلة: “هل اشترته المنظمة وسجلته باسم شخص آخر؟ هل كانت تشغله فقط؟ هل انتقل إلى الورثة؟ هل بيع لاحقاً إلى مشترٍ حسن النية؟ وهل شابت عملية التسجيل أو البيع صورية أو تزوير أو إكراه”؟

وتزداد المسألة تعقيداً إذا انتقل العقار إلى مشترٍ حسن النية، إذ قد يتعذر إسقاط ملكيته، ويبقى التعويض المالي أحد المسارات الممكنة أمام صاحب الحق الأصلي.

ويقترح بشير تشكيل لجنة قانونية وتقنية تدرس سلسلة ملكية كل عقار والعقود المرتبطة به، على أن تحال النزاعات إلى القضاء “لأن استرداد الملكية أو تعديل قيود السجل العقاري لا يتم بقرار سياسي عام”.

لكن المشكلة لم تعد قانونية ومالية فقط. وبحسب وهبة، تحولت شقق وعقارات كثيرة على مدى العقود الماضية إلى مساكن لعائلات فلسطينية، بعدما خُصص بعضها لمقاتلين ولاجئين.

وفاقم تعديل قانون تملك الأجانب عام 2001 تعقيد هذا الإرث العقاري، إذ حظر على الفلسطينيين اكتساب ملكية عقارية جديدة وتسجيلها بأسمائهم، ما جعل تسوية أوضاع كثير من هذه الأملاك أكثر صعوبة. ومع مرور الزمن، لم تعد هذه العقارات مجرد أصول تُقاس بقيمتها السوقية، بل ارتبطت بمصير عائلات اتخذت منها بيوتاً واستقرت فيها لعقود.

وحاول موقع “الحرة” الحصول على تفاصيل أخرى بشأن هذا الملف، فتواصل مع عدد من المطلعين عليه، إلا أن معظمهم رفض الحديث أو أحجم عن التعليق.

وخلف هذه التحفظات، عبرت مصادر فلسطينية، عن خشيتها أن يتحول دبور إلى “كبش فداء” لملف عمره عقود، وأن تُختزل في شخصه مسؤولية مخالفات أو تجاوزات مالية محتملة.

وفي المقابل تطرح، بحسب هذه المصادر، مظاهر الثراء التي تحيط بعدد من مسؤولي المنظمة تساؤلات أوسع بشأن مصادر الأموال ومصيرها، وبشأن مسؤوليات لا يمكن حصرها بشخص واحد.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي طوني بولس، فيما يجري “نفضة فلسطينية” لإعادة ترتيب البيت الداخلي، معتبراً أن “الفساد الفلسطيني تشابك على مدى سنوات مع الفساد اللبناني، في ظل تركيبة سياسية وأمنية وفّرت الحماية لمصالح اقتصادية وشبكات نفوذ”.

ويقول بولس لموقع “الحرة” إن أي مراجعة جدية لا يمكن أن تتوقف عند شخص واحد، بل يفترض أن تطال شبكة المصالح والجهات التي استفادت منها، أو وفّرت لها الغطاء.

من جانبه يضع الكاتب والمحلل السياسي أسعد بشارة توقيف دبور ضمن عملية إعادة هيكلة أوسع للحضور الرسمي الفلسطيني في لبنان، يتولاه السفير محمد الأسعد.

ويرى أن ما جرى “كشف تجاوزات وسوء إدارة خلال المرحلة السابقة”، مشيرا إلى أن دبور “يستطيع تقديم ما لديه من أدلة أمام القضاء، الذي يعود إليه الفصل في الاتهامات”.

كما يشدد بشارة في تصريحات لموقع “الحرة” على أن القضية “فلسطينية – فلسطينية” وأن التحقيقات الداخلية لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن مسألة تسليم دبور إلى السلطة الفلسطينية “تبقى رهن الإجراءات القانونية والقرار اللبناني”.

وتوضح الناشطة الحقوقية والمحامية ديالا شحادة لموقع “الحرة” أنه “لا توجد حتى الآن اتفاقية قضائية ثنائية أو اتفاقية لتسليم المطلوبين بين لبنان وفلسطين”، ما يجعل طلب تسليم أشرف دبور خاضعاً للقانون اللبناني.

ويمر القرار بمسارين: قضائي، يتولى دراسة الملف والتحقق من عدم وجود موانع قانونية، وسياسي، إذ يعود إلى مجلس الوزراء إصدار مرسوم التسليم. وفي المقابل، يحق لدبور تقديم مذكرات وأدلة للاعتراض على تسليمه والاستفادة من الضمانات التي يوفرها القانون للمطلوبين الأجانب.

وفي موازاة المسار القضائي، تداول ناشطون فلسطينيون عبر مواقع التواصل الاجتماعي دعوات إلى وقفة تضامنية مع دبور تطالب بإطلاق سراحه، وسط مخاوف عبّر عنها بعضهم من احتمال تسليمه إلى السلطة الفلسطينية في رام الله.

وفي هذا السياق، يقول مصدر مطلع لموقع “الحرة” إن تنفيذ أي قرار بتسليم دبور يواجه تعقيداً لوجستياً وسياسياً بسبب غياب منفذ مباشر بين لبنان والأراضي الفلسطينية، مرجحاً أن يمر، في حال اعتماده، عبر الأردن ومنها إلى إسرائيل، قبل تسليمه إلى السلطة الفلسطينية.

وفي المحصلة، انتهت المرحلة التي كانت فيها منظمة التحرير تملك في لبنان نفوذاً سياسياً وعسكرياً ومالياً واسعاً، وغابت القيادات التي صنعت تلك المرحلة، فيما بقي إرثها موزعاً في السجلات والشوارع والمحاكم.

أما قضية أشرف دبور، فربما لم تكن سوى لحظة أعادت الماضي إلى الحاضر، وذكّرت بأن ما تتركه الحروب وراءها لا يكون دائماً ركاماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *