وأظهر تحليل جديد أن شظايا من هذا الإرث الوراثي القديم موجودة لدى جميع المجموعات السكانية التي شملتها الدراسة، بما في ذلك مناطق من الجينوم كان يُعتقد سابقا أنها تخص الإنسان الحديث فقط.
ويمثل الإنسان الحديث (Homo sapiens) فرعا واحدا من شجرة تطورية بشرية واسعة. فقد عاشت إلى جانبه مجموعات بشرية قديمة أخرى، من بينها إنسان نياندرتال وإنسان دينيسوفا. وانتشر النياندرتال في أوروبا وغرب آسيا، بينما يُعرف دينيسوفا بشكل أساسي من خلال اكتشافات محدودة في سيبيريا والتبت.
وبعد خروج الإنسان العاقل من إفريقيا، التقت مجموعات بشرية مختلفة عدة مرات وتزاوجت فيما بينها، وهو ما ترك آثارا واضحة في جينومات البشر المعاصرين، إذ يحمل سكان مناطق عديدة شظايا من الحمض النووي للنياندرتال ودينيسوفا.
لكن من الأصعب بكثير تحديد ما إذا كانت لقاءات مماثلة حدثت قبل الهجرة الكبرى للإنسان العاقل من أفريقيا قبل نحو 70 ألف عام. ففي مناطق أفريقيا جنوب الصحراء، لم تُكتشف حتى الآن جينومات قديمة كاملة لسلالات بشرية أخرى يمكن استخدامها للمقارنة المباشرة، كما أن الظروف المناخية الحارة تسرّع تحلل الحمض النووي، ما يجعل الطرق التقليدية للبحث عن آثار وراثية قديمة شبه غير فعالة.

وللتغلب على هذا التحدي، طور الباحثون طريقة رياضية جديدة تحمل اسم TRACE، تعتمد على تحليل جينومات البشر المعاصرين للكشف عن آثار أسلاف قديمة مفقودة.
ولا يمتلك كل جينوم بشري شجرة نسب واحدة، بل يحتوي على آلاف الأشجار التطورية الصغيرة، إذ تنتقل أجزاء مختلفة من الصبغيات من الآباء إلى الأبناء، ثم تختلط وتتجزأ خلال عملية إعادة التركيب الجيني. ومن خلال دراسة بنية هذه الأجزاء، يمكن للعلماء تقدير مدى قدم الأسلاف المشتركين الذين تنحدر منهم.
ويعود معظم جينوم الإنسان الحديث إلى أسلاف مشتركين عاشوا قبل نحو 100 إلى 200 ألف عام. لكن المناطق التي ورثها الإنسان من مجموعات بشرية انفصلت عنه منذ زمن بعيد تبدو مختلفة، إذ تظهر في أشجار النسب المعاد بناؤها بفروع طويلة بشكل غير معتاد، نتيجة تطورها لفترة طويلة بشكل مستقل قبل اندماجها في جينوم الإنسان العاقل.
ويعمل نظام TRACE على تتبع هذه الفروع عبر الصبغيات وتحديد المناطق التي تحمل خصائص تشير إلى أصل وراثي قديم. وللتحقق من فعاليته، حلل الباحثون 503 جينومات حديثة تمثل مجموعات سكانية مختلفة حول العالم.
وأظهرت النتائج أن نحو 2% من الحمض النووي لدى البشر خارج أفريقيا يرتبط بسلالات بشرية قديمة. وتمكن العلماء من مطابقة نحو نصف هذه الشظايا مع جينومات معروفة لإنسان نياندرتال، بينما تطابق جزء صغير منها مع إنسان دينيسوفا.
أما بقية المناطق فلم تتطابق مع أي حمض نووي قديم معروف حتى الآن. ووفقا للدراسة، شكل هذا الإرث الوراثي المجهول ما بين 0.5% و1% من الجينوم بحسب المجموعة السكانية، كما ظهرت آثاره لدى جميع المجموعات التي شملها البحث.
ووفقا لحسابات الباحثين، فإن هذه السلالة البشرية “الشبحية” انفصلت عن الفرع الذي أدى لاحقا إلى ظهور الإنسان الحديث قبل أكثر من 500 ألف عام، وهي فترة تقارب زمن انفصال الخطوط التطورية التي قادت إلى ظهور إنسان نياندرتال ودينيسوفا.
المصدر: Naukatv.ru
إقرأ المزيد
أين أخطأ داروين؟!.. علماء روس يوضحون
أوضح علماء جامعة بيرم الوطنية للبحوث التقنية لماذا لا تزال نظرية التطور لداروين تثير الجدل حتى بعد مرور ما يقرب من قرنين وكيف ترتبط آراء العالم البارز بأحدث الاكتشافات العلمية.

