التعليم

كلفة أن تكون شيعيا في الخليج بعد حرب إيران

مع بدء الهجمات الأميركية – الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، وردّ إيران بشن آلاف الهجمات على دول الخليج التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية، أطلقت بعض هذه الدول، وعلى رأسها البحرين والإمارات والكويت، حملات تضييق واعتقال طالت عشرات من المواطنين، واصفة إياهم بـ “الخونة” الموالين لإيران.

في الكويت اعتقلت القوات الأمنية مجموعة اتهمتها بأنها تخطط لتنفيذ اغتيالات، وجرى تجريد مواطنين من جنسيتهم. في الإمارات جرى اتهام أكثر من 28 شخصا بالانتماء إلى منظمات إرهابية، كما جرى ترحيل مجموعة كبيرة من العمال الباكستانيين. أما في البحرين فقد اعتقلت الحكومة عشرات المواطنين وجردتهم من جنسيتهم.

المشترك في هذه الاعتقالات، التي يتسم بعضها بالكثير من الغموض ونقص الشفافية، أن المستهدفين فيها في كل هذه الدول هم من الطائفة الشيعية، التي تمثّل أقلية في دول الخليج العربية، وتعكس علاقتها بإيران الخمينية الكثير من الإشكاليات الطائفية، وتعرّض أفرادها، أي الطائفة، لكثير من الاضطهاد والملاحقة.

بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران في الإطاحة بالشاه في العام 1979، بدأ روح الله الخميني، المرشد الأعلى الإيراني، بسياسة تصدير ثورته إلى دول الجوار. ومع أن اضطهاد الأقلية الشيعية في الخليج، كان موجودا قبل ثورة الخميني، كما تشرح لـ”الحرة” الباحثة جينيف عبدو، إلا أن أثر ولاية الفقيه على شيعة الخليج، زاد من حساسية علاقتهم بالسلطات السنية في تلك البلاد.

في السادس والعشرين من سبتمبر 1989 مثلا، عقد ملثمون من “حزب الله” اللبناني مؤتمرا صحافيا هددوا خلاله باستهداف المصالح السعودية، بعد إعدام 16 أصولياً شيعياً كويتياً في المملكة. في المؤتمر الصحافي خلف الملثمين، رسمين للمرشدين روح الله الخميني وعلي خامنئي، وشعار “حزب الله” مذيلاً بعبارة “الثورة الإسلامية في الحجاز”.

عبدو التي يتركز عملها البحثي على التحالفات السياسية والدينية المتغيرة داخل المجتمعات الشيعية في الشرق الأوسط، صدر لها مؤخراً كتاب بعنوان “الشيعة في العالم العربي الحديث”، توثق فيه لأحوال الشيعة في الخليج وإشكالية علاقتهم بالسلطة.

تتحدث عبدو عن تاريخ طويل من التهميش ضد الشيعة في معظم الدول العربية، وتحديداً دول الخليج، بما في ذلك السعودية والبحرين والإمارات. لكنها تقول إنه في بعض الحالات، مثل السعودية مثلاً، فإن “السنوات الأخيرة شهدت بعض التحسن مع المجتمعات الشيعية في المنطقة الشرقية، حيث مُنحوا، على سبيل المثال، فرصاً اقتصادية أكبر بكثير في ظل حكم محمد بن سلمان وبرامجه الجديدة”. لكن عبدو تشير إلى أن الوضع لم يتحسن ابداً في البحرين: “بصراحة، الوضع صار أسوأ بكثير منذ انتفاضة عام 2011”.

تشكّل البحرين حالة خاصة في الخليج، مع وجود أكثرية شيعية في البلاد محكومة من أقلية سنية، لكن يُنظر إلى هذه الأكثرية على انها أقلية في المحيط الخليجي الأوسع، خصوصاً أن مجلس التعاون الخليجي يتدخل أمنياً وعسكرياً في البحرين عند الحاجة لقمع الانتفاضات الشيعية، كما حدث في فترة الربيع العربي، حيث دخل درع الجزيرة إلى البحرين وقمع المتظاهرين الشيعة ضد الحكام البحرينيين عام 2011.

تشرح عبدو أن الحكومة البحرينية تقول منذ خمسة عشر عاماً إنها ستعالج القضية الشيعية وستوقف التهميش والتمييز، ولكن الواقع على الأرض مختلف تماماً.

“لأنني زرت البحرين مرات عديدة لإجراء أبحاث ووجدت أن الشيعة لا يزالون مهمشين اقتصادياً وسياسياً. لقد حرموا بعض الناس من الجنسية وسحبوها منهم، وعاقبوا رجال الدين وسجنوهم. لذلك، الوضع لم يتغير”.

وترى عبدو أن الوضع في البحرين والإمارات صار أسوأ بأشواط منذ الحرب مع إيران. وتقول: “يتعرض الناس للاعتقال، لكن الأمر لا يتوقف عند ذلك. في الإمارات، استُهدف الشيعة لا لارتكابهم جرائم بالضرورة، وإنما بسبب انتمائهم المذهبي. هذا تمييز ديني موثق جيدا من جماعات حقوقية. ولا يقتصر الأمر على الاعتقال، بل يمتد أيضا إلى الترحيل”.

تشير عبدو إلى أن بعض الاتهامات قد تكون حقيقية، لكن تصرف السلطات ينطوي على كثير من التمييز، ويجري انتهاك حقوق الإنسان في عمليات الاعتقال وتوجيه التهم.

“في حالة الإمارات، هم يقومون بترحيل الباكستانيين الشيعة، نعم، يعيدونهم إلى باكستان. وأيضاً في الإمارات، يقومون بممارسات مثل تجريد الناس من ملابسهم بمجرد نقلهم إلى مراكز الاحتجاز. الأمر لا يقتصر على الاعتقالات فقط، وهم يفعلون ذلك في البحرين أيضا. إنه إذلال”.

وكانت وكالة رويترز قد نقلت شهادات شيعة مرحّلين من دبي، أحدها لمهندس باكستاني يشغل منصب مدير في مترو دبي، يصف فيها صدمة ترحيله المفاجئ بعدما أمضى 16 عاماً في الإمارات. ويقول للوكالة عن اللحظات الأولى لاحتجازه في أحد مراكز التوقيف: “كل ما رأيته هناك كان باكستانيين وأفغان، ولكن جميعهم كانوا من الشيعة. لم يكن هناك أي شخص لديه سجل جنائي، ولم تكن هناك أي تهم موجّهة لأي شخص هناك باستثناء كونه شيعيا”.

وقال ​مايكل بايج نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة هيومن رايتس ووتش للوكالة إن التقارير الواردة عن ترحيل مقيمين من الشيعة الباكستانيين من الإمارات “مقلقة جدا”، مؤكداً أن المنظمة “تجري تحقيقا في ​هذه المزاعم الخطيرة”.

يتخذ الأمر في كثير من الحالات منحى كيدياً وسياسياً بحتاً، كما تشرح عبدو: “في البحرين، على سبيل المثال، يتهمون بعض الشيعة بالتجسس. كانت هناك حوادث بعد اغتيال علي خامنئي خلال الحرب، قام فيها بعض الشيعة في البحرين بالتعبير عن حزنهم جراء ذلك، فتم اعتقالهم، وهو أمر طبيعي بالنسبة للشخص الشيعي الذي يتبع ولاية الفقيه أن يحزن لمقتل مرجعه الديني، فالمرشد الأعلى هو الموجه الروحي لبعض الشيعة في العالم العربي، ومع ذلك اعتقلت السلطات الأشخاص الذين أظهروا أي مظاهر حداد أو حزن على وفاة خامنئي في البحرين. لقد اعتقلوا ووُجهت إليهم تهم التجسس”.

طبعا كان هناك في البحرين بعض الممارسات من الشيعة التي يمكن اعتبارها مستفزة للسلطات، خصوصاً عندما قام مواطنون بحرينيون شيعة بالاحتفال بالصواريخ والمسيرات الإيرانية وهي تستهدف بلادهم، لكن يتفق كثير من الناشطين الحقوقيين ان هذا التعاطف لا يعني بالضرورة خيانة وتجسس وسواها من التهم الفضفاضة التي يجري استخدامها لتبرير اعتقال العديد من الشيعة في دول الخليج. 

ونقلت منظمة العفو الدولية عن وسائل إعلام كويتية معلومات عن إصدار السلطات الكويتية أحكاما بحق 204 متهمين على خلفية تهم تتعلق بالتعبير عن التعاطف مع “العدوان الإيراني”، و”إثارة الفتنة الطائفية”، و”إذاعة أخبار كاذبة”. كما وثقت المنظمة اعتقال أكثر من 1,000 شخص في حملة قمع واسعة ضد مظاهر التعبير المرتبطة بالحرب في الدول الخليجية ككل، ومن ضمن المعتقلين شيعة عبروا عن تعاطفهم مع إيران.

جمال حسن محرر صحفي في العديد من المواقع العربيه والمصريه والاخبارية أكثر من هدة سنوات في مجال التدوين والصحافة خريج جامعه الأزهر الشريف قسم علوم

كل مقالات الكاتب

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *