في خضم موجة الحر القياسية التي تضرب فرنسا، وتسببت في مئات الوفيات الإضافية وضغط غير مسبوق على المستشفيات، وجهت مسؤولة بارزة في باريس انتقادات حادة إلى الولايات المتحدة، محملة إياها جزءاً من المسؤولية عن التغير المناخي الذي أدى إلى تفاقم الظواهر الجوية المتطرفة.
وجاءت تصريحاتها رداً على موجة سخرية أطلقها سياح أمريكيون ومؤثرين، بسبب محدودية استخدام أجهزة تكييف الهواء في فرنسا.
*باريس ترد على الانتقادات الأمريكية*
أثارت أودري بولفار، نائبة عمدة باريس للعلاقات الدولية، جدلاً واسعاً بعدما وجهت رسالة لاذعة إلى عدد من الصحفيين والمؤثرين الأمريكيين الذين انتقدوا العاصمة الفرنسية، بسبب عدم انتشار أجهزة التكييف داخل المنازل والفنادق.
وقالت إن بعض الأمريكيين أمضوا الأيام الماضية في السخرية من الفرنسيين والأوروبيين، معتبرين أنهم غير قادرين على تحمل درجات الحرارة التي اعتاد عليها سكان بعض الولايات الأمريكية الحارة.
وأضافت أن هذه الانتقادات تتجاهل حقيقة أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية كبيرة في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري، بحسب ما نشرته صحف فرنسية.
*اتهام مباشر لواشنطن بالمساهمة في الاحتباس الحراري*
وأكدت بولفار أن الولايات المتحدة، باعتبارها ثاني أكبر دولة في العالم من حيث انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، تتحمل نصيباً كبيراً من المسؤولية عن موجات الحر التي تعانيها فرنسا ودول أخرى.
وأضافت أن اعتماد المدن الأمريكية بشكل واسع على أجهزة تكييف الهواء، والتي تنتشر في نحو 90% من المباني، ليس بعيداً عن المشكلة البيئية الحالية.
واختتمت رسالتها بقولها: «كفى إلقاء المحاضرات علينا..ابدأوا أولاً بالقيام بدوركم في حماية الكوكب».
*لماذا لا يستخدم الفرنسيون التكييف بكثرة؟*
وعلى عكس الولايات المتحدة، لا تتجاوز نسبة المنازل المزودة بأجهزة تكييف في فرنسا ربع إجمالي المنازل.
ويعود ذلك إلى قناعة راسخة لدى كثير من الفرنسيين بأن التكييف يضر بالبيئة ويزيد من استهلاك الطاقة.
وأظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «إيبسوس» أن 78% من الفرنسيين يعتقدون أن أجهزة التكييف لها تأثير سلبي في البيئة، بينما أكد واحد من كل ستة مشاركين أنه يفضل تحمل الحر بدلاً من الإضرار بالمناخ.
*موجة حر غير مسبوقة تغير المواقف*
لكن موجة الحر الأخيرة، التي تجاوزت خلالها درجات الحرارة حاجز 40 درجة مئوية في مناطق واسعة من فرنسا، دفعت الكثيرين إلى إعادة النظر في هذه القناعات.
وشهدت متاجر الأجهزة الكهربائية إقبالاً غير مسبوق على شراء أجهزة التكييف المحمولة، فيما انتشرت مقاطع فيديو لطوابير طويلة أمام المتاجر، واندفاع الزبائن للحصول على الأجهزة فور وصولها.
*ألف وفاة إضافية بسبب الحرارة*
وكشفت بيانات أولية صادرة عن هيئة الصحة العامة الفرنسية أن البلاد سجلت نحو ألف وفاة إضافية مقارنة بالمعدلات المعتادة منذ ذروة موجة الحر التي بلغت أوجها الأربعاء الماضي.
كما ارتفعت الوفيات داخل المنازل بنسبة تقارب 40% خلال الفترة نفسها، في مؤشر على التأثير الخطير لدرجات الحرارة المرتفعة، خاصة على كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
*الصحة تحذر: الأسوأ لم ينتهِ بعد*
وحذرت وزيرة الصحة الفرنسية ستيفاني ريست من أن تداعيات موجة الحر لا تنتهي بانخفاض درجات الحرارة، مشيرة إلى أن آثارها الصحية قد تستمر أياماً أو حتى أسابيع.
وأوضحت أن العديد من المرضى، بمن فيهم بعض الشباب، قد يصلون إلى أقسام الطوارئ بعد مرور خمسة إلى عشرة أيام من انتهاء موجة الحر، بينما قد تستمر المضاعفات لفترة أطول لدى المصابين بالأمراض المزمنة.
وأضافت أن المستشفيات ستظل تحت ضغط كبير حتى بعد تحسن الأحوال الجوية.
*آلاف البلاغات وحالات وفاة في باريس*
وفي العاصمة باريس، تعاملت خدمات الطوارئ مع نحو 3400 بلاغ خلال 24 ساعة فقط، وهو رقم يزيد بأربع مرات عن المعدلات الطبيعية.
كما سجلت فرق الإسعاف 30 حالة توقف مفاجئ للقلب خلال الفترة نفسها.
وفي مقاطعة إيفلين غرب باريس، توفيت فتاة تبلغ من العمر 12 عاماً إثر إصابتها بضربة شمس، بينما نجح المسعفون في إنقاذ شقيقها البالغ 15 عاماً.
*الغرق يحصد عشرات الضحايا*
ولم تقتصر خسائر موجة الحر على الوفيات الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة، إذ أعلنت السلطات الفرنسية وفاة 74 شخصاً غرقا أثناء محاولتهم الهروب من الحر عبر السباحة.
ومن بين الضحايا رجل لقي مصرعه في قناة سان مارتان بالعاصمة باريس بعدما سبح في منطقة غير مخصصة للسباحة.
*سكان ينامون في الحدائق وانقطاع الكهرباء يزيد الأزمة*
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، اضطر عدد كبير من سكان باريس إلى قضاء الليل في الحدائق العامة هرباً من حرارة الشقق السكنية، بينما لجأ آخرون إلى استئجار غرف فندقية مزودة بأجهزة تكييف.
ورغم أن العواصف الرعدية ساهمت في خفض درجات الحرارة، فإنها تسببت أيضاً في انقطاع الكهرباء عن أكثر من 36 ألف منزل في عدة مناطق فرنسية، إضافة إلى تأثر نحو 1300 منزل في باريس بانقطاع التيار الكهربائي لأكثر من 30 ساعة، ما أدى إلى تعطل المصاعد والثلاجات والمراوح.
