في منتصف يونيو الماضي هاجم داعش مقراً أمنياً في الرقة. يومها لم يعلن السيطرة على المقر، ولم يرفع فوقه رايته السوداء، فقط هاجم ثم انسحب. بعد أيام، نفذت القيادة المركزية الأميركية ضربة شمال غربي سوريا قتلت قيادياً بارزاً في التنظيم. وفي خلفية الحدثين، كان ملف آلاف المحتجزين المرتبطين بداعش يُعاد ترتيبه بين سوريا والعراق.
ما يحدث حاليا ليس عودة داعش إلى حكم المدن. ما يحدث أخطر من ذلك: تنظيم أضعف، لكنه يتعلم كيف يختبر دولة لم تكتمل بعد.
هذه التحركات وقعت في سوريا التي لا تزال مؤسساتها قيد إعادة البناء بعد انهيار حكم بشار الأسد في أواخر 2024، والسلطة الجديدة في دمشق، بقيادة أحمد الشرع، تحاول بسط نفوذها على مناطق كانت تديرها قوى محلية مسلحة، بينما أجهزة الدولة والأمن قيد إعادة التشكيل.
لم يعد السؤال: هل داعش يقدر على استعادة “الخلافة”؟ وإنما بات: هل يستطيع التنظيم تحويل فراغات المرحلة الانتقالية إلى تمرد، قد يكون محدودا لكنه مستمر ومكلف.
تنظيم أضعف لكنه لم يرحل
ديفورا مارغولين، الباحثة البارزة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، تحدد الإطار بوضوح في حديثها مع “الحرة”: داعش “لم يُهزم”، لكنه “بعيد جداً” عن مراحل صعوده السابقة من حيث الدعم والقدرات والموارد.
بالنسبة إليها الخطر الآن يتجاوز عودة “الخلافة”، وإنما بقاء تنظيم قادر على استغلال الثغرات الأمنية وخلق مناخ مستمر من عدم الاستقرار.
لم يعد داعش اليوم يحتاج إلى رفع رايته السوداء فوق مدينة كي يبرهن عن وجوده، يكفيه هجوم على مقر أمني، أو كمين على طريق، أو تبنّي عملية في منطقة رخوة، كي يصنع انطباعاً بأنه قادر على الحركة.
وتقول مارغولين إن التنظيم يستخدم الهجمات المعلنة لتضخيم صورته، وترهيب السكان، واستغلال مناطق تفتقد سلطة الدولة الراسخة.
لكن جيمس جيفري، السفير الأميركي السابق، المبعوث السابق للتحالف الدولي ضد داعش، يقدم في حديثه مع “الحرة” قراءة أكثر اطمئناناً. وفي رأيه، يبقى نشاط التنظيم في سوريا محدوداً، والبيئة الأمنية “مستقرة وتتحسن”.
ويشير جيفري إلى أن الهجمات الأخيرة تسببت في خسائر محدودة في صفوف قوات الأمن السورية، في مقابل استمرار عمليات الاعتقال والاستهداف ضد عناصر التنظيم.
لكن القلاقل الأمنية تبقى مستمرة على قلتها، والثلاثاء قتل شخص وأصيب 36 جراء انفجارين وقعا قرب مبنى وزارة السياحة السورية، تزامنا مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للعاصمة دمشق.
وبينما تباينت التحليلات الأولى بشأن هوية المنفذين، بين داعش أو فلول النظام السابق، بدا أن الواقعة التي استخدمت فيها مواد بدائية الصنع تستهدف أساسا توجيه رسالة في توقيت مهم، وإظهار غياب السيطرة الأمنية.
أهم ما في قراءة جيفري أن أسباب ضعف داعش تتجاوز الضغوط الأمنية إلى خسارة التنظيم خصماً كان يمنحه مادة تعبئة جاهزة، وسقوط النظام السابق، كما يرى، سحب من التنظيم إحدى حججه القديمة الشهيرة: القتال ضد نظام علوي متحالف مع إيران.
لسنوات، استثمر داعش في هذه السردية لتجنيد أنصاره وتبرير حربه. أما اليوم، فقد سلبته السلطة الجديدة في دمشق، رغم هشاشتها، تلك الرواية. ولذلك يرى جيفري أن سوريا لا توفر بيئة مناسبة لعودة واضحة للتنظيم.
وتعني هذه القراءة أن الخطر باق على هيئة أخرى: تنظيم يفتقد البيئة السياسية والقدرات السابقة، ويبقى مع ذلك قادراً على تنفيذ هجمات محدودة حينما تسنح فرص مناسبة.
هل يعدّل داعش أولوياته؟
هنا ينتقل خلاف الخبراء إلى سؤال يفرض نفسه: هل النشاط الحالي مجرد بقايا تنظيم محاصر؟ أم تمرد محدود يستطيع الاستمرار إذا بقيت الفراغات مفتوحة؟
نانار هواش، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية، يميل إلى القراءة الثانية ويقول لـ“الحرة” إن داعش “أصغر وأقل نشاطاً مما كان، لكنه منظم”.
في رأيه، لا يكفي عدّ الهجمات لفهم ما يحدث، فالتنظيم قد يكون بصدد تعديل أولوياته: من تركيز أكبر على قوات سوريا الديمقراطية، إلى اختبار مباشر لمؤسسات الحكومة السورية الجديدة.
تبقى قوات سوريا الديمقراطية في دائرة الاستهداف، ومعها يرى التنظيم في مؤسسات السلطة الجديدة هدفاً سياسياً مناسباً لاختبار المرحلة الانتقالية.
وهكذا ينبغي قياس التحول الحالي بالرسائل التي تحملها عمليات داعش بصرف النظر عن عددها. والتنظيم اليوم يختبر قدرة الأجهزة الأمنية الجديدة ومعها شرعية السلطة نفسها في مناطق لم تستقر بعد.
تسيطر السلطة الجديدة في دمشق على مساحة أوسع مما تستطيع تأمينه بالكامل. وهذه، بالنسبة إلى هواش، النقطة المركزية.
ويستغل داعش ذلك بالبحث عن أماكن يكون فيها حضور الدولة أضعف: البادية، الريف الشرقي، أطراف المدن، والطرق التي تربط مناطق خرجت حديثاً من يد قوة محلية وانتقلت إلى سلطة لم تثبت حضورها بعد. وفي تلك المناطق، قد يكون لهجوم صغير أثر يتجاوز حجمه العسكري.
كما أن داعش، بالنسبة إلى هواش، لا يقصر تحركاته على نطاق جغرافي. إنه يتسلل كذلك إلى الشقوق الأيديولوجية التي تركتها المرحلة الانتقالية، مخاطباً المتشددين الذين يرون أن قيادة دمشق تخلت عن “القضية”، ويستميل مقاتلين أجانب يبحثون عن سردية بديلة.
وبهذا المعنى، يصبح التهديد معركة من أجل الشرعية داخل معسكرات مسلحة سابقة، لا مجرد مسألة أمنية على أطراف المدن.
خطر على الطريق
بالنسبة إلى أيمن جواد التميمي، مدير مكتب سوريا في منتدى الشرق الأوسط، خطر داعش اليوم خرج من المدن وصار على الطرق: عند صهريج نفط، أو قافلة، أو نقطة أمنية مكشوفة.
ويضع التميمي هذا النشاط في خانة “تمرد منخفض المستوى”. ويقول لـ“الحرة” إن هجمات داعش المعلنة تتراوح عادة بين بضع عمليات أو عدة عمليات شهرياً، موزعة بين دير الزور والرقة وريف حلب قرب الحدود التركية، ودمشق، وحماة وإدلب.
ويعني هذا الانتشار أن التنظيم قادر على العمل في نقاط متباعدة، وعلى تحويل مناطق محددة إلى مساحات خطر بالنسبة إلى فئات معينة.
درجات الخطر تتفاوت بالتالي، فالمواطن العادي الذي يتنقل في مدينة سورية أو على طريق رئيسي قد لا يشعر بأن داعش عاد إلى حياته اليومية. لكن الصورة تختلف بالنسبة إلى سائق صهريج نفط يعبر منطقة رخوة، أو قوة أمنية تتحرك في ريف مفتوح، أو قافلة تمر في طريق يعرف التنظيم تضاريسه جيداً.
وبحسب هذه القراءة، لم يعد داعش يحتاج إلى السيطرة على طريق كي يجعله خطراً، ولا إلى حكم منطقة كي يرفع كلفة العمل فيها. يكفيه فقط هجوم على شاحنة، أو استهداف نقطة أمنية، أو إرباك خط إمداد، كي يوجه تهديداً مباشراً لمن يعملون في قطاعات حساسة.
الخطر الحالي، في تقدير التميمي، يتركز على احتمال تنفيذ هجمات كبيرة من حين إلى آخر، أو ضرب مصالح حيوية في مناطق رخوة. كما أن بيانات داعش العلنية لا تعكس كل ما ينفذه أو يحاول تنفيذه، ربما لأسباب أمنية.
ما تكشفه الضربات الأميركية
هذا المستوى من الخطر لا يكفي لإعلان عودة داعش، لكنه يكفي لإبقاء التنظيم على جدول العمليات الأميركية.
وفي 24 يونيو، أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن ضربة نُفذت في شمال غرب سوريا قتلت علي حسين العليوي، الذي وصفته بأنه قيادي بارز في داعش.
وقالت سنتكوم إن العملية جاءت ضمن جهود مستمرة لتعطيل من يسعون إلى مهاجمة الأميركيين في الخارج أو داخل الولايات المتحدة. وأكد قائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر أن واشنطن وشركاءها سيواصلون العمل من أجل “اجتثاث ما تبقى من فلول داعش”.
وتدل هذه الضربات على أن واشنطن تتعامل مع داعش بوصفه ملفاً مفتوحا، كما تكشف أيضاً حدود العمل العسكري، فاستهداف القيادات يضعف الشبكات لكنه يعجز بمفرده عن معالجة الظروف التي تسمح للخلايا بالبقاء والتحرك وهي ضعف الحكم المحلي، وتوتر العلاقة بين المركز والأطراف، واضطراب الحدود، وتعقيد ملفات السجون والمخيمات.
المحتجزون: من ملف سوري إلى عبء إقليمي
ملف المحتجزين يظل عنصرا آخر ينبغي الالتفات إليه. وتقدم البيانات الأميركية أرقام المحتجزين بصيغتين متقاربتين: هم أكثر من 5,700 وفق القيادة المركزية، ونحو 6,000 وفق مكتب مدير الاستخبارات الوطنية. وفي الحالتين، كان الهدف المعلن منع داعش من إعادة بناء نفسه داخل السجون والمخيمات.
لكن القضية تتجاوز الرقم، والسؤال هو هل ينهي نقل المحتجزين المشكلة أم ينقلها إلى مكان آخر؟
تحذر مارغولين من أن المخيمات والمعتقلين قد يمنحون داعش، إذا أسيئت إدارة الملف، موارد مهمة: مقاتلين محتملين، وشبكات اجتماعية، وجيلاً شابا نشأ في بيئة مشبعة بأفكار التنظيم.
لكنها تشدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم التعامل مع المحتجزين ككتلة واحدة، فبعضهم يبقى على تأييده للتنظيم، وبعضهم لم يكن مرتبطاً به بعمق، وآخرون ابتعدوا عنه.
هواش يلتقي مع هذا التحذير من زاوية أخرى. فالمحتجزون، بالنسبة له، ليسوا مجرد ملف أمني داخل السجون، بل جزءا من بيئة أوسع يمكن أن يستثمرها التنظيم إذا بقيت بلا معالجة سياسية وقانونية واجتماعية.
ويقدم جيفري قراءة معاكسة، فهو يرى أن ملف المحتجزين مُنح أكبر من حجمه، ويرى أيضا أن إنهاء احتجاز آلاف الأشخاص لدى القوات الكردية قد يزيل، لا يضيف، إحدى القضايا التي كان داعش يستغلها في التحريض بين العرب والأكراد.
وفي رأيه، لم يكن كل من وُضع في تلك الدوائر مقاتلاً أو خطراً أمنياً مباشراً، بل كان بينهم أفراد عائلات ومن كانت صلتهم بالتنظيم محدودة.
وهنا يلفت التميمي إلى زاوية أخرى: مع نقل أعداد كبيرة من المحتجزين إلى العراق، بات الملف عراقياً بقدر ما هو سوري، لأن بغداد ستتحمل جانباً أكبر من تبعات الاحتجاز والمحاكمة والتعامل مع مواطني دول أخرى أو عائلات المقاتلين.
ويربط هذا مستقبل داعش باستقرار سوريا، وكذلك بقدرة العراق على إدارة عبء أمني وقانوني طويل الأمد.
خطر انتقائي لا عودة شاملة
يعني كل ذلك أن هجمات داعش الأخيرة لا تقدم تفسيرا واحدا بقدر ما تضع إطارا لرؤية المشهد.
في قراءة جيفري، داعش تهديد محدود ضمن بيئة تتحسن، أما في قراءة مارغولين وهواش، فهو تهديد مزمن يجد فرصته في الثغرات. ويضعه التميمي في المنتصف: تمرد منخفض المستوى، لا يحكم الأرض ولا يفرض خوفاً عاماً على السكان كما فعل في السابق، لكنه يعرف كيف يجعل بعض الطرق والمناطق والأنشطة الاقتصادية أكثر كلفة وخطورة.
هجوم الرقة، وضربة شمال غرب سوريا، ونقل المحتجزين إلى العراق ليست وحدها دليلاً على عودة داعش. لكنها تضع التنظيم مجدداً في قلب حسابات الأمن الإقليمي.
تكشف الأسابيع الأخيرة أن داعش يبقى بعيدا عن حكم المدن وأن خطره أصبح أكثر تحديداً وانتقائية: أقل حضوراً في حياة السكان اليومية، لكنه لا يزال قادراً على تهديد الطرق، والقوافل، والمواقع الأمنية، والفراغات التي لم تُغلق بعد.
داعش لا يختبر اليوم قدرته على إقامة دولة، بقدر ما يختبر قدرة سوريا الجديدة على تثبيت واحدة.


تعليقات