في عمق جبال الحجر بإمارة الفجيرة، وعلى بُعد نحو 45 كيلومتراً من المدينة، يتربع وادي الوريعة كأحد أبرز الكنوز الطبيعية في دولة الإمارات، حيث تلتقي الينابيع والجداول (القنوات) المائية، بالتنوع الحيوي الفريد، في مشهد يجسد ثراء البيئة الإماراتية ويعكس التزامها الراسخ بحماية التراث الطبيعي.
ولا يُعد الوادي مجرد محمية طبيعية، بل منظومة بيئية متكاملة تمتد على مساحة 220 كم2، تضم أكثر من 1099 نوعاً من الكائنات الحية، من بينها ما لا يقل عن 114 نوعاً من الطيور، و20 نوعاً من الثدييات، و30 من الزواحف والبرمائيات، و216 نباتاً، وحيوان الوشق، إلى جانب أنواع نادرة ومهددة بالانقراض، مثل الطهر العربي وثعلب بلانفورد، ما يجعله أحد أهم المواقع البيئية في المنطقة.
عيونه المائية
يتميز الوادي بشلاله الطبيعي الدائم وعيونه المائية، التي شكّلت على مدى قرون مصدراً للحياة في هذه المنطقة الجبلية، وأسهمت في تكوين نظام بيئي استثنائي، ويحتضن نباتات نادرة، من أبرزها زهرة الأوركيد البرية (إبيباكتيس فيراتريفوليا)، التي تُعد الوحيدة من نوعها في دولة الإمارات.
كمت يمثل محطة مهمة للبحث العلمي، إذ أسهمت الدراسات البيئية في إعادة اكتشاف أنواع نادرة من الكائنات الحية، وتوثيق وجودها داخل المحمية وسميت باسمها بعد اكتشافها، بما يعزز مكانة الوادي بوصفه مختبراً طبيعياً لدراسة التنوع الحيوي في المنطقة.
ولا تقتصر أهمية الوادي على قيمته البيئية، بل يمتد حضوره إلى البعد التاريخي والثقافي، إذ ارتبط عبر مئات السنين بحياة المجتمعات المحلية، ويجاور عدداً من المعالم التاريخية البارزة، من بينها مسجد البدية، أقدم مسجد قائم في دولة الإمارات.
قيمة استثنائية
يبرز هذا الإرث الطبيعي في صدارة الاهتمام الدولي، مع تقدّم دولة الإمارات العربية المتحدة بملف ترشيح وادي الوريعة لإدراجه على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، باعتباره موقعاً طبيعياً ذا قيمة عالمية استثنائية.
ويرتكز ملف الترشيح بصورة رئيسية على المعيار التاسع (ix)، الذي يُعنى بتمثيل العمليات البيئية والبيولوجية المستمرة ذات الأهمية العالمية، وذلك لما يجسده الوادي من تكامل فريد بين التكوينات الجيولوجية، والينابيع العذبة الدائمة، والموائل الطبيعية التي حافظت على استمراريتها عبر آلاف السنين.
ويستند الملف إلى سلسلة من الاعترافات الوطنية والدولية التي حظي بها الوادي، حيث أُعلن محمية طبيعية عام 2009، وأُدرج ضمن قائمة الأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية وفق اتفاقية رامسار عام 2010، وأصبح أول متنزه وطني في دولة الإمارات عام 2013، قبل أن يُسجل محمية للمحيط الحيوي ضمن برنامج الإنسان والمحيط الحيوي التابع لليونسكو عام 2018.
حماية التراث
في إطار متابعة هذا الترشيح الدولي، تشارك هيئة الفجيرة للبيئة في أعمال لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو، التي تستضيفها مدينة بوسان في جمهورية كوريا خلال الفترة من 19 إلى 29 يوليو الجاري، وذلك بالتنسيق مع الجهات الوطنية المعنية، في خطوة تعكس التزام دولة الإمارات وإمارة الفجيرة بحماية التراث الطبيعي، وتعزيز حضوره على الساحة الدولية، وترسيخ مكانة وادي الوريعة بوصفه موقعاً ذا قيمة عالمية استثنائية يستحق الإدراج على قائمة التراث العالمي.