بعد تجدد الهجمات الإيرانية.. ما مصير السلام في مضيق هرمز؟

بعد تجدد الهجمات الإيرانية.. ما مصير السلام في مضيق هرمز؟

ضربات جديدة، وطلب نجدة، وخطر انفجار ناقلة غاز مسال قطرية بعدما أصيبت بمقذوف في مضيق هرمز، تلاحقت لتشعل الموقف من جديد.

أعادت الهجمات الأخيرة على الناقلة القطرية، وأخرى سعودية، إشعال الوضع في منطقة يفترض أنها خرجت للتو من حرب، وتختبر فرص السلام باتفاق مؤقت.

تفرض تساؤلات نفسها على المشهد: لماذا تصر إيران على استمرار الهجمات؟ وما مصير الاتفاق بعد إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أنه “انتهى”، وهل تستطيع الأطراف الدولية التدخل بفعالية بعد إعلان رغبتها إطلاق بعثة دولية في الممر المائي الهام؟

ظلت إيران طوال الفترة التي تلت إعلان الاتفاق المؤقت في 17 يونيو تهدد الملاحة في المضيق، وهاجمت بالفعل سفنا عابرة، وأعلنت مرارا رغبتها في السيطرة عليه وفرض رسوم.

وفي تصعيد لافت، الثلاثاء، قالت طهران إنها استهداف مواقع عسكرية أميركية في البحرين والكويت، بعد أن ضربت القوات الأميركية أهدافا إيرانية ردا على هجمات استهدفت ناقلات نفط وغاز في مضيق هرمز. من بينها سفينة “الركيات” القطرية و”وديان” السعودية.

وألغت واشنطن إعفاء كان يسمح لإيران ببيع النفط.

وفي تطور سريع، أكد ترامب، قبل انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا، أن مذكرة التفاهم “انتهت (..) إذا أبرمنا اتفاقا مع إيران، فإنني لست متأكدا من أنه سيستمر، لأنني وجدت أنهم أناس غير شرفاء على الإطلاق”. وقال إنه لا يرغب في الدخول في مفاوضات مع طهران، كما حذر من شن ضربات إضافية.

لكن، وفيما بدا أنه تخفيف في نبرته لاحقا، أشار ترامب إلى أنه سيسمح للمفاوضين بمواصلة عملهم مشيرا إلى أنه غيّر رأيه بشأن عقلانية القادة الإيرانيين، بعد أن تعرف عليهم.

التصعيد الأخير أدى إلى زيادة المخاوف المتعلقة بالسلامة والأمن في مضيق هرمز، وأظهرت بيانات شحن أن 4 ناقلات نفط وغاز على الأقل عادت أدراجها بدلا من محاولة عبور المضيق.

وكانت حركة الملاحة عبر الممر المائي شهدت انتعاشا، خلال الأسبوع الماضي، لكن أعداد السفن بقيت أقل من المتوسط ​​اليومي الذي كان قبل بدء الحرب على إيران في 28 فبراير، مع استمرار الهجمات وزيادة حجم المخاطر المحيطة بالملاحة على الرغم من إدراج بنود تتعلق بالعبور الآمن في الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران.

وقفزت أسعار النفط، الأربعاء، مع ارتفاعي الخام الأميركي 6.86 في المئة إلى 75.27 دولار للبرميل، وارتفع خام برنت إلى 79.50 دولار للبرميل، بزيادة 7.2 في المئة خلال اليوم. وزادت أيضا عوائد سندات الخزانة الأميركية.

ولم يقل الرئيس الأميركي صراحة إن واشنطن ستستأنف الحرب الشاملة، ولم يتضح بعد ما إذا كانت المفاوضات بين الجانبين لتحويل وقف إطلاق النار إلى اتفاق دائم ستستمر أم لا.

ويعتقد عماد جاد، الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في مصر، أن إيران لا تبالي بالاتفاق الذي يسمح بحرية الملاحة، لأنها مقتنعة بأن الولايات المتحدة لن تشن حربا أخرى عليها.

جيمس هولمز، وهو باحث في كلية الحرب البحرية الأميركية، قال لـ”الحرة” إن الهجمات التي شنتها إيران خلال الأسابيع الأخيرة رسالة بأنها ترغب في فرض سيطرة دائمة على حركة المرور عبر المضيق، بما في ذلك الحق في إصدار تصاريح للسفن بالعبور وفرض رسوم مرور أو “إتاوات”، أو “أياً كانت التسمية الملطفة التي يطلقونها”.

وحددت الولايات المتحدة مسارا بديلا للسفن بمحاذاة الساحل العماني، لكن طهران ترغب في استخدام المسار الشمالي المحاذي لساحلها لفرض سيطرتها، لذا فهي تحاول ردع السفن عن استخدام المسار الجنوبي، أو دفعها للإبحار دون تشغيل أنظمة التعرف الآلي (AIS) وغيره من أنظمة الملاحة، يقول هولمز.

من وجهة النظر الإيرانية، يقول إيان رالبي، وهو باحث أميركي متخصص في قضايا الأمن المائي، فإن الولايات المتحدة “انتهكت” مذكرة التفاهم بإطلاق تهديدات، بعدما قال ترامب إنه “سينجز المهمة” في حال عدم التوصل إلى اتفاق سلام ضمن الإطار الزمني المحدد، وفي الوقت ذاته، تقول طهران إنها تريد على السيطرة على المضيق وتهدد السفن العابرة إذا لم تلتزم بمساراتها.

واستهداف السفن خلال الساعات الماضية انعكاس لهذا الموقف الذي تتبناه طهران منذ فترة طويلة، يقول رالبي لـ”الحرة”.

مطامع إيران في هرمز

بموجب الاتفاق المؤقت، وافقت إيران على السماح للسفن بالمرور من المضيق لمدة 60 يوما دون رسوم، لكنها تقول إن صياغة الاتفاق تسمح لها بالاحتفاظ بالسيطرة على تحديد السفن المسموح لها بالمرور والطريق التي تسلكها.

ومن المنظور الأميركي، يقول الضابط العسكري الأميركي، هولمز، لـ”الحرة” إنه لا يبدو منطقيا أن تواصل طهران نهجها الحالي، لأنه يأتي بنتائج عكسية تضر بمصالحها.

والدليل على ذلك، أن البحرية الأميركية تمكنت من فرض حصار فعال بعدما عطلت فعلا صادرات إيران إلى العالم الخارجي، وألحقت بها أضرارا اقتصادية جسيمة.

وحتى مع قدرة الحرس الثوري الإيراني على تهديد الملاحة في الممر المائي، تستطيع الولايات المتحدة خنق الاقتصاد الإيراني انطلاقاً من بحر العرب أو خليج عمان. ومن شأن ذلك أن يدفع طهران إلى إبداء مرونة لإبرام اتفاق سلام وفق الشروط الأميركية.

غير أن الواقع يشي بغير ذلك، وفق هولمز، فقادة الجمهورية الإسلامية يرون أنهم خرجوا منتصرين في الجولة الأولى من الحرب، وفقاً لمفهومهم الخاص للنصر.

وبالنسبة إلى جاد، فإن النظام في إيران عقائدي لا يقر بهزيمة لذلك “يحاول كسب نقاط لتمكينه من ادعاء الانتصار وأن إيران القوة الأهم إقليميا”.

ومن هذا المنطلق، فهو يحاول التلاعب بالمفاوض الأميركي من خلال تصريحات متضاربة، تهدف فقط إلى تحقيق مكاسب سياسية.

والأمر بالنسبة لإيران يتمحور حول “المقاومة”، بعد ظل النظام صامدا رغم كل ما تعرض له من ضربات جوية عنيفة، وهم يدركون جيداً أنهم يتمتعون بميزة إستراتيجية في مضيق هرمز، يقول هولمز.

والحملة الجوية الأميركية على إيران، رغم فعاليتها، لم تدمر كافة القدرات والوسائل التي يستخدمها الحرس الثوري لتهديد الملاحة، وما دام الحرس الثوري يحتفظ بجزء من ترسانته الصاروخية وطائراته المسيرة، وزوارقه البحرية، سيظل قادراً على التهديد بإغلاق المضيق.

وهذا الأمر كفيل بإثارة مخاوف شركات التأمين وملاك السفن، وبالتالي تعطيل حركة الملاحة خشية التعرض لهجمات.

ويشكك هولمز في إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام يجسد المبادئ المنصوص عليها في مذكرة التفاهم، وهو أمر زاد تأكيدا بعد التطورات الأخيرة.

ويعتقد جاد أن طهران ستبقى على هذا الموقف طالما لم تحسم الولايات المتحدة الأمر عسكريا، خاصة أنها تتعامل مع نظام عقائدي لا يقبل بالحلول الوسط.

كما تراهن طهران أيضا على أن تفضي انتخابات الكونغرس الأميركي في نوفمبر إلى أغلبية ديمقراطية قد تقيد تحركات ترامب، يقول جاد.

انقسام النخبة الإيرانية

تأتي هذه التطورات بينما تشهد النخبة الإيرانية حالة من الانقسام بشأن وقف الحرب، ففي حين يسود توافق على ضرورة انتزاع مكاسب اقتصادية وإنهاء الحرب، تبرز هوة عميقة بين التيار البراغماتي، الذي يفضل الحلول الدبلوماسية التوافقية لإنهاء الحصار، وبين التيارات المتشددة (مثل الحرس الثوري) التي تعارض تقديم أي تنازلات بشأن ملفات تمنح إيران أوراق ضغط قوية، مثل قضية مضيق هرمز.

وبدت الهوة أكثر وضوحا في التصريحات العلنية، فعندما أعلن وزير الخارجية، عباس عراقجي، فتح الممر، شنت المنصات المتشددة الموالية للدولة هجوما عنيفا ضده باعتبار أن مثل هذه التصريحات تضعف إيران استراتيجيا.

ونقلت صحفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، في تقرير لها الشهر الماضي، عن مسؤولين مطلعين على المفاوضات إن صراعا داخل السلطة في طهران يهدد محادثات السلام، إذ يسعى قادة مدنيون للحصول على مليارات الدولارات من الأصول المجمدة، بينما يضغط مسؤولون عسكريون متشددون من أجل السيطرة على المضيق.

ووفقاً للتقرير، فإن أولوية الرئيس، مسعود بزشكيان، تبقى إنعاش الاقتصاد الإيراني من خلال الحصول على الأموال المجمدة في قطر، بينما يسعى الحرس الثوري إلى فرض سيطرة على المضيق، وفرض رسوم تستخدم في تعزيز القدرات العسكرية لبلاده ووضعها الأمني الإقليمي.

وذكرت الصحيفة أن مسؤولين إيرانيين قدّروا أن الرسوم قد تجلب عائدات بنحو 40 مليار دولار سنويا.

وبصرف النظر عن الخلافات، يعتقد هولمز أن إيران تتخذ موقفا إستراتيجيا واضحا، إذ كانت “ثابتة في مطالبها بالسيطرة، حتى عندما توافقت على مضض على إبقاء المضيق مفتوحا”.

بالنسبة إلى رالبي، لا يبدو واضحا مدى وحدة الموقف الإيراني، وقد يشير هذا إلى أن “التجاذبات الفصائلية” داخل البلاد تخلق أشكالا جديدة من الخلاف وحالة من عدم اليقين، لكن يبدو أن المضيق ورقة ضغط “ستظل حاضرة” في المستقبل.

وقال: “ستكشف الأيام عما إذا كان صبر الأطراف قد نفد، أم أن هذه الخطوة مدروسة ستؤدي في النهاية إلى تحقيق مزيد من المكاسب الإستراتيجية لإيران، تماشياً مع رغبتها في الحفاظ على سيطرتها على مضيق هرمز”.

بعثة دولية

وفي خضم الصراع الذي لا يتوقف، كشفت دول أوروبية عن رغبتها في المساعدة في تأمين المضيق بعد انتهاء الحرب، عبر تشكيل تحالف من 12 دولة لضمان المرور الآمن عبر المضيق بمجرد انحسار التوترات أو تسوية النزاع.

لكن هذه الرغبة تصطدم بموقف إيراني رافض تماما لأي وجود عسكري في المنطقة.

ورفضت طهران، الأسبوع الماضي، تصريحات للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ألمح فيها إلى هذه البعثة.

وقال دبلوماسيون لرويترز إن باريس ولندن تأملان في إطلاق بعثة أولية في خليج عُمان، وهو ممر مائي مجاور يربط بحر العرب بمضيق هرمز، تطل عليه كل من إيران وسلطنة عُمان والإمارات.

وجاء في بيان مشترك فرنسي-بريطاني صدر في 3 يوليو: “وافقت سلطنة عُمان على العمل مع المملكة المتحدة وفرنسا لضمان سلامة الملاحة في مياهها الإقليمية السيادية”.

ويعتقد خبير الأمن المائي رالبي أنه سيتم تعليق هذه المهمة بعدما شمل التصعيد الأخير أهدافا أميركية أيضا وليس فقط سفنا عابرة للمضيق.

وما لم يُحسم الصراع العسكري، يستبعد رالبي، أن تُقدم القوى الأوروبية على دخول المنطقة والعمل فيها باستخدام أي شكل من أشكال القوة العسكرية، حتى لا تبدو متورطة في الصراع، وبالتالي توسيع نطاق الحرب.

ويشكك هولمز في قدرة هذه البعثة في التأثير على إيران، بعدما خاضت حربا مريرة ضد القوات الأميركية والإسرائيلية.

 ويقول: “هل ستشعر (إيران) بالرهبة أمام البحرية الفرنسية، وهي أسطول يمتلك مجموعة قتالية واحدة لحاملة طائرات، أو أمام البحرية الملكية البريطانية التي واجهت صعوبة في إرسال مدمرة واحدة فقط لفترة وجيزة إلى شرق البحر المتوسط ​​خلال ذروة القتال العنيف؟”

وسيعتمد تحرك هذه المهمة بفعالية إلى حد كبير على كيفية سير عملها، بحسب ما يقول الباحث الذي يتوقع أن تعمل إما بنظام القوافل، أو من خلال وضعية أكثر ثباتا تتمثل في نقاط حراسة ومراقبة.

ولم تبد البحرية الأميركية حماساً كبيراً لفكرة القوافل، لذا يرجح أن تميل إلى نهج الحراسة والمراقبة، لكن المشكلة تكمن في أنه حتى مع وجود مهمة من هذا النوع، “يكفي أن تهدد إيران حركة الملاحة لشل حركة المرور”.

 وفي حال استشعرت شركات الشحن والتأمين قلقا من الوضع الأمني، ستظل السفن بلا حراك راسية في مواقعها.

ويبدي هولمز تشككاً في أن تكون المهمة متعددة الجنسيات فعالة بنسبة 100 في المئة في التصدي للزوارق السريعة أو الطائرات المسيرة أو صواريخ الحرس الثوري.

مع العلم أن هذا التصدي ضروري لطمأنة السفن التجارية.

جمال حسن محرر صحفي في العديد من المواقع العربيه والمصريه والاخبارية أكثر من هدة سنوات في مجال التدوين والصحافة خريج جامعه الأزهر الشريف قسم علوم

كل مقالات الكاتب

جمال حسن محرر صحفي في العديد من المواقع العربيه والمصريه والاخبارية أكثر من هدة سنوات في مجال التدوين والصحافة خريج جامعه الأزهر الشريف قسم علوم