القومية العربية في كأس العالم: اللعب بلا ملعب

القومية العربية في كأس العالم: اللعب بلا ملعب

مع كل كأس عالم تشارك فيه منتخبات عربية، يعود النقاش حول قدرة كرة القدم على جمع الشعوب التي تتكلم لغة الضاد.

تشتد مع هذه النقاشات النبرة القومية العربية، ورغبة البعض في أن يكون المونديال مدخلا لتوحيد العرب كأمة واحدة. وفي هذا محاولة إحياء تجارب تاريخية عديدة، انتهت أغلبها بالفشل، تحاول ضم كيانات وجمع دول، كما حدث في محاولات الوحدة بين سوريا ومصر، أو تلك بين العراق وسوريا، وبين العراق والأردن فيما سمي بالاتحاد العربي الهاشمي.

وإذ شكّل جمال عبد الناصر رافعة لشعار الوحدة العربية، لم ينجح نظامه، لأسباب سياسية وديموغرافية عديدة، في تحقيق تلك الوحدة، بل زادت في ظل الناصرية الانقسامات العربية، فلم تصمد الوحدة المصرية مع سوريا، واندلعت حرب اليمن لتعكس خلافات عميقة بين الناصرية والسعودية، ثم جاءت “نكسة” العام 1967 لتزيد الطين بلة، وبدأت الأحلام القومية العربية – وكانت كوابيس بالنسبة إلى كثيرين – بالتراجع مع وفاة عبد الناصر.

وإذا كان المونديال بابا لعودة النقاش حول القومية العربية، فمن أسباب فشل المشروع القومي العربي، أنه بدا في مقاربته للعروبة، كمن يريد أن يلعب كرة القدم من دون وجود ملعب. فالملعب العربي، بمعناه الإطاري، الجغرافي والديموغرافي والثقافي، هو ما كان غائبا دوما، ولا تكفي اللغة وحدها، في الحالة هذه، لجعل الملاعب والرياضات، ملعبا واحدا ورياضة واحدة.

ولطالما كانت ملاعب كرة القدم ملجأً للمشاعر القومية المحظورة، كما يخبرنا إدواردو غاليانو في كتابه “كرة القدم في الشمس والظل”. ففي زمن دكتاتوريّة فرانكو، كان الكتلانيون والباسكيون يصرخون في استاد كامب نو في برشلونة، واستاد سان ماميس في بيلباو، ويغنّون بلغتهم الوطنيّة، ويشهرون أعلامهم السريّة.

وبحسب غاليانو، فإن بعض الصراعات السياسية العميقة كانت تحدث في الملاعب قبل وقوعها في ميادين القتال، مثل حرب تفكّك يوغسلافيا التي أربكت العالم كلّه، “فالأحقاد القديمة بين الصرب والكروات كانت تبرز إلى السطح كلّما تواجَه نادِيا بلغراد، وزغرب وعندئذٍ كان المشجّعون يكشفون عواطفهم الدفينة، ويُظهرون رايات وأغنيات من الماضي كأنّها فؤوس حربيّة”.

وبالقياس نفسه على هذه النسخة من كأس العالم، يمكن أن نجد تناقضات كثيرة ترتبط بالتشجيع وتفضيل منتخب على آخر. وإذا كانت هذه النسخة قد سمحت بمشاركة 8 منتخبات عربية، بعد رفع عدد المنتخبات المشاركة من 32 الى 48، فإن التشجيع العربي لهذه المنتخبات خضع في كثير منها لحسابات سياسية وحساسيات محلية او إقليمية. فالجزائريون مثلا يشجعون في غالبيتهم أي فريق يلعب ضد المغرب، أكان عربيا أم غير عربي، بسبب الحساسيات بين البلدين التي وصلت إلى حد أن تقوم وسائل إعلام جزائرية بحذف المغرب تماما من الأخبار الرياضية، فإذا فاز المغرب على كندا، يأتي الخبر بصيغة “إقصاء المنتخب الكندي من كأس العالم”، من دون الإشارة إلى المغرب نهائيا!

في المقابل، فإن المغاربة بغالبيتهم، بالمثل، لا يشجعون المنتخب الجزائري. ولديهم حساسية ضد المنتخب المصري، تعود إلى النسخة الأخيرة من كأس أفريقيا التي استضافها المغرب، حيث كانت الجماهير المغربية تشجع مصر، حتى خرجت تصريحات من الجهاز الفني المصري تنتقد التنظيم، فتحول المغاربة فجأة عن تشجيع مصر إلى التشجيع ضدها.

وأبعد من ذلك، فإن المغاربة لديهم إشكالية في تصنيف بلدهم دولة عربية، فتجد تعليقات كثيرة على السوشيل ميديا تصحح لوسائل إعلامية تصنف المغرب “منتخبا عربيا” بأن المغرب ليست عربية، لأن في المغرب أمازيغ غير عرب ولا يقبلون ان تُمحى هويتهم بصبغ بلادهم بهوية عربية حصرا.

تعقيدات مماثلة ستجدها بين الأردن والعراق، بسبب تراكمات، بعضها قديم يعود إلى زمن صدام والملك حسين، فيما كان هذان البلدان محكومين في بدايات القرن الماضي من العائلة الهاشمية نفسها.

كانت القضية الفلسطينية حاضرة في هذه النسخة في حسابات كثير من الجماهير العربية، وقد خلقت غزة حالة من التعاطف العربي في توجيه التشجيع ضد منتخبات معينة، أو مع منتخبات أخرى لصالح السياسة. فكثير من العرب شجعوا المنتخب الإيراني وتعاطفوا معه بسبب قصف إيران لإسرائيل في الحرب الأخيرة. لكن تفاجأ كثيرون حينما شاهدوا الفلسطينيين في غزة يهتفون للمنتخب المصري ضد المنتخب الإيراني. هؤلاء أعلنوا استهجانهم من عدم تعاطف الغزاويين كرويا مع إيران “بعد كل ما فعلته لهم في السياسة والحرب”، على حد تعبيرهم. لكن يغيب عن هؤلاء عمق التداخل المصري الفلسطيني في غزة، التي كانت لفترة طويلة تحت الحكم المصري، وكثير من الغزاويين يحملون حتى في لغتهم اللكنة المصرية والكثير من العادات والتقاليد المشتركة مع مصر.

وحضرت الأعلام الفلسطينية في الملاعب، وكذلك الإسرائيلية. وجود العلم الإسرائيلي مع مشجعين أرجنتينيين زاد من حدة التشجيع العربي ضد المنتخب الأرجنتيني كرويا. بعض المشجعين العرب الكلاسيكيين للأرجنتين وجدوا أنفسهم في موقف محرج، عندما لاعبت الأرجنتين مصر وأخرجتها من البطولة في مباراة شابها كثير من الانتقادات لأداء الحكم ودور الفيفا.

ونال مدرب المنتخب المصري حسام حسن شعبية كبيرة، لا بسبب أداء الفريق المصري الكروي فحسب، بل بشكل أساسي لأنه رفع العلم الفلسطيني بعد فوز مصر على استراليا، وبعد تصريحات له في مؤتمر صحافي عن إهدائه الفوز للشعب الفلسطيني. كما نال كثيرا من التشجيع على صدامه مع جماهير أرجنتينية تحمل العلم الإسرائيلي.

وفي حين يحتفي جمهور عربي بمدرب مصر لأسباب أيديولوجية وسياسية تتصل بالصراع مع إسرائيل، تخرج تغريدة للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات وحاكم دبي، ليهنئ مصر، ويقول كلاماً مشحوناً بنبرة قومية عربية، عن أن “فرحة العرب اليوم مصرية.. أداء بطولي.. وروح قتالية.. ومباراة ممتعة للفراعنة.. كل التوفيق لجميع العرب.. كل الفرحة لشعوبنا العربية”.

ومعروف أن الإمارات حليف أساسي لإسرائيل والدولة التي وقعت اتفاقات إبراهام معها.

لهذا فإن التعقيدات السياسية والثقافية والتاريخية المتعلقة بالقومية العربية وحضورها في كأس العالم، تبدو شبيهة جدا بحالة كرة القدم نفسها، التي تستطيع أن تقلب لاعبا معبودا من الجماهير، إلى منبوذ بمجرد أن يخطئ، أو تحلّ “ساعة النحس للقدم الذهبية” كما يقول غاليانو، وتستطيع الكرة بدورانها بين الرؤوس والأرجل في الملعب، ودخولها في شباك الخصم، واحيانا بالخطأ في شباك الفريق نفسه، أن تقلب الموازين وتعيد خلط الأوراق، فتجمع بين الأعداء أو تفرق بين الأصدقاء، وأحيانا بتسديدة طائشة، تطير خارج حدود الملعب كله.

جمال حسن محرر صحفي في العديد من المواقع العربيه والمصريه والاخبارية أكثر من هدة سنوات في مجال التدوين والصحافة خريج جامعه الأزهر الشريف قسم علوم

كل مقالات الكاتب

جمال حسن محرر صحفي في العديد من المواقع العربيه والمصريه والاخبارية أكثر من هدة سنوات في مجال التدوين والصحافة خريج جامعه الأزهر الشريف قسم علوم