هناك لحظة في كل حرب خاسرة تُصبح فيها اللغة آخر سلاح متبقٍ. تنفد الذخيرة، وتنهار الجبهات، ويبقى البيان. وقد شهدنا هذا الأسبوع نموذجًا يُدرَّس: حركة حماس تعلن حلّ حكومتها في غزة، ويقدّم رئيس لجنتها الحكومية استقالته “الرسمية”، وتُسلَّم مفاتيح القطاع إلى لجنة تكنوقراط شكّلها “مجلس السلام” الذي أنشأه دونالد ترامب، وبحضور مراقب أممي يدوّن الملاحظات.
ثم يخرج الناطق الرسمي ليشرح لنا أن هذا كله “تأكيد على الجدية” و”سحب للذرائع من الاحتلال”.
يا للعبقرية. عشرون عامًا من الحكم بالحديد والنار والأنفاق، تنتهي باستقالة موظف وتسليم أختام لموظفين آخرين يقيمون في القاهرة لأنهم ممنوعون أصلًا من دخول القطاع الذي سيحكمونه، ويُراد منا أن نصدق أن هذا فصل جديد من فصول “النصر الإلهي”.
سؤال بريء للمهايطين
أين هم الآن؟ أين جوقة “النصر الاستراتيجي” الذين ملؤوا الشاشات والمنصات منذ أكتوبر 2023 يبشروننا بأن إسرائيل “انتهت” وأن “الطوفان” غيّر وجه التاريخ؟ أين أساتذة “الوعي” الذين كانوا يشرحون لنا أن الدمار الشامل ليس هزيمة بل “استنزاف للعدو”؟
نريدهم اليوم أن يشرحوا لنا معادلة بسيطة: كيف يكون تسليم الحكم – الغنيمة الوحيدة التي جنتها الحركة من انقلاب 2007 – إلى لجنة صنعها البيت الأبيض… انتصارًا؟
الجواب معروف سلفًا، لأننا سمعناه من قبل. سمعناه كثيرًا.
أرشيف الهزائم المنتصرة
هذه المنطقة تملك أغنى أرشيف في العالم لفنّ تسمية الهزيمة بغير اسمها.
في يونيو 1967، كان أحمد سعيد يصرخ عبر “صوت العرب” بأن طائرات العدو تتساقط “كالذباب”، بينما كان سلاح الجو المصري كله يحترق على المدارج. لم تسقط الطائرات، سقطت سيناء والجولان والضفة — لكن البيان انتصر.
وفي 2003، وقف محمد سعيد الصحاف على أسطح بغداد يبشّر بأن “العلوج” يُذبحون على الأسوار، بينما كانت دباباتهم خلف ظهره في الصورة ذاتها. صار الرجل مادة كوميدية عالمية، لكن مدرسته لم تُغلق أبوابها يومًا؛ بل يبدو أنها افتتحت فرعًا في غزة.
وحتى خارج الإقليم، حين اضطر الإمبراطور هيروهيتو إلى إعلان استسلام اليابان عام 1945، لم يستطع نطق الكلمة، فقال لشعبه إن الوضع الحربي تطوّر “على نحو ليس بالضرورة في مصلحة اليابان”. قنبلتان ذريتان، وإمبراطورية مسحوقة، و”ليس بالضرورة في مصلحتنا”. على الأقل كان الرجل يملك حياءً لغويًا؛ أما عندنا فالاستسلام نفسه يُعلَن بوصفه “خطوة مسؤولة لإنجاح ترتيب البيت الداخلي”.
ولا ننسى صاحب “لو كنت أعلم” — الجملة الوحيدة الصادقة التي قيلت بعد حرب 2006، قبل أن تُدفن سريعًا تحت ركام “النصر الإلهي”. فالاعتراف بالخطأ عند هذه المدرسة زلّة لسان، أما الكارثة فعقيدة.
كتب المؤرخ الروماني تاكيتوس قبل ألفي عام، على لسان كالغاكوس، زعيم قبائل كاليدونيا الذي قاوم الغزو الروماني لجزيرة بريطانيا: “يصنعون خرابًا ويسمونه سلامًا”. مدرسة الإسلام السياسي طوّرت المعادلة: تصنع الخراب في أرضها هي، ثم تسميه نصرًا.
تشريح “الجدية المطلقة”
لنقرأ البيان بعين باردة، كما يستحق. تقول الحكومة المستقيلة إن “كافة الاستعدادات والترتيبات الإدارية والقانونية لعملية الاستلام والتسليم” أُنجزت، وإن الموظفين جاهزون للعمل “تحت مسؤولية اللجنة الوطنية والالتزام بتوجيهاتها”.
ترجمة هذا الكلام من لغة البيانات إلى لغة السياسة: الحركة التي رفعت شعار “النصر أو الشهادة” اكتشفت خيارًا ثالثًا لم يرد في الأدبيات “أو اللجنة”.
الحركة التي قدّمت غزة قربانًا لمحور طهران، وقيل لنا إن حربها ستفتح القدس، تنتهي إلى تسليم إدارة النفايات والمعابر والرواتب لهيئة تكنوقراط برعاية أميركية. المشروع الذي كان “فوق الدولة” و”فوق الجغرافيا” و”فوق الحسابات”، صار تحت إشراف مراقب من الأمم المتحدة يحضر جلسات التسليم والاستلام.
وحتى هذا “التنازل التاريخي” لم يقنع أحدًا؛ فالمسؤول الإسرائيلي وصفه بأنه تضليل بلا معنى، لأن السؤال الحقيقي – السلاح – ما زال معلقًا. أي أن الحركة تنازلت عن الحكم الذي خسرته فعليًا تحت الأنقاض، واحتفظت بالبندقية التي جلبت الأنقاض. هذا ليس “سحب ذرائع”، هذا احتفاظ متعمد بالذريعة الوحيدة التي تهم.
البنية لا تتغير
من يعرف هذه المدرسة لا يفاجأ. التنظيم الذي يضع نفسه فوق الدولة لا يعترف بالهزيمة لأن الهزيمة عنده ليست واقعة عسكرية بل أزمة عقائدية؛ والاعتراف بها يعني الاعتراف بأن المرشد أخطأ، وأن الدماء ذهبت هدرًا، وأن الشعارات كانت بضاعة فاسدة. لذلك تُعاد كتابة الواقع: الانسحاب “تكتيكي”، والاستسلام “ترتيب داخلي”، وتسليم السلطة “سحب ذرائع”، والخراب الشامل “صمود أسطوري”.
الدول تُحاسب قادتها بعد الهزائم؛ التنظيمات تحاسب من يجرؤ على تسميتها. هذا هو الفرق الجوهري بين منطق الدولة ومنطق الجماعة، وهو الفرق الذي دفعت غزة ثمنه كاملًا، من لحمها الحي، على مدى عقدين.
خلاصة باردة
في السياسة، كما في المحاسبة، الأرقام لا تجامل: حكمتَ عشرين عامًا، خضتَ حربًا اخترتَ توقيتها، فخسرتَ الحكم، ودُمّرت الأرض، وبقي السلاح ورقتك الأخيرة على طاولة يديرها خصومك ووسطاؤك معًا. هذا اسمه في كل قواميس الأرض: هزيمة. ويمكن للمهايطين أن يسمّوه ما شاؤوا – “مرحلة”، “مناورة”، “نصرًا مؤجلًا” – فاللغة صبورة، والورق يتحمل.
لكن التاريخ، بخلاف البيانات الصحفية، لا يُصدر نسخة منقحة. سيُسجَّل ببساطة أن الحركة التي وعدت بالطوفان، سلّمت المفاتيح للجنة.
وأن أحمد سعيد والصحاف وجدا، أخيرًا، خلفًا يليق بالمدرسة.
