تخطَّ إلى المحتوى
إقتصاد

هل تعوض التقنية الانكماش السكاني في اليابان؟

Ahmed Shokre3 دقائق قراءة0 مشاهدة

لعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الولايات المتحدة تدخلت أخيراً، بالتنسيق مع اليابان، لدعم الين في سوق الصرف، وقد بدا ذلك، للوهلة الأولى، وكأنه دفاع عن عملة حليف إستراتيجي. لكن القراءة الاقتصادية الأعمق تشير إلى ما هو أبعد من ذلك، استقرار اليابان لم يعد شأناً يابانياً خالصاً، بل جزءاً من استقرار النظام المالي العالمي، الاقتصادات الكبرى لم تعد جزراً مستقلة، بل عقداً مترابطة في شبكة واحدة، واهتزاز إحداها قد يمتد إلى الجميع.

ومع ذلك، فإن التدخل في سوق العملات لا يستطيع معالجة أصل المشكلة، قد تستطيع الحكومات شراء السندات، دعم العملات، وخفض أسعار الفائدة أو رفعها، لكنها لا تستطيع شراء جيل من الشباب، ولا استعادة السنوات التي لم يولد فيها أطفال الأمس. ليست مشكلة اليابان في قيمة الين كما نراه في الأخبار، بل في عدد الأيدي التي تكسبه، والعقول التي تستثمره، والمستهلكين الذين ينفقونه.

اليابان تبدو وكأنها تخوض سباقاً من نوع مختلف؛ ليس سباقاً مع دولة منافسة، بل مع الزمن نفسه، فكل إصلاح اقتصادي يتأخر يصبح أكثر كلفة غداً.

وهنا تبرز مفارقة اقتصادية قد تكون من أكثر التحولات أهمية في الفكر الاقتصادي المعاصر، فمنذ الثورة الصناعية الأولى، كان الهدف الرئيسي للتقدم التقني هو زيادة إنتاجية الإنسان، أي أن ينتج العامل الواحد أكثر مما كان ينتجه بالأمس.

اليوم نرى اليابان تدفع بالتقنية لأداء وظيفة مختلفة تماماً؛ فهي لم تعد مجرد رافعة للإنتاجية بل وسيلة للحفاظ على القدرة الإنتاجية للاقتصاد في ظل تناقص عدد المنتجين أنفسهم، ولم تعد التقنية تُستدعى لتوسيع الاقتصاد، بل لحمايته من أن يصبح أصغر.

وهذا التحول يستحق التأمل؛ لأنه قد يعيد تشكيل الطريقة التي ننظر بها إلى التكنولوجيا في الاقتصاد، فإذا كانت كل الثورات الصناعية السابقة قد سعت إلى مضاعفة إنتاجية العامل، فإن اليابان تدفع اليوم بالذكاء الاصطناعي إلى مهمة مختلفة؛ ليس أن يجعل العامل ينتج أكثر، بل أن يجعل الاقتصاد قادراً على الاستمرار رغم تناقص عدد العاملين.

ولذلك، فإن كل روبوت يدخل مصنعاً وكل نظام ذكي يدير مستشفى، وكل خوارزمية تختصر ساعات من العمل -في إطار أهداف طموحة لنشر ملايين الروبوتات بحلول 2040- لا تضيف قيمة اقتصادية جديدة فحسب، بل تحاول أيضا سد الفراغ الذي يتركه الانكماش السكاني، وأصبحت بذلك أحد أهم خطوط الدفاع عن القدرة الإنتاجية في مواجهة آثار التراجع الديموغرافي.

ومع ذلك، فإن التقنية مهما بلغت لا تستطيع أن تحل محل المجتمع، فقد تعوض نقص العمالة برفع إنتاجية الفرد، لكنها لا تعوض انخفاض عدد المستهلكين، ولا تخلق رأس المال الاجتماعي، ولا تحل محل الثقة والعلاقات الإنسانية. ولعل المفارقة الأعمق أن التقنية تستطيع أن تضاعف أثر الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تصنع الإنسان نفسه، فهل تستطيع الإنتاجية أن تعوض الانكماش السكاني؟

الجواب: إلى حد معين، فالاقتصاد لا يقوم على المنتجين وحدهم، بل على المستهلكين، والثقة، ورأس المال البشري المتراكم عبر الأجيال.

أخيراً: اليابان لا تبحث عن النمو وحده، بل عن صيغة جديدة للتوازن بين الإنسان والتقنية، تحافظ على الازدهار في مجتمع ينكمش سكانه. وأصبحت اليابان مختبراً اقتصادياً يراقبه العالم، وربما لا تكون اليابان آخر اقتصاد يواجه هذا السؤال، لكنها قد تكون أول اقتصاد يحاول الإجابة عنه عملياً، بما قد يفتح فصلاً جديداً في الفكر الاقتصادي.

اقتصادي في السياسات الاقتصادية وإدارة إستراتيجيات الأعمال والشراكات الإستراتيجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *