تخطَّ إلى المحتوى
إقتصاد

الإيرادات غير النفطية.. مرآة جودة الاقتصاد

Ahmed Shokre5 دقائق قراءة0 مشاهدة

في تسعينيات القرن الماضي، برزت سنغافورة بوصفها واحدة من أبرز التجارب الاقتصادية في العالم، ليس لأنها نجحت في زيادة الإيرادات الحكومية فحسب، بل لأنها تبنت نموذجًا اقتصاديًا ركز على بناء اقتصاد تنافسي قائم على المعرفة والابتكار والإنتاجية. فقد استثمرت في رأس المال البشري، وطورت منظومتها التعليمية، واستقطبت الاستثمارات النوعية، ورسخت مكانتها مركزًا عالميًا للخدمات المالية واللوجستية والصناعات المتقدمة. ومع اتساع النشاط الاقتصادي وارتفاع إنتاجية الشركات، نمت الإيرادات الحكومية بصورة طبيعية، لتصبح انعكاسًا لقوة الاقتصاد، لا مجرد نتيجة لأدوات التحصيل المالي.

وتقدم هذه التجربة درسًا اقتصاديًا مهمًا؛ إذ تشير تجارب الدول إلى أن جودة الإيرادات غير النفطية لا تُقاس بحجمها فقط، بل بجودة الاقتصاد الذي يولدها. فكلما كان الاقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية وقدرة على إيجاد القيمة، أصبحت الإيرادات الحكومية أكثر استدامة، لأنها تعكس نشاطًا اقتصاديًا حقيقيًا لا مجرد توسع في أدوات التحصيل المالي.

ولذلك، فإن تنويع الإيرادات لا يتحقق بمجرد تعدد مصادر الدخل، وإنما ببناء اقتصاد تتوسع فيه القاعدة الإنتاجية، وترتفع فيه الإنتاجية، وتزداد فيه مساهمة القطاعات القادرة على المنافسة. فالقاسم المشترك بين التجارب الاقتصادية الناجحة أن الإيرادات المستدامة لم تكن نقطة البداية، بل جاءت نتيجة طبيعية لاقتصاد منتج يولد القيمة المضافة ويحفز الاستثمار والابتكار.

وفي السياق ذاته، شهدت السعودية منذ إطلاق رؤية السعودية 2030 إصلاحات اقتصادية وهيكلية واسعة، كان من أبرز نتائجها نمو الإيرادات غير النفطية الحكومية، بما يظهر التقدم في تنويع القاعدة الاقتصادية وتعزيز الاستدامة المالية. فقد ارتفعت الإيرادات غير النفطية من نحو 166 مليار ريال في 2015 إلى أكثر من 505 مليارات ريال في 2025، بزيادة تجاوزت 200% خلال عقد واحد، وهو ما يمثل أحد أبرز مؤشرات التحول الاقتصادي في السعودية.

وقد جاء جانب مهم من هذا النمو نتيجة الإصلاحات المالية التي نُفذت ضمن برنامج التوازن المالي، ثم برنامج الاستدامة المالية، وفي مقدمتها تطبيق ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% في 2018، ثم رفعها إلى 15% في 2020، إلى جانب تطوير كفاءة التحصيل وتنويع مصادر الإيرادات الحكومية. وأسهمت هذه الإصلاحات في تعزيز الاستدامة المالية وتقوية المركز المالي، وأصبحت الإيرادات غير النفطية تمثل ركيزة أساسية في هيكل الإيرادات الحكومية.

ولا يقتصر تحليل الإيرادات غير النفطية على متابعة نموها الكمي، بل يمتد إلى فهم العوامل الاقتصادية التي تسهم في استدامتها. فكلما ارتبط نمو الإيرادات باتساع النشاط الاقتصادي، وارتفاع الإنتاجية، وتعزيز القدرة التنافسية، ازدادت قدرتها على دعم الاستدامة المالية على المدى الطويل. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى نمو الإيرادات غير النفطية بوصفه نتاجًا لتكامل الإصلاحات المالية مع توسع النشاط الاقتصادي.

ومن هنا ينتقل النقاش الاقتصادي إلى مستوى أكثر عمقًا؛ فلم يعد يقتصر على متابعة نمو الإيرادات غير النفطية، بل يمتد إلى دراسة العوامل الاقتصادية التي تسهم في استدامتها، ومدى ارتباطها بالإنتاجية والقدرة على إيجاد القيمة.

وهنا يبرز مفهوم جودة الإيرادات غير النفطية، الذي يمكن النظر إليه بوصفه قدرة الاقتصاد على توليد إيرادات ناتجة عن أنشطة إنتاجية ترفع الناتج المحلي، وتعزز الإنتاجية، وتوفر وظائف ذات قيمة مضافة. وبمعنى آخر، فإن جودة الإيرادات تُقاس بمصدرها قبل حجمها. فليست جميع الإيرادات تحمل الأثر الاقتصادي نفسه؛ فالإيرادات التي تتولد من توسع الصناعة، ونمو الصادرات، وارتفاع إنتاجية الشركات، واستحداث أنشطة اقتصادية جديدة، توفر قاعدة اقتصادية أكثر استدامة، حتى وإن كانت الحصيلة الحكومية تتحقق عبر أدوات مالية مثل ضريبة القيمة المضافة أو غيرها من الضرائب والرسوم. وكلما ارتبطت الإيرادات الحكومية بإيجاد قيمة مضافة داخل الاقتصاد، أصبحت أكثر استدامة وقدرة على دعم النمو طويل الأجل.

وتشير المؤشرات الاقتصادية إلى أن الاقتصاد غير النفطي أصبح يمثل نحو 55% من الناتج المحلي الإجمالي، كما سجل نموًا بنحو 4.9% خلال عام 2025، بما يظهر استمرار توسع الأنشطة الاقتصادية غير النفطية ودورها في دعم النمو الاقتصادي. ومع استمرار مسيرة التحول الاقتصادي، يظل تعزيز الإنتاجية، ورفع تنافسية الشركات، وتوسيع حضور المنتجات والخدمات السعودية في الأسواق الإقليمية والعالمية من العوامل التي تدعم استدامة النمو وتنويع مصادر الإيرادات الحكومية.

وفي هذا الإطار، تمثل الاستثمارات الإستراتيجية أحد أهم الممكنات لتعزيز جودة الإيرادات غير النفطية. فكلما أسهمت الاستثمارات في بناء قطاعات جديدة، وتعزيز المحتوى المحلي، وتطوير سلاسل القيمة، ونقل المعرفة، وتمكين الشركات الوطنية من التوسع، ارتفعت قدرة الاقتصاد على توليد إيرادات أكثر استدامة. ويؤدي صندوق الاستثمارات العامة دورًا محوريًا في هذا التحول، ليس فقط من خلال تحقيق عوائد استثمارية، بل عبر تطوير قطاعات اقتصادية جديدة، وتحفيز استثمارات القطاع الخاص، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، بما يعزز قدرة الاقتصاد على توليد إيرادات حكومية أكثر استدامة.

وفي ضوء ما سبق، يمكن تناول 4 مسارات ذات صلة بجودة الإيرادات غير النفطية:

أولًا: تطوير مؤشرات لقياس جودة الإيرادات.

بحيث لا يقتصر تقييم الأداء على حجم الإيرادات المحققة، بل يمتد إلى قياس مدى ارتباطها بنمو الإنتاجية، والقيمة المضافة، والصادرات، والتوسع الحقيقي للقطاعات الاقتصادية.

ثانيًا: ربط نمو الإيرادات بنمو القطاعات الإنتاجية.

من خلال دعم القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، مثل الصناعة، والخدمات المتقدمة، والتقنية، والخدمات اللوجستية، بما يجعل الإيرادات انعكاسًا للنشاط الاقتصادي الحقيقي.

ثالثًا: تعظيم الأثر الاقتصادي للاستثمارات.

وذلك بتوجيه الاستثمارات نحو المشاريع التي تنقل المعرفة، وتعزز المحتوى المحلي، وتطور سلاسل الإمداد، وتمكن الشركات الوطنية من المنافسة إقليميًا وعالميًا، بما يؤدي إلى رفع الإنتاجية واستدامة النمو.

رابعًا: تحفيز الابتكار والبحث والتطوير.

من خلال ربط الحوافز الحكومية بمستويات الإنفاق على البحث والتطوير، لما لذلك من أثر مباشر في رفع الإنتاجية، وتعزيز القدرة التنافسية، وتوفير قطاعات اقتصادية جديدة تسهم في توليد إيرادات غير نفطية أكثر استدامة.

ويبرز تطور الإيرادات غير النفطية مسار التنويع الاقتصادي الذي تشهده مملكتنا، كما يبرز أهمية استمرار تنمية القطاعات الإنتاجية، وتعزيز الإنتاجية، ودعم نمو القطاع الخاص، وتعميق المحتوى المحلي، وزيادة الصادرات، باعتبارها عوامل تسهم في ترسيخ استدامة النمو الاقتصادي على المدى الطويل. وتكتسب هذه الرؤية أهمية إضافية في ظل مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تستهدف رفع مساهمة القطاع الخاص إلى 65% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعزز تنوع القاعدة الاقتصادية ويرسخ الاستدامة المالية على المدى الطويل.

وفي المحصلة، فإن الإيرادات غير النفطية ليست غايةً في حد ذاتها، بل تُعد إحدى النتائج الطبيعية لتطور النشاط الاقتصادي واتساع القاعدة الإنتاجية. وكلما ارتبط نمو الإيرادات بارتفاع الإنتاجية، وتنوع الأنشطة الاقتصادية، وتعزيز القدرة التنافسية، ازدادت فرص استدامتها على المدى الطويل، لتغدو مرآةً تعكس تطور الاقتصاد وتنوع قاعدته الإنتاجية، بما يعزز دورها بوصفها أحد المؤشرات المرتبطة بالاستدامة المالية.

مستشارة في السياسات الاقتصادية والتخطيط الإستراتيجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *