معززو المناسبات — سبق

معززو المناسبات — سبق

يتناول المقال ظاهرة “معززين المناسبات”، أي حضور مدفوع الأجر يُستخدم لخلق زخم وانطباع بالنجاح في الفعاليات، بوصفها جزءًا من “اقتصاد خفي للمناسبات” يقوم على صناعة الصورة أكثر من التعبير عن مشاركة حقيقية. ويرصد اتساع هذه الممارسة من الأفراح إلى العزاء، بما يثير تساؤلات أخلاقية حول تحول القيم…

في السنوات الأخيرة، برز مفهوم غير معلن لكنه حاضر بقوة في المشهد الاجتماعي، يُعرف بـ”معززين المناسبات”. لم يعد الحضور دائمًا عفويًا أو بدافع المجاملة، بل أصبح في بعض الحالات جزءًا من ترتيب مسبق، يُدفع فيه مقابل مالي لضمان كثافة الحضور وإضفاء طابع الزخم. امتلاء في القاعة، تفاعل ظاهر، وصورة توحي بنجاح الحدث… حتى قبل أن يبدأ.

قد يُشترى الحضور.. لكن الصدق لا يُصنع بالاتفاق

ومع ذلك، ليس كل حضور لتعزيز المناسبة يحمل المعنى ذاته؛ فبين مشاركة تأتي بدافع الوفاء، وأخرى تُنظَّم بمقابل لصناعة الانطباع، يتشكل فرق جوهري يستحق التوقف عنده. هذا التمييز لا يمنح الظاهرة مبررًا، بل يكشف تحوّلًا يستحق القراءة والتأمل.

هذا التحول لا يمكن فهمه بعيدًا عن عصر الصورة. في زمن أصبحت فيه اللقطة هي الرسالة، لم يعد كافيًا أن تُقام مناسبة، بل أن تُعرض بالشكل الذي يُراد لها أن تُرى به. هنا يتحول الحضور إلى عنصر إنتاج، وأداة لتشكيل الانطباع، أكثر من كونه تعبيرًا عن مشاركة حقيقية. والأثر لا يتوقف عند الشكل، بل يمتد إلى ما تستقبله النفوس من معانٍ وانطباعات.

ومع اتساع هذا النمط، يتكشف جانب آخر أكثر عمقًا؛ نشاط اقتصادي غير منظم يمكن وصفه بـ”اقتصاد خفي للمناسبات”. سوق ينمو بصمت، بلا إطار واضح، ويُنتج قيمة قائمة على الانطباع أكثر من الحقيقة. فئات تستفيد منه كمصدر دخل، وجهات تستخدمه لتعزيز صورتها، وواقع يتشكل دون قواعد معلنة، يعيد تعريف معنى الحضور وقيمته.

نراه في قاعات الأفراح، وفي منصات التصوير، وحتى في لحظات يُفترض أنها أبعد ما تكون عن الترتيب.

وحين يمتد هذا النمط خارج حدود المناسبات الاعتيادية… تتجاوز المسألة حدود الشكل إلى ما هو أعمق.

لم يعد الأمر مقتصرًا على الفعاليات الاحتفالية، بل امتد مؤخرًا إلى مناسبات العزاء، في مشهد يثير تساؤلات أكثر حساسية حول تحوّل بعض القيم الاجتماعية. حين يصبح الحضور في لحظات الحزن جزءًا من ترتيب، يتداخل الإنساني مع الشكلي، ويبرز سؤال صعب: هل ما يُقدَّم مواساة حقيقية، أم حضور يُكمل الصورة فقط؟ وعندما يتحول العزاء إلى مشهد مُدار… نفقد واحدة من آخر المساحات التي كانت للصدق الخالص، ويتراجع المعنى دون أن نشعر.

لكن يبقى السؤال الأهم.. هل ما نراه يعكس الحقيقة، أم الصورة فقط؟ وهل فقدت المناسبات شيئًا من روحها حين أصبح الحضور جزءًا من صفقة؟ أم أننا أمام تحوّل يتجاوز الشكل ليطال جوهر القيم الاجتماعية؟

المشكلة لا تكمن في الحضور المدفوع.. بل في لحظة يصبح فيها الصدق خيارًا لا أصلًا.

ختام ما أقوله..

قد يُشترى الحضور، ويُرتب الواقع.. لكن الصدق لا يُستدعى عند الحاجة، ولا يُصنع بالاتفاق. وفي زمن تُدار فيه الصور.. تبقى الحقيقة الوحيدة هي ما لا يمكن ترتيبه.