في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، إحياءً لتقاليد عريقة، تتوافد نساء مكة المكرمة وأطفالهن إلى المسجد الحرام للاحتفال بـ “يوم الخُليّف”، في مشهد يُظهر قوة الاتصال الروحي بين المدينة والكعبة.
تتجدد في مكة المكرمة مع إشراقة اليوم التاسع من شهر ذي الحجة تفاصيل إحدى أعرق العادات الاجتماعية المتوارثة، حيث تتوافد نساء العاصمة المقدسة برفقة أطفالهن نحو المسجد الحرام لإحياء ما يُعرف تاريخياً بـ “يوم الخُليّف”، ليعمرن المطاف والساحات في مشهد استثنائي يجسد عمق الارتباط الروحي بين أهالي مكة والكعبة المشرفة.
تتجلى هذه العادة السنوية حينما تخلو أحياء مكة ويغادر حجاج بيت الله الحرام ومعظم الرجال والشباب إلى صعيد عرفات الطاهر لأداء ركن الحج الأعظم وخدمة ضيوف الرحمن، لتأخذ النساء، اللواتي يُلقبن في هذا اليوم بـ “مؤنسات الحرم”، المبادرة بالتوجه إلى المسجد الحرام منذ الصباح الباكر. حيث يكتسي صحن المطاف بعباءاتهن السوداء، ويقضين يومهن في الطواف والصلاة والدعاء وتلاوة القرآن.
ترتكز تفاصيل “يوم الخُليّف” على الانقطاع للعبادة واستثمار فضل يوم عرفة بالصيام، والمساهمة الفاعلة في إعداد وتقديم وجبات الإفطار للصائمين المتواجدين في جنبات الحرم، في استمرار لعادة أصيلة تضرب بجذورها في أعماق تاريخ المجتمع المكي، إذ حرصت النساء منذ مئات السنين على التواجد في الحرم المكي تعويضاً لغياب الرجال المنشغلين بخدمة قوافل الحجيج في المشاعر المقدسة.
تحمل تسمية هذا اليوم بـ “الخُليّف” دلالات عميقة تعود إلى روايتين متداولتين بين أهالي مكة. تشير الأولى إلى أن التسمية تطلق على كل من “تخلّف” عن أداء فريضة الحج أو المشاركة في خدمة الحجاج لظروف معينة، بينما تذهب الرواية الثانية إلى أن المعنى يكمن في كون النساء “يخلفن” الرجال في عمارة المسجد الحرام وخدمة قاصديه. لتبقى هذه الظاهرة المكية الفريدة شاهدة على تلاحم المجتمع المكي واعتزازه الدائم بالاستئناس بمجاورة أطهر بقاع الأرض.

تعليقات