صخب الحضور.. حينما تتحول “النتائج اللحظية” إلى قناع يخفي تهالك القيم المؤسسية!

صخب الحضور.. حينما تتحول “النتائج اللحظية” إلى قناع يخفي تهالك القيم المؤسسية!

ينتقد المقال ظاهرة “المسؤول النجم” الذي يحقق نتائج رقمية سريعة على حساب حرق الكفاءات وتدمير بيئة العمل، موضحاً أن الأرباح الناتجة عن الضغط والترهيب ليست سوى “خسائر مؤجلة” في رأس المال البشري والقيمي للمنظمة. يدعو الكاتب إلى ربط تقييم القيادات بالقيم والسلوك، لا بالأرقام فقط، عبر إدخال مؤشرات مثل…

في المشهد التنافسي المتسارع، تنبهر الكثير من مجالس الإدارات بظاهرة “المسؤول النجم” الذي يحقق قفزات رقمية مذهلة في وقت قياسي. ومع هذا “الصخب” الذي يملأ تقارير الإنجاز، يغيب عن الأعين تساؤل استراتيجي جوهري: ما هو الثمن الحقيقي لهذه النتائج؟. الحقيقة التي غالباً ما تُحجب خلف الأرقام هي أن بعض هذه النجاحات ليست سوى قناع أنيق يخفي خلفه عملية “حرق” ممنهجة للكفاءات، وتآكلاً في منظومة القيم التي هي الروح الحقيقية لأي منظمة تطمح للبقاء.

إن الخطورة تكمن في أننا بتنا نُكافئ “ماذا” تحقق، ونتجاهل تماماً “كيف” تحقق؛ مما يشرعن نمطاً قيادياً يعتمد على النتائج اللحظية كدرع يحميه من المساءلة عن تدمير الفريق وتفكيك روابط الولاء.

خديعة الأرقام ونزيف “رأس المال غير المرئي”

تعتمد التقارير الدورية على أرقام جافة تصف العائد المالي أو نسبة الإنجاز، وهي لغة محببة لصناع القرار، لكنها لغة صماء حين يتعلق الأمر بـ “كفاءة الإنفاق البشري”. القائد الذي يحقق أهدافه السنوية عبر سياسة “الضغط القصوى” واستخدام الصلاحية كأداة للترهيب، هو في الواقع يستنزف أصولاً غير ملموسة تفوق قيمتها تلك الأرباح اللحظية. عندما ترتفع نسب دوران الموظفين (Turnover)، وتتسرب الكفاءات النادرة نحو المنافسين هرباً من بيئة سامة، فإن المنظمة تخسر “ذاكرتها المؤسسية” و”قدرتها على الابتكار”، وهي خسائر لا تظهر في الميزانية العمومية فوراً، لكنها تنفجر كأزمة كبرى بمجرد رحيل ذلك “المسؤول النجم”.

سيكولوجية “القائد الحارق” وهشاشة المنجز

لماذا يميل البعض للتضحية بالقيم من أجل الأرقام؟ تشير الممارسات السلوكية إلى أن هذا النمط من القيادات غالباً ما يعاني من “قلق التلاشي”؛ فيسعى لبناء مجد شخصي سريع يضمن له الانتقال لمكانة أعلى قبل أن ينكشف تهالك البناء الذي خلفه. هذا القائد يحول الموظفين إلى “أدوات دعم” لصورته الذهنية، ويخنق المبادرة لصالح الامتثال الأعمى، مما يخلق بيئة مطيعة ظاهرياً ولكنها فارغة من الداخل. النجاح هنا “هش” لأنه يرتبط بشخص القائد لا بقوة النظام؛ وبمجرد غيابه، تنهار المنظومة لأنها لم تُبْنَ على قيم مستدامة بل على “خوف” من السقوط الإحصائي.

حقيقة إدارية:

الأرباح التي تتحقق على جثث طموح المبدعين هي في الحقيقة “خسائر مؤجلة”؛ والمنظمة التي تحتفي بالنتائج وتتجاهل السلوك، هي منظمة تشتري حاضرها ببيع مستقبلها.

من إدارة “الكم” إلى حوكمة “الأثر القيمي”

في ظل التحول نحو “التميز المؤسسي” وفق مستهدفات رؤية 2030، لم يعد مقبولاً فصل النتائج عن القيم. “كفاءة الإنفاق” يجب أن تشمل حماية الإنسان كأغلى مورد وطني. حوكمة الأثر تعني أن نُقيّم المسؤول بناءً على قدرته على بناء “نظام حيوي” قادر على العطاء المستدام، وعلى حجم “الصف الثاني” من القادة الذين صنعهم. القائد الحقيقي هو من يترك خلفه فريقاً أقوى، ونظاماً أكثر مرونة، وسمعة مؤسسية تتحدث عنها جودة المخرجات لا ضجيج الاحتفالات.

التناقض بين “التقارير الزاهية” و”المكاتب الباهتة”

هناك فجوة كبرى نعيشها اليوم بين “ما نعلنه” في البيانات الصحفية وبين “ما يعيشه” الموظف خلف مكتبه. المنظمة التي تتحدث عن “السعادة الوظيفية” و”أنسنة الإدارة” في وسائل الإعلام بينما تدار مكاتبها بعقلية مختلفة، هي منظمة تعاني من فصام قيمي يُدمر مصداقيتها. السلوك القيادي هو المختبر الحقيقي للقيم؛ فإذا كان القائد يستخدم الصلاحية لـ “احتواء” الأخطاء وتطوير الفريق، فهو يبني إرثاً. أما إذا كان يستخدمها لـ “الاحتماء” من الفشل الشخصي عبر إلقاء اللوم على الآخرين، فهو يبني جداراً يعزل المنظمة عن الابتكار والنمو.

توصيات عملية لحماية “رأس المال البشري”:

  • تعديل معايير التقييم القيادي: يجب أن يمثل “معدل دوران الكفاءات” و”نتائج استطلاعات بيئة العمل” وزناً لا يقل عن النتائج المالية في تقييم أداء القيادات.

  • الاستثمار في “الأمان النفسي”: شجعوا القادة الذين يمنحون فرقهم مساحة للإبداع دون خوف من مقصلة الأرقام اللحظية؛ فالأمان هو وقود الاستدامة.

  • مواجهة “نجومية الزيف”: لا تنبهروا بالقفزات السريعة قبل التدقيق في “ثمن” هذه القفزات؛ فالبناء الراسخ يحتاج لزمن، والنتائج التي تُحقق بالضغط لا تدوم.

خاتمة

عزيزي القائد.. النتائج هي ثمار عملك، لكن القيم هي الجذور التي تغذي هذه الثمار. فلا تظن أن “صخب الحضور” وكثرة الثناء على أرقامك سيخفي طويلاً تهالك الأساسات السلوكية التي تدير بها فريقك. إن المجد الحقيقي لا يُكتب في تقارير نهاية العام، بل في قلوب وعقول من عملوا معك وشعروا بأنك كنت جسراً لنموهم، لا قناعاً لمطامحك.

النجاح المستدام هو أن ترحل عن مكانك وتظل أرقام المنظمة في صعود، ليس لأنك كنت “سوبر مان”، بل لأنك كنت مهندساً بارعاً بنى نظاماً وقيماً تعيش بعده.

تذكر دائماً:

“الأرقام قد تمنحك ترقية،
لكن القيم هي التي تمنحك خلود الأثر؛
فالمنظمة التي تُضحي بناسها من أجل أرباحها،
تنتهي بخسارة كليهما”.

أحمد علي العمودي
خبير استراتيجي، مستشار تطوير الأعمال
https://ahmedalamoudi.com