حرية التعبير ليست مطلقة… أين يقف القانون؟

حرية التعبير ليست مطلقة… أين يقف القانون؟

يؤكد المقال أن حرية التعبير حق أساسي مكفول دوليًا وداخليًا، لكنه ليس مطلقًا بل منظم بضوابط قانونية توازن بين حرية الفرد وحقوق الآخرين وأمن المجتمع. يوضح الكاتب، مستشهدًا بالمادة 39 من النظام الأساسي للحكم في السعودية، أن القانون لا يعاقب على الرأي بذاته وإنما على تجاوزه إلى التشهير، أو نشر المعلومات…

في زمن أصبحت فيه الكلمة تُنشر خلال ثوان وتصل إلى ملايين الأشخاص بضغطة زر، تبرز حرية التعبير كأحد أهم الحقوق التي يتمسك بها الأفراد، لكنها في الوقت ذاته من أكثر الحقوق التي يُساء فهمها.

فالكثير يعتقد أن حرية التعبير تعني القول دون حدود، بينما الحقيقة القانونية تختلف تمامًا. فحرية الرأي مكفولة، وحرية التعبير مصونة، وحرية الصحافة ركيزة أساسية في أي مجتمع حديث، إلا أن هذه الحريات تخضع لإطار قانوني يوازن بين حرية الفرد وحقوق الآخرين، ويحمي المجتمع من الفوضى الإعلامية.

فعلى المستوى الدولي، أقر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حق كل شخص في التعبير عن رأيه، مع السماح بفرض قيود قانونية لحماية الأمن الوطني والنظام العام وسمعة الأفراد. وهذا يؤكد أن الحرية ليست مطلقة، بل منظمة بضوابط تحقق المصلحة العامة.

أما في المملكة العربية السعودية، فقد نظم النظام الأساسي للحكم هذه المسألة بشكل واضح، حيث نصت المادة (39) منه على ” تلتزم وسائل الإعلام والنشر وجميع وسائل التعبير بالكلمة الطيبة، وبأنظمة الدولة ، وتسهم في تثقيف الامة ودعم وحدتها، ويحظر ما يؤدي إلى الفتنة ، أو الانقسام، أو يمس بأمن الدولة وعلاقاتها العامة ، أو يسيء إلى كرامة الإنسان وحقوقه، وتبين الأنظمة كيفية ذلك”
ومع عناية الدولة بسن الأنظمة والقواعد المتعلقة بحرية التعبير، وما تقرره من ضوابط تتضح حقيقة مهمة:
أن القانون لا يعاقب على الرأي، بل يعاقب على تجاوز الرأي.

فالفارق كبير بين النقد المشروع والتشهير، وبين التعبير المسؤول ونشر المعلومات المضللة، وبين حرية الصحافة واستغلال المنصات للإضرار بالآخرين.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح كل فرد بمثابة منصة إعلامية بحد ذاته، مما ضاعف من حجم المسؤولية القانونية.

التحدي اليوم لم يعد في حماية حرية التعبير، بل في ضبط استخدامها. فالحرية إذا لم تُقيد بالقانون تحولت إلى فوضى، وإذا قُيّدت بشكل غير متوازن أفرغت من مضمونها، وبين هذا وذاك يقف القانون لتحقيق التوازن.

في النهاية، لا تكمن الإشكالية في وجود حرية التعبير، بل في كيفية ممارستها. فالكلمة قد تكون أداة بناء تعزز الوعي والمسؤولية، وقد تتحول إلى وسيلة إضرار إذا تجاوزت حدودها النظامية. وهنا يتدخل القانون ليضع الحد الفاصل، ويحفظ التوازن بين حرية الفرد وحقوق المجتمع من جهة، ومصالح الدولة وأمنها وعلاقاتها العامة من جهة أخرى.