تقنين الاستيراد في مواسم الحصاد المحلي

تقنين الاستيراد في مواسم الحصاد المحلي

ينتقد المقال استمرار فتح باب استيراد الفواكه في ذروة مواسم الإنتاج المحلي، مما يخلق فائضًا في المعروض يؤدي لانهيار الأسعار وتحميل المزارع المحلي الخسائر، رغم قدرة الفواكه الوطنية على المنافسة جودةً وحضورًا. ويشير الكاتب إلى مشكلات في تجانس وجودة بعض الشحنات المستوردة بما يضر بثقة المستهلك، ويدعو لتق…

حين تزدحم الأسواق المركزية بفاكهة مستوردة في وقت ذروة الإنتاج المحلي ؛ تقف فواكه الوطن في زاوية السوق تبحث عن فرصة عادلة لتصل إلى المستهلك.

وهنا ؛ لا تكمن الإشكالية في الاستيراد بحد ذاته، بل في توقيته، وفي غياب تنظيم يراعي موسمية الانتاج المحلي ويوازن بين العرض والطلب في لحظتهما الصحيحة.

تواصل معي عدد من دلالي الخضار والفواكه، وأبدوا تذمّرًا واضحًا من استمرار فتح الاستيراد في مواسم الحصاد المحلي.

والنتيجة تتكرر : وفرة في المعروض، وانهيار في الأسعار، وخسائر يتحملها المزارع أولًا، في مشهد ينسجم مع ما يطرحه آدم سميث حين يربط بين اختلال التوازن الطبيعي للسوق وبين اضطراب العدالة الاقتصادية في دورة الإنتاج.

ليس المقصود إغلاق الأسواق أو الانكفاء الاقتصادي، بل إدراك أن لكل موسم ميزانه، وأن إدارة السوق لا تقل أهمية عن إنتاجه..وهو ما يقترب من رؤية ألفين توفلر حين يؤكد أن قوة الاقتصاد لا تكمن في وفرة الموارد فقط، بل في القدرة على إدارة تدفقها وتنظيم توقيتها.

فواكهنا اليوم ؛ لم تعد منتجات هامشية..الرمان، العنب، الخوخ، المشمش، التين، الحماط، والتين الشوكي ؛ كلها أثبتت حضورًا وجودة عالية في السوق المحلي، بما يجعلها قادرة على المنافسة متى ما أُتيحت لها بيئة سوقية عادلة.

لكن دخول المنتجات المستوردة في ذروة الموسم المحلي ؛ يؤدي إلى اختلال واضح في معادلة العرض والطلب، فتنهار الأسعار إلى مستويات لا تعكس القيمة الحقيقية للمنتج، وكأن السوق لا يعترف بالوفرة إذا لم تُنظَّم في إطارها الصحيح.

ومن زاوية أخرى ؛ تبرز ملاحظة مهمة تتعلق ببعض الشحنات المستوردة، حيث يُلاحظ أحيانًا تفاوت في الجودة داخل الصندوق الواحد؛ في الطعم والنضج والحالة العامة للثمار.

وهذا يمس مباشرة جوهر الثقة في السوق، وهو ما ينسجم مع طرح ستيفن كوفي حين يجعل من الثقة رأس المال الأهم في أي علاقة اقتصادية أو تجارية.

فحين يدفع المستهلك سعرًا قد يصل إلى 120 ريالًا أو أكثر في الصندوق الواحد ويلحظ تفاوت في الطَّعم ، فهو لا يشتري منتجًا فقط، بل يشتري تجربة متجانسة. وأي خلل في هذا التجانس ينعكس فورًا على سلوك المستهلك وثقته.

ومن هنا ؛ تبرز أهمية تشديد الرقابة على المواصفات القياسية للاستيراد، من حيث توحيد الفرز داخل العبوة، وضبط درجات الجودة، والتأكد من مطابقة ما يُسوّق لما يُسلَّم فعليًا للمستهلك.

لكن الإشكال الأعمق يتجاوز الاستيراد نفسه ؛ فالسوق الزراعي المحلي ما يزال يفتقد إلى منظومة متكاملة تربط الإنتاج بالتصنيع والتسويق، وهو ما يعبّر عنه بيتر دراكر حين يشير إلى أن ما لا يتحول إلى نظام قيمة لا يتحول إلى اقتصاد مستدام.

ومن هنا ؛ تتأكد الحاجة إلى مصانع تحويلية للفائض الزراعي ، وخطوط للتجفيف والتعليب والتجميد ، بالإضافة إلى تغليف وتسويق احترافي ، وسلاسل توزيع أكثر كفاءة ، وأسواق منظمة تربط المزارع بالمستهلك مباشرة.

إن تقنين الاستيراد في مواسم الحصاد المحلي ؛ ليس إجراءً حمائيًا، بل هو ضبط لإيقاع السوق، يهدف إلى حماية المنتج الوطني وضمان عدالة المنافسة ومنع تحوّل الوفرة إلى خسارة.

وفي النهاية ؛ تبقى القاعدة التي يفرضها الواقع قبل النظرية: حين لا يُنصف المنتج في موسمه ؛ يفقد السوق توازنه، ويفقد المزارع استمراريته، ويخسر الاقتصاد جزءًا من عدالته.