يتناول المقال ظاهرة لجوء بعض عمال النظافة في الشوارع إلى طلب المال بشكل غير مباشر عبر تحية المارة، ما يحوّل خدمة عامة ممولة من المال العام إلى مصدر دخل إضافي شبه يومي. يشير الكاتب إلى أن هذه الممارسات، إلى جانب بعض أشكال الأداء الصوري في أعمال النظافة، تثير تساؤلات حول ضعف الرقابة وتأثيرها الاقتصادي…
جملة تبدو عادية تمامًا، لكنها في بعض شوارع مدننا تحولت إلى إشارة يفهمها كثيرون، وإلى أسلوب غير معلن لطلب المال من بعض عمّال النظافة، حتى أصبح المشهد مألوفًا لدى الناس أكثر مما ينبغي.
ففي الوقت الذي تحمل فيه الجهة المسؤولة اسم “الأمانة”، يشعر البعض أحيانًا أن قيمة الأمانة نفسها تغيب عن بعض الممارسات اليومية في الشارع؛ حيث تتكرر مشاهد طلب المال بطريقة غير مباشرة، وكأنها أصبحت جزءًا من الواقع المعتاد.
المشهد لم يعد غريبًا: عامل يقف مبتسمًا، يحيّي المارة بقوله: “السلام عليكم”، وما إن يأتي الرد: “وعليكم السلام”، حتى تبدأ الإشارات المفهومة التي يقصد منها طلب المقابل. وربما لا تكمن المشكلة في الطلب بحد ذاته بقدر ما تكمن في تحوّل الخدمة العامة — التي تموَّل أساسًا من المال العام — إلى باب إضافي لجمع الأموال من المواطنين بصورة شبه يومية.
كما يلاحظ البعض وجود ممارسات شكلية في أعمال النظافة؛ كتنظيف مؤقت أو غير مكتمل، بما يجعل الموقع يبدو وكأنه يحتاج باستمرار إلى إعادة العمل فيه. ومع أن هذه التصرفات لا يمكن تعميمها على الجميع، إلا أن تكرارها يثير تساؤلات حول مستوى المتابعة والرقابة.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن هناك كثيرًا من العمّال يؤدون أعمالهم بإخلاص وتحت ظروف مناخية صعبة تستحق التقدير والاحترام. لكن الحديث هنا عن السلوكيات الخاطئة التي تتكرر حتى أصبحت ملحوظة لدى شريحة واسعة من الناس.
الأمر لا يتوقف عند الجانب الخدمي فقط، بل يمتد إلى جانب اقتصادي مهم. فالأموال التي تُجمع بهذه الطرق — مهما بدت بسيطة — يتم تحويل جزء كبير منها إلى خارج البلد، فيما يُعرف اقتصاديًا بـ “التسرّب المالي”، أي خروج الأموال من الدورة الاقتصادية المحلية دون أن تسهم في الاستثمار أو الاستهلاك الداخلي. ومع اتساع هذه الظاهرة، فإن أثرها التراكمي يصبح ملحوظًا على الاقتصاد المحلي.
لسنا ضد مساعدة المحتاج، ولا ضد الصدقة والإحسان، فهذه قيم أصيلة في مجتمعنا. لكن الفرق كبير بين المساعدة الطوعية وبين تحوّل بعض الخدمات العامة إلى مساحة مفتوحة لطلب الأموال بشكل متكرر ومنظم بصورة غير مباشرة.
ومن هنا، يبرز السؤال الحقيقي: أين دور الرقابة؟ وأين دور الأمانة في تنظيم هذه الممارسات ومعالجتها بما يحفظ هيبة العمل العام ويحافظ على جودة الخدمات؟
فالأمانة — كجهة — تحتاج دائمًا إلى ترسيخ الأمانة كقيمة، عبر المتابعة الجادة، وتحسين الرقابة، ومعالجة أي ممارسات تسيء للخدمة العامة أو تؤثر على المشهد الحضري والاقتصادي معًا.
وفي النهاية…
السلام عليكم…
وعسى أن يكون الرد هذه المرة عملًا يليق باسم “الأمانة”، وبوطن يستحق أن تُصان موارده وخدماته بكل إخلاص.

تعليقات