أصحاب الأنا المتضخمة | سبق

أصحاب الأنا المتضخمة | سبق

يركّز المقال على نقد تضخيم الألقاب والتمسّك بالمناصب بوصفها مصدر القيمة، موضحًا أن ذلك غالبًا ما يخفي فراغًا داخليًا وشعورًا بالنقص. ويؤكد أن الإنسان الحقيقي تُقاس قيمته بأخلاقه وأفعاله وتأثيره الطيب لا بما يعلّقه على اسمه من ألقاب، وأن العظماء عبر التاريخ كانوا أكثر الناس تواضعًا، فالتواضع وعمق الو…

في زحام الحياة نلتقي بأصناف شتى من البشر، منهم من تعرف قيمته من تواضعه، ومنهم من لا يملك من الحضور إلا صدى اسمه، ولا من المجد إلا ما يتكئ عليه من لقب أو منصب. فتراه يقدم نفسه للناس بما يسبق اسمه من ألقاب جوفاء: “أنا المدير”، “أنا المهندس”، “أنا الدكتور”، “أنا ابن فلان”. وكأن الإنسان في ظنه لا يقاس بعقله وخلقه بل بما يعلقه على صدره من ألقاب زائلة.


إن تضخيم الأنا في كثير من الأحيان قناع هش يخفي فراغا داخليا وشعورا دفينا بالنقص، مهما ظن أصحابه أنه صورة من صور العظمة. فالعقول الكبيرة، لاتحتاج إلى ضجيج كي تثبت حضورها لان الأفعال تتحدث عنها بصمت يملأ المكان هيبة واحتراما، أما محدودو الفكر فإنهم يستعيضون عن العمق بالمظاهر وعن الحكمة بالتفاخر ولعل أكثر ما يثير الأسى أن بعض هؤلاء لم تصقلهم الحياة بتجارب حقيقية. وانما تجدهم يعيشون أسرى لمناصبهم، ويظنون أن الكرسي يرفع من قيمة الإنسان، وينسون أن المناصب تستعار زمنا ثم تمضي، ويبقى الأثر الطيب شاهدا على نبالة المرء ورجاحة عقله.

فكم من إنسان بسيط بلا لقب ، لكنه يملك من الرقي والوعي ما يجعله أكبر من أصحاب المناصب جميعا، وكم من صاحب منصب عال لا يملك من علوه سوى الاسم. إن الإنسان الحقيقي لايحتاج أن يعلن عن نفسه في كل مجلس،

فالنبل يرى في السلوك، والعقل يعرف من الحديث، والقيمة تقاس بما يقدمه المرء للناس لا بما يقوله عن نفسه. فالأشجار المثمرة تنحني تواضعا، أما الفارغة فهي أكثر ضجيجا حين تعبث بها الرياح. وعند تأمل العظماء عبر التاريخ، نجد أن أكثرهم تواضعا هم أعمقهم أثرا.

لم يكونوا أسرى لكلمة “أنا” ولكن انشغلوا بما سيتركونه خلفهم من علم أو خلق أو إنجاز.

أما أولئك الذين يملؤون الدنيا بأسمائهم وألقابهم، فغالبا ما يختفون سريعا، ذلك لأن الضجيج لا يصنع القيمة ولأن الأحترام الحقيقي لا يطلب بالكلمات بل ينتزع بالأفعال،

وهكذا يكون تضخيم الأنا علامة على ضيق الأفق لاعلى علو المقام، ودليلا على هشاشة الداخل لا على قوة الشخصية فالإنسان كلما ازداد وعيا، أدرك أن قيمته الحقيقية تكمن في تواضعه، وفي قدرته على أن يكون إنسانا قبل أن يكون صاحب منصب أو اسم أو نسب.