استخدم باحثون من جامعة أوساكا الذكاء الاصطناعي لتحليل البنية الجزيئية للماء فائق التبريد، عبر محاكاة ديناميكا جزيئية وشبكة عصبية قارنت 16 مؤشرًا بنيويًا. ونجحوا في تحديد الأوصاف الرياضية الأوضح للفصل بين البنى منخفضة وعالية الكثافة، ما يفسر جانبًا من الخصائص الفيزيائية غير العادية للماء.
يُعدّ الماء عنصراً أساسياً في الحياة اليومية، غير أنه لا يزال يُمثّل ظاهرة علمية فريدة تستعصي على التفسير الكامل؛ إذ لا يتبع سلوكه دائماً الأنماط المعتادة في السوائل الأخرى.
ولعل أوضح الأمثلة على ذلك ظاهرة التجمّد؛ فمعظم المواد تزداد كثافتها عند تحوّلها إلى الحالة الصلبة، بينما يتمدد الماء عند تجمّده، ولهذا يطفو الجليد على السطح، ويتسبب الماء المتجمّد في تشقق الأنابيب والصخور والأوعية. ويرتبط هذا السلوك بكيفية ترتيب الجزيئات على المستوى المجهري.
وفي هذا السياق، لجأ باحثون من جامعة أوساكا إلى الذكاء الاصطناعي لدراسة هذه البنية الجزيئية الخفية. وبحسب موقع “ساينتفك روسيا”، تمثّل هدف الدراسة في مقارنة مختلف التفسيرات العلمية للماء فائق التبريد، وتحديد أيّها يُفسّر خصائصه غير العادية على أفضل وجه.
ما الماء فائق التبريد؟
الماء فائق التبريد هو الماء الذي يبقى في حالته السائلة عند درجة حرارة أدنى من نقطة تجمّده الطبيعية، وذلك حين يكون نقياً بما يكفي لغياب مراكز التبلور كالشوائب أو الخدوش على جدران الوعاء. وتكتسب هذه الحالة أهمية علمية بالغة لأن الخصائص غير العادية للماء تبرز فيها بصورة أجلى، مما يُتيح للباحثين فرصة أفضل لدراسة الأنماط الجزيئية المسؤولة عن سلوكه الغريب.
بنيتان متنافستان
على المستوى الجزيئي، يتشكّل الماء عبر روابط هيدروجينية غير دائمة؛ تتشكّل وتنكسر وتُعاد تنظيمها باستمرار، مما يجعل الماء السائل شبكة متحركة لا بنية ثابتة.
وقد ركّزت الدراسة على شكلين بنيويين متنافسين داخل الماء فائق التبريد: الأول بنية سائلة منخفضة الكثافة تتخذ فيها الجزيئات ترتيباً أكثر انفتاحاً، والثاني بنية سائلة عالية الكثافة ذات ترتيب أكثر تماسكاً. ويُساعد التوازن بين هذين الشكلين في تفسير السلوك غير المعتاد للماء، إذ تتغير هيمنة أحدهما على الآخر بتغيّر درجة الحرارة؛ فمع ارتفاعها تصبح البنى عالية الكثافة أكثر شيوعاً.
دور الذكاء الاصطناعي
كان الباحثون يمتلكون عدة طرق لوصف هذه الترتيبات الجزيئية، تُعرف بالمؤشرات البنيوية، إلا أن صعوبة مقارنتها نشأت من كونها أُنشئت بشكل منفصل واعتمدت معايير مختلفة.
وقد أسهم الذكاء الاصطناعي في حل هذه الإشكالية؛ إذ اعتمد الباحثون على محاكاة الديناميكا الجزيئية لرصد حركة الجزيئات وتفاعلاتها، ثم وظّفوا شبكة عصبية اصطناعية لمقارنة 16 مؤشراً بنيوياً وتقييم قدرة كل منها على التمييز بين البنيتين عالية ومنخفضة الكثافة.
ولم يكن دور الذكاء الاصطناعي هنا اكتشاف الماء من جديد، بل تحديد الأوصاف الرياضية الأكثر دقة في تجسيد الاختلافات الجزيئية المهمة داخل الماء فائق التبريد.
أبعاد أوسع
تتجاوز قيمة هذا العمل نطاق التجربة الواحدة؛ ففهم البنية المجهرية للماء قد يُساعد الباحثين على تفسير أسباب امتلاكه خصائص فيزيائية استثنائية، فضلاً عن إبراز قدرة الذكاء الاصطناعي على دعم العلوم الأساسية من خلال تنظيم البيانات المعقدة والكشف عن القياسات الأكثر دلالة.
والخلاصة أن الماء، رغم بساطته الظاهرة، ينطوي على تنافس جزيئي معقد لا يزال يُخفي أسراراً علمية عميقة، والذكاء الاصطناعي يُصبح أداة متقدمة للكشف عنها.
