التعليم

بين أنقرة و”العمال الكردستاني”.. ما تريده طهران وما تقدر عليه

على مدى أكثر من 4 عقود، لم تبتعد إيران أبدا عن الصراع بين تركيا ومسلحي حزب العمال الكردستاني، بل كانت سباقة لتعطيل أي حلول للتهدئة يسعى الجانبان التوصل اليها.

اليوم تبدو حدود الدور الإيراني وقدرته محل تساؤلات منطقية: هل تستطيع طهران ما بعد الحرب ممارسة أدوارها السابقة بنفس التأثير؟ وإلى أي مدى يمكن لنظام ترنح ضد وطأة ضربات عسكرية قوية مواصلة السير في طريق سار عليه طويلا من قبل.

قياديان كرديان إيرانيان ورئيس حزب أحوازي معارض قالوا لـ”الحرة” إن الحرس الثوري نجح منذ الثمانينيات في التقارب مع جناح رئيسي داخل حزب العمال الكردستاني، المصنف من قبل الولايات المتحدة منظمة إرهابية. وقدم الحرس الثوري التسهيلات الكاملة لهذا الجناح، واتخذه وسيلة للتحكم، وراح يلعب به كورقة ضغط ضد تركيا متى أراد ذلك ضمن سياق التنافس التاريخي بين البلدين.

لكن تلك العلاقات تدهورت عام 2004 إثر تأسيس العمال الكردستاني لحزب الحياة الحرة “پاژاك”، الجناح الإيراني للحزب الذي خاض معارك ضد الحرس الثوري في كردستان إيران، وهو تطور أغضب الإيرانيين ودفعهم إلى قطع علاقاتهم مع العمال الكردستاني، بل وقصف مواقعه في جبال قنديل بالمدفعية الثقيلة.

ورغم إعلان إيران رسميا ترحيبها بقرار حل العمال الكردستاني في مايو 2025، ترى نفس القيادات المعارضة أن طهران ترحب بالعلن، لكنها تعتبر في الخفاء أي عملية سلام بين الأكراد وتركيا تهديدا لها، فهي لا تريد الاستقرار لمنافستها تركيا، ولا تريد علاقات ودية بين الأكراد وتركيا، خوفا على مصالحها الاقتصادية والأمنية في المنطقة من نفوذ تركي تضعه في خانة النفوذ الغربي.

طهران تخشى أيضا انضمام عدد من مسلحي العمال الكردستاني الرافضين لتسليم أسلحتهم إلى القوى الكردية المناهضة لها. وبما أنها لا تزال تحظى بنفوذ على أجنحة داخل العمال الكردستاني رغم إعلان الحزب حل نفسه، فإنه يمكنها نظريا التدخل وتعطيل عملية السلام.

تردد من الناحيتين

لكن ناشطين ومقربين من العمال الكردستاني يقيمون في كردستان العراق نفوا لـ”الحرة” وجود أي علاقات بين الحزب والنظام في إيران، مؤكدين أن الحزب تعرض خلال السنوات الماضية للعديد من الهجمات الإيرانية وخاض معارك ضد الحرس الثوري.

وشددوا على أن قرار حل الحزب والمضي بمبادرة السلام جاءا استجابة لنداء زعيم الحزب المسجون في تركيا عبدالله أوجلان، وأن العمال الكردستاني حريص من جانبه على المضي بعملية السلام.

وكالة “رويترز” كشفت في مايو الماضي أن كلا من أنقرة وحزب العمال الكردستاني يرفضان الإقدام على الخطوة التالية في عملية السلام، وأن هذا تسبب بتعطيل الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع ​المستمر منذ 4 عقود.

واستندت الوكالة في تقريرها على مقابلات أُجريت مع مسؤولين أتراك ومشرعين وممثلين عن العمال الكردستاني، التي بينت أن حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان لا ترغب، لا هي ولا الجماعة المسلحة، في اتخاذ خطوات جريئة في الوقت الراهن، خاصة ⁠في ظل أجواء عدم الاستقرار بالمنطقة.

وتبدو الحكومة التركية مترددة في سن إصلاحات تشريعية، بما في ذلك العفو المحتمل عن مقاتلي الكردستاني السابقين، ومنح زعيمهم أوجلان دورا رسميا في ​عملية السلام.

وبينما تقول أنقرة إنه ينبغي على العمال الكردستاني نزع سلاحه بالكامل أولا، يرى الحزب أن إقدامه على ذلك سيجعله مكشوفا للمخاطر، ولذلك يجب ​أن تصدر التشريعات أولا.

لا فرصة إيرانية

الصحفي والباحث التركي في مجال الشرق الأوسط، إسماعيل جوكتان، يرى أن عملية السلام في تركيا أحرزت تقدما ملحوظا خلال الأيام الأخيرة بعد تقديم الإطار القانوني إلى أردوغان، معتبرا أن ذلك من شأنه إتاحة فرصة لعودة المقاتلين الأكراد إلى تركيا، ومشاركتهم في الحياة الاجتماعية والسياسية.

وكان الرئيس التركي كشف، في 24 يونيو الماضي، خلال كلمة باجتماع الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية، أن حكومته تعمل على إطار قانوني من شأنه تسريع عملية تفكيك حزب العمال الكردستاني ضمن مسار “تركيا بلا إرهاب”.

ولا يضمن جوكتان عدم تدخل إيران في عملية السلام داخل تركيا، لكنه يرى أنها لم تعد تمتلك ما يؤهلها للتدخل عموما في الشأن التركي.

“تحررت سوريا من قبضة الاحتلال الإيراني، وحيدت الميليشيات الإيرانية في العراق وأجبرت على الانخراط في الحكومة ضمن مسار ضبط الأسلحة غير النظامية، ورفضت الحركات الكردية المسلحة والمعارضة للنظام التدخل في الحرب الأخيرة، ولم تهاجم إيران بأي شكل من الأشكال.. وبالتالي وعقب الضربات التي تلقتها إيران من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد طهران تمتلك الآليات الكافية للتدخل في عملية السلام بين تركيا والأكراد”، بحسب ما يقول جوكتان لـ”الحرة”.

وكانت الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي في منظومة المجتمع الكردستاني (KCK) التي ينضوي تحتها حزب العمال الكردستاني، اتهمت السلطات التركية بالمماطلة في تنفيذ بنود اتفاق السلام بين الجانبين، وانتقدت القانون الإطار الذي طرحته أنقرة لتسريع تفكيك الكردستاني.

وقالت رئاسة المجلس في بيان: “لا أوجلان ولا حركتنا التحرّرية يقبلان سياسة فرض الأمر الواقع، والقول: لقد أصدرنا قانوناً ومن لا يقبله فليتحمّل النتائج، وتحويل ذلك إلى سياسة مفروضة، سيكون نهجاً بعيداً عن العقل وفرض سياسة حرب خاصة”.

وهددت بعدم تنفيذ القرارات التي اتخذت في مؤتمر حل الحزب، إذا لم تف الحكومة التركية بالتزاماتها وتطلق سراح زعيم الحزب (أوجلان) ليشرف على تنفيذ خطوات عملية السلام.

ويرى المستشار الأمني التركي، ليفنت كمال، أنه لا مجال للحديث عن تدخل إيراني في عملية السلام في تركيا فضلا عن سيطرتها عليها، خاصةً بعد الموقف الوسطي الذي اتخذته تركيا خلال الصراع الإيراني الأميركي الإسرائيلي.

ويقول كمال في تصريحات لـ”الحرة”: “رغم أن اللوبي الإيراني في تركيا نشط مؤخرًا بسبب الحرب، فهو يظل يفتقر إلى القدرة على التأثير في سياسة تركيا بعملية السلام. أما بالنسبة للأدوات الفعالة خارج تركيا، تظهر البيئة التي خلقتها الحرب أن الاحزاب الكردية في شمال العراق أيدت عملية السلام الجارية مع تركيا، واعتبرتها فرصة للنمو التجاري. ولن يُخاطر أحد بهذا من أجل مصلحة إيران”.

وعن إمكانية تحريك إيران لوكلائها في العراق ضد تركيا أو عملية السلام، يرى كمال أن أي محاولات استفزازية من جانب الحشد الشعبي ستُحبط أو تُكشف عبر التعاون بين أنقرة وأربيل وبغداد.

انتقادات شبه رسمية

وهاجمت الصحافة الإيرانية، في يوليو الماضي، عملية السلام في تركيا وحملت أنقرة مسؤولية العنف الذي تشهده البلاد بتأثير الصراع التركي الكردي.

وأشار تقرير نشره موقع “اقتصاد نيوز” المقرب من الرئيس الإيراني مسعود بزيشكيان، إلى أن الدستور التركي، رغم إعلان أنقرة عن مبادرة السلام، لا يزال لا يعترف بالهوية الكردية، ولم تُتح للأكراد في تركيا الفرصة، بل وأُجبروا على القتال.

وأضاف التقرير: “بعد مئة عام من إنكار هوية الأكراد ووجودهم، تتحدث الحكومة التركية اليوم عن عملية السلام، إذا منحت تركيا حقوق الأكراد سلميًا، فسيقبل الأكراد هذه الخطوة، وهم اليوم مستعدون لإلقاء أسلحتهم وتسليمها”.

ولفت إلى أن تركيا بلغت نقطة لم تعد قادرة عندها على هزيمة العمال الكردستاني أو الأكراد عسكريًا. وهو أمر اختُبر مرارًا في الماضي.

أما الخبير الإستراتيجي علاء النشوع فيرى أن تقييم إيران لعملية السلام في تركيا يندرج تحت مفهوم أن نجاحها سيدخل الإيرانيين بأزمات سياسية وأمنية وعسكرية، خاصة في الشمال الغربي للبلاد، ويفتح باب التمرد ضد نظام الملالي الحاكم.

ويوضح النشوع لـ”الحرة” أن نجاح عملية السلام في تركيا، وخروجها من حالة الجمود التي تعيشها الآن جراء الأوضاع التي تعيشها المنطقة والحرب الإيرانية الأميركية، يعد نقطة تحول في العلاقات الدولية بالنسبة لأنقرة، وهذا ما لا تريده إيران التي تسعى دائماً إلى إحداث فوضى.

جمال حسن محرر صحفي في العديد من المواقع العربيه والمصريه والاخبارية أكثر من هدة سنوات في مجال التدوين والصحافة خريج جامعه الأزهر الشريف قسم علوم

كل مقالات الكاتب

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *