التعليم

سوريا ولبنان.. لغة جديدة تتجاوز “الإرث السيئ”

فتح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، خلال زيارته إلى بيروت، بابا ظلّ موصدا لعقود.

ففي مشهد كان يصعب تصوّره قبل سقوط نظام بشار الأسد، شملت لقاءاته الرؤساء اللبنانيين الثلاثة، وقوى وشخصيات لبنانية شكّلت على مدى سنوات رأس حربة في مواجهة النفوذ السوري، من بينها رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل.

الزيارة وما تخللها من مصافحات ولقاءات، عكست محاولة من دمشق الجديدة لتقديم مقاربة مختلفة للعلاقة مع لبنان، تقوم على احترام سيادة الدولتين وإدارة الملفات الخلافية عبر المؤسسات الرسمية، بدلاً من النهج الذي طبع العلاقات بين البلدين لعقود.

غير أن الانتقال من الخطاب إلى الواقع لا يزال يواجه اختباراً صعباً. فالعلاقة اللبنانية-السورية مثقلة بإرث سياسي وأمني معقّد، يمتد من ملف المفقودين والمعتقلين، إلى ترسيم الحدود والتهريب، مروراً بملف اللاجئين السوريين والسجناء، وهي قضايا لم تُحل رغم تعاقب الحكومات وتبدّل الظروف.

وبحسب معلومات خاصة حصل عليها موقع “الحرة” من شخصيات شاركت في الاجتماعات التي عقدها الشيباني مع شخصيات سياسية ومرجعيات دينية لبنانية، فإن جانباً أساسياً من النقاشات دار بعيداً عن الإعلام، وتركّز على آليات معالجة هذه الملفات وبناء إطار جديد للعلاقة بين البلدين.

خلف الأبواب المغلقة

جاءت زيارة الشيباني إلى بيروت بعد حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن دور سوري محتمل في المساعدة على معالجة الصراع في لبنان، لكنها حملت، وفق المواقف المعلنة، رسالة مغايرة، مفادها أن لا نية لدمشق للتدخل في الشأن اللبناني، حيث أكد الشيباني الحرص على “تجاوز الإرث السيئ الذي عانى منه شعبا البلدين”،  وإقامة “علاقة جديدة مزدهرة تستفيد منها الأجيال القادمة”.

ورغم التكهنات التي سبقت الزيارة، لم يتحول سلاح حزب الله إلى محور النقاشات. وتكشف معلومات خاصة حصل عليها موقع “الحرة” من شخصيات شاركت في الاجتماعات أن المباحثات انصبت على إعادة تنظيم العلاقة بين بيروت ودمشق، ومعالجة الملفات العالقة منذ عقود، بعيداً عن القضايا التي أثيرت إعلامياً قبل الزيارة.

وفي الاجتماع الذي عُقد في مقر حزب الكتائب اللبنانية. فإن أكثر ما لفت الجانب اللبناني كما يقول النائب والوزير السابق إيلي ماروني، الذي شارك في اللقاء، هو الطريقة التي خاطب بها الشيباني الجانب اللبناني، موضحاً أنه لمس انتقالاً إلى “علاقة بين دولتين”، بعيداً عن النهج الذي حكم المرحلة السابقة.

وبحسب ما يقوله ماروني لموقع “الحرة”، أكد الشيباني أن سوريا تحترم سيادة لبنان ووحدة أراضيه واقتصاده، وأن دمشق “لا تحمل أي نية عدائية تجاه أي فريق في لبنان، ولا تنوي الدخول إلى الأراضي اللبنانية من أي منطقة كانت”.

وشكّل ملف اللبنانيين المفقودين والمعتقلين في سوريا أحد أبرز محاور النقاش. ويكشف ماروني أن “حزب الكتائب طالب السلطات السورية الجديدة بكشف مصير هؤلاء بعد سنوات طويلة من الانتظار، وفي مقدمهم عضو المكتب السياسي لحزب الكتائب بطرس خوند. “

وفي المقابل، أثار الشيباني قضية المفقودين السوريين، مشيراً إلى وجود سوريين فقدوا في لبنان، إضافة إلى آلاف المفقودين داخل سوريا، مؤكداً أن السلطات السورية تعمل على هذه الملفات بهدف “كشف الحقائق وإقفال هذا الجرح المفتوح لدى الشعبين”.

ويُعد ملف اللبنانيين المفقودين والمخفيين قسراً من أكثر الملفات تعقيداً في العلاقات بين البلدين، إذ يعود إلى سنوات الحرب الأهلية وما تلاها من حقبة الوجود السوري في لبنان.

ورغم إفراج النظام السوري السابق عن دفعتين من المعتقلين عامي 1998 و2000، بقيت جمعيات لبنانية تؤكد أن مئات اللبنانيين ظلوا محتجزين في السجون السورية، فيما واصلت دمشق نفي ذلك.

ومع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 وفتح السجون السورية، عاد الملف إلى الواجهة من جديد، في ظل غياب أي معلومات حاسمة عن مصير مئات اللبنانيين. وكانت لجنة الطوارئ اللبنانية الخاصة بالملف قد وثقت وجود 725 لبنانياً معتقلاً في سوريا.

وامتد النقاش أيضاً إلى ملف عودة اللاجئين السوريين. ويقول ماروني إن حزب الكتائب “شدد على ضرورة تسريع عودة اللاجئين إلى قراهم ومدنهم، فيما أكد الشيباني أن إعادة السوريين إلى بلادهم تمثل أولوية كذلك بالنسبة إلى السلطات السورية، الأمر الذي يفرض على الدولة اللبنانية وضع آلية عملية تترجم هذا التوافق إلى خطوات تنفيذية”.

وتشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من نصف مليون سوري عادوا من لبنان منذ سقوط نظام الأسد، فيما لا يزال لبنان يستضيف مئات الآلاف من السوريين، ما يبقي ملف العودة في صدارة القضايا السياسية والاقتصادية بين البلدين.

كما تناولت المباحثات وفق ماروني سبل تنظيم التعاون الاقتصادي والاجتماعي والصحي والتربوي، في مؤشر إلى رغبة مشتركة في إعادة العلاقة اللبنانية-السورية إلى إطارها الرسمي والمؤسساتي، بعيداً عن القنوات الأمنية التي هيمنت على جانب كبير من العلاقة خلال العقود الماضية.

وخلال لقاء الشيباني بالرئيس جوزاف عون، شدد الأخير على ضرورة بناء علاقة تقوم على التعاون والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مرحباً بالتنسيق الأمني بين البلدين، ولا سيما في ضبط الحدود ومكافحة التهريب.

من طرابلس.. ملف آخر

أما في طرابلس، المدينة التي كانت في طليعة المدن اللبنانية الداعمة للثورة السورية، فكانت المحطة الأخيرة في جولة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني. وشهدت الزيارة استقبالاً شعبياً أمام دار الفتوى، فيما استحوذ ملف اللبنانيين الذين أوقفوا على خلفية تأييدهم الثورة السورية، جانباً أساسياً من النقاشات.

ويكشف النائب اللواء أشرف ريفي، الذي شارك في اللقاء، أن “الجانب السوري يتابع قضية السجناء السوريين في لبنان، مشيراً إلى أن الدولة اللبنانية بدأت بالفعل تنفيذ اتفاقية نقل المحكوم عليهم إلى سوريا”.

ويضيف في حديث لموقع “الحرة” أن “الشيباني أبلغ الحاضرين بأنه أثار مع المسؤولين اللبنانيين ملف اللبنانيين الذين أوقفوا بسبب تأييدهم الثورة السورية، مشدداً على ضرورة التمييز بينهم وبين من ارتكبوا جرائم جنائية، ومشيراً إلى أن الحكومة اللبنانية أبلغته بأنها تدرس هذا الملف”.

ويُعد ملف اللبنانيين الذين أوقفوا على خلفية دعم الثورة السورية، وهم ضمن ما يُعرف بـ”الموقوفين الإسلاميين”، من أكثر الملفات القضائية إثارة للجدل في لبنان. ويقضي بعض هؤلاء أحكاماً مشددة وصلت إلى السجن المؤبد أو الإعدام، فيما أمضى آخرون سنوات طويلة في التوقيف من دون صدور أحكام بحقهم. وبحسب رئيس الشؤون الإعلامية في هيئة رعاية السجناء وأسرهم في دار الفتوى، نديم بيضون، يبلغ عدد “الموقوفين الإسلاميين” 168 موقوفاً.

وبدأت بيروت ودمشق تنفيذ اتفاقية نقل المحكوم عليهم، إذ تسلّمت سوريا 132 سجيناً في مارس ثم 128 آخرين في يونيو 2026. إلا أن الاتفاقية تقتصر على المحكوم عليهم، ولا تشمل الموقوفين الذين لا تزال محاكماتهم معلقة، كما أنها لا تقتصر على فئة “الموقوفين الإسلاميين”، فيما لا يزال مشروع قانون العفو العام متعثراً في مجلس النواب.

ويرى ريفي أن الزيارة عكست تحولاً واضحاً في الخطاب الرسمي السوري تجاه لبنان، قائلاً إن الشيباني استخدم لغة “لم نكن معتادين سماعها من المسؤولين السوريين، تقوم على الاعتراف بلبنان دولة مستقلة ذات سيادة، فيما كان النظام السابق ينظر إلى لبنان باعتباره امتداداً لسوريا”.

مفتاح المرحلة

وإذا كانت الملفات الإنسانية والقضائية قد استحوذت على جانب من النقاشات، فإن أبرز النتائج العملية للزيارة تمثلت في توقيع اتفاق إنشاء اللجنة العليا اللبنانية–السورية المشتركة، في خطوة تهدف إلى وضع العلاقة بين البلدين ضمن إطار مؤسساتي دائم.

وقعت سوريا ولبنان اتفاق إنشاء اللجنة العليا اللبنانية–السورية المشتركة، في خطوة تهدف إلى وضع العلاقة بين البلدين ضمن إطار مؤسساتي دائم.
وقعت سوريا ولبنان اتفاق إنشاء اللجنة العليا اللبنانية–السورية المشتركة، في خطوة تهدف إلى وضع العلاقة بين البلدين ضمن إطار مؤسساتي دائم.

وأوضح الشيباني أن اللجنة ستضم مختلف الوزارات المعنية، وستتولى متابعة ملفات التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري، إلى جانب التفاهمات الأمنية وتوسيع مجالات التنسيق بين بيروت ودمشق.

ويرى الكاتب والباحث السياسي جان الفغالي أن اللجنة تمثل بديلاً عملياً للمجلس الأعلى اللبناني–السوري، الذي أُنشئ بموجب معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق لعام 1991، وكان يُعد أحد أبرز رموز مرحلة الوصاية السورية على لبنان.

ويشير الفغالي لموقع “الحرة” إلى أن اللجنة الجديدة “ستكون الإطار الرسمي الذي تُدار من خلاله العلاقة والتواصل بين البلدين في المرحلة المقبلة”.

إلا أن إنشاء اللجنة، بحسب مراقبين، لا يعني بالضرورة تسوية الملفات العالقة. ويقول ماروني إن “تنفيذ ما تم الاتفاق عليه وإثبات حسن النيات سيعتمدان على عمل هذه اللجنة”.

من جانبه/ يعتبر الفغالي أن نجاح اللجنة لن يتوقف على الإرادة السياسية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى بيئة قانونية وإدارية تساعد على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، موضحاً أن “سوريا تمضي بسرعة في تحديث قوانينها، بينما لا يشهد لبنان الوتيرة نفسها، ما قد يعيق تنفيذ التفاهمات”.

في المحصلة، لم تحمل زيارة الشيباني حلولاً فورية للملفات التي تراكمت بين بيروت ودمشق على مدى عقود، لكنها دشّنت مساراً مختلفاً في إدارة العلاقة بين البلدين، ويبقى الاختبار الحقيقي في القدرة على ترجمة هذا التحول السياسي إلى إجراءات ملموسة.

جمال حسن محرر صحفي في العديد من المواقع العربيه والمصريه والاخبارية أكثر من هدة سنوات في مجال التدوين والصحافة خريج جامعه الأزهر الشريف قسم علوم

كل مقالات الكاتب

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *