لم تكن عبارات مسؤول نقدي لتقلب مؤشرات العالم كما فعلت كلمات آلان غرينسبان. صاغ ما عُرف لاحقاً بـ«لغة الفيدرالي»؛ إيماءات محسوبة وعبارات ملتبسة يقرأها المستثمرون كأنها إشارات سرية. الرجل الذي حوّل الخطاب إلى أداة سياسة بحد ذاته، يترجل اليوم تاركاً وراءه سجالاً ممتداً حول الطريقة والنتائج.
رحل غرينسبان عن عمر 100 عام بعد مسيرة جعلته بين أكثر رؤساء الاحتياطي الفيدرالي نفوذاً وإثارة للجدل. لم يكتفِ بإدارة أسعار الفائدة، بل تحكم أيضاً بتوقعات الأسواق، فتبدلت القيمة التريليونية للأصول صعوداً وهبوطاً كلما فُسرت جملة أو فُهم سطر.
الاختبار الذي صنع «المايسترو»
ما إن تسلم المنصب في 11 أغسطس/آب 1987 خلفاً لبول فولكر حتى داهمته العاصفة. في أكتوبر من العام نفسه انهار «داو جونز» بأكثر من 22% في يوم واحد. أعلن رئيس الفيدرالي الجديد استعداد البنك لتوفير السيولة للنظام المالي، فانحسر الذعر واتسعت الثقة. من هناك خرج لقبه الأشهر: «المايسترو»، بوصفه القادر على ضبط الإيقاع عند الأزمات.
من موسيقى الجاز إلى قمة القرار النقدي
وُلد آلان غرينسبان في 6 مارس/آذار 1926 بحي واشنطن هايتس في نيويورك، ونشأ على وقع آثار الكساد العظيم. بدايته لم تكن في الاقتصاد؛ أتقن العزف على الكلارينيت والساكسفون ومرّ بمدرسة جوليارد الموسيقية وعزف مع فرقة لوودي هيرمان، قبل أن يحسم خياره الأكاديمي نحو الاقتصاد.
نال البكالوريوس والماجستير من جامعة نيويورك، ثم أنهى الدكتوراه عام 1977 وهو في الحادية والخمسين بعد سنوات من العمل المهني والاستشاري. دخل واشنطن من بوابة مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس جيرالد فورد في سبعينيات القرن الماضي، وترأس لاحقاً اللجنة الوطنية لإصلاح الضمان الاجتماعي مطلع الثمانينيات.
لغة الغموض وتأثير العبارة الواحدة
على منصة الكونغرس كان حضوره تمريناً دائماً على تفكيك المعاني. صيغٌ حذرة، أسئلة تُجاب بنصف ابتسامة ونصف جملة. بعد التقاعد قالها صراحة: التعمد في الغموض كان وسيلة لحماية الأسواق من الارتباك ولمنع كشف التوجهات قبل أوانها. ومع ذلك، حين اختار الوضوح دوّى الأثر؛ عبارة «النشوة غير العقلانية» عام 1996 كانت كافية لإشعال اضطراب فوري في أسواق المال، وتحولت بمرور الوقت إلى مصطلح مفتاحي في قواميس الاستثمار.
تسعة عشر عاماً بين الأزمات والازدهار
امتدت ولايته قرابة 19 عاماً تحت أربعة رؤساء، وهي ثاني أطول فترة في تاريخ المؤسسة. عبر خلالها ركودات وأزمات آسيوية عام 1997 وتعثراً روسياً في 1998 وإنقاذ «لونغ تيرم كابيتال مانجمنت»، ثم هجمات 11 سبتمبر 2001، وطفرة التكنولوجيا وانفجار فقاعة الإنترنت. مؤيدوه يرونه ركناً في أطول توسع اقتصادي عرفته الولايات المتحدة، بينما يحمّله منتقدوه جانباً من التمهيد لفقاعة الإسكان والأزمة المالية العالمية بسياسة الفائدة المنخفضة.
بعد مغادرته المنصب عام 2006 تكاثفت الانتقادات. أقر بأنه لم يلمس مبكراً حجم المخاطر المتراكمة في سوق الرهن العقاري، لكنه تمسك بفكرته عن توسيع مالكي المساكن كركيزة لاقتصاد السوق. كان يردد أن المشاعر الإنسانية تحكم الأسواق بقدر المعادلات؛ الخوف أسرع في الهدم من قدرة التفاؤل على البناء.
بعد الخروج: كتابة ونصح واستقلالية الفيدرالي
أسس شركة استشارات خاصة وواصل الكتابة والمحاضرات. حقق كتابه «عصر الاضطراب» انتشاراً واسعاً، واستمر في التعليق على القضايا الاقتصادية منتقداً أي تدخل سياسي يحد من استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، مؤكداً أن مصداقيته تقوم على بقائه بعيداً عن الضغوط الحزبية.
برحيل غرينسبان يغيب شاهد على قرن من التحولات الاقتصادية والسياسية؛ بدأ حياته عازف جاز في نيويورك، وختمها أحد أكثر صناع القرار تأثيراً في الاقتصاد العالمي. ترك وراءه أسلوباً في التواصل جعل الأسواق تترقب الكلمة كما تترقب القرار.


تعليقات